مفهوم “المرونة البطولية” لدى قائد الثورة الإسلامية

ضمن موافقة قائد الثورة الإسلامية على التحركات الصحيحة والمنطقية في السياسة الخارجية، صرح سماحته قائلاً: أوافق على المنهج الذي أطلقت عليه عنوان “المرونة البطولية” قبل سنوات لأنها مفيدة وضرورية للغاية أحياناً، ولكن بعد الالتزام بالمبدأ الأساس.

لا شك في أن فكر الثورة الإسلامية يعتبر نطاقاً مناسباً لإنتاج خطاب ومفاهيم سياسية تتلائم مع ظروف العصر، وهذه في الحقيقة نقطة قوة لهذا الخطاب، حيث يمكن من خلالها إيجاد مفاهيم وبالتالي برامج سياسية. وضمن كلامه حول الواقع الدبلوماسي للجمهورية الإسلامية، أضاف قائد الثورة الإسلامية سماحة الإمام السيد علي الخامنئي مفهوماً جديداً إلى مفاهيم الثورة الإسلامية وهو مفهوم “المرونة البطولية”، حيث صرح لدى استقباله بعض قادة الحرس الثوري، قائلاً: النطاق الدبلوماسي هو نطاق تبسم وطلب إجراء مباحثات، وبالتالي القيام بها وجميع هذه الأعمال يجب أن يتم إدراكها في إطار التحدي الأساسي.

وقد وافق سماحته على التحركات الصحيحة والمنطقية في السياستين الداخلية والخارجية، وقال: نحن لا نخالف التحركات الدبلوماسية الصحيحة والمنطقية (…)، أنا أؤمن بالمفهوم الذي ذكرته قبل سنوات وهو “المرونة البطولية”.

طبعاً بعد أن أطلق سماحته هذه التصريحات، طرحت العديد من التحاليل والاستنتاجات حوله، ويمكن بيانه في السياسة الخارجية للحكومة الإسلامية كما يلي:

هناك أهداف خاصة لكل حكومة في سياساتها الخارجية، حيث تحاول تحقيقها على أساس إستراتيجية مناسبة وهذه الأهداف بالتالي تنصب في تحقيق متطلبات أمنية وإستراتيجية واقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية، ولكن لا ينبغي توقع أن هذه الأهداف تبقى إلى الأبد في مختلف الظروف والمقتضيات، إذ أن هناك الكثير من العوامل الداخلية والخارجية التي تؤدي إلى ضرورة تغييرها في السياسة الخارجية. كما أن هناك أمورا مختلفة تلعب دوراً في تعيين أهداف السياسة الخارجية، وأهمها امتلاك فهم صحيح حول القدرات الوطنية والمسائل المحذورة إقليمياً ودولياً، لذا يجب أن يكون هناك تلفيق بين الإمكانيات والأهداف وبين الاختيار أو الإجبار الناشئين من الواقع الموجود. أما القدرات الوطنية فهي ترتكز على نوعين من السلطة التخطيطية والتطبيقية وأما القضايا الإقليمية فهي تستند إلى واقع النظام الدولي وهيكله، وعلى هذا الأساس فإنه من العبث توقع حدوث استقرار في السياسة الخارجية نظراً للظروف العالمية التي تتغير باستمرار.

والحكومة الإسلامية بدورها لها أولويات وأهداف معينة في سياستها الخارجية وهي إلى جانب تحقيق أهدافها ومصالحها الوطنية تسعى إلى تحقيق المصالح الإسلامية وبالطبع فإن أصول تصرفاتها تعتمد على التعاليم الدينية لسعادة البشرية.

وعند تطبيق الأهداف متوسطة الأمد على أهداف الحكومة الإسلامية يمكن القول بأن الحكومة الإسلامية في جميع الأحوال تعتبر عضواً من أعضاء المجتمع الدولي، وهي مضطرة لإقامة العلاقات وإزالة التوتر على المستوى الدولي، وهذا الأمر مرتبط بالمقتضيات الزمكانية. فمراعاة المصالح الوطنية لا تتعرض مع مراعاة المصالح الإسلامية، وهذا الأمر شهدناه في سياسة الإمام الخميني (رحمه الله) عندما وافق على القرار رقم 598، ورجح عنصر المصلحة.

لذا ينبغي التعامل مع الأمور بواقعية ومعرفة مقتضيات وحدود العلاقات الدولية ولا يمكن ترسيم السياسية الخارجية للدولة الإسلامية بشكل مثالي في منطقة فراغ.

أما الاستنتاجات المفهومية لمصطلح “المرونة البطولية” فيمكن بيانها كالتالي:

هذا المفهوم لا يعد موضوعاً ومحوراً مبتكراً، لأن الدبلوماسية تعني فن إدارة السياسة الخارجية، فالدبلوماسية عبارة عن فن ونموذج إداري غير مرتبط بالأصول المبدئية للسياسة الخارجية، ولكن نظراً لمحورية المصلحة في السياسة الخارجية الإسلامية، فإن بعض المفاهيم كـ “إزالة التوتر” و”المرونة البطولية” تتناغم مع السياسة الخارجية الإسلامية، حتى وإن ارتكزت السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية على أصول “العزة والحكمة والمصلحة” التي يعتبرها قائد الثورة الإسلامية بأنها مثلث إلزامي في نطاق العلاقات الدولية. كما أن أفق تعامل الجمهورية الإسلامية مع سائر البلدان خلال عقدين من الزمن يستند إليها.

فالجمهورية الإسلامية لا تسعى إلى خلق توتر في علاقاتها مع سائر البلدان، بل تريد تطبيق هذه الأصول في سياستها الخارجية، وأثبتت أنها تريد تحقيق مصالحها الوطنية على هذا الأساس.

إذن مصطلح “المرونة البطولية” ليس مفهوماً مبتكراً أو غريباً، لكن الظروف الدولية ومساعي القوى السلطوية لضرب الجمهورية الإسلامية لأسباب وذرائع عديدة تقتضي تطبيق هذا المفهوم وتفعيله دبلوماسياً وإيجاد إصلاحات في السياسة الخارجية من شانها توفير الحد الأعلى من المصالح الوطنية، حيث نلاحظ هنا تحقق توازن بين الواقعية والمثالية ما يمكن أن يحظى بتأييد النخبة السياسية في البلاد.

الكاتب: محمد أمين صفوي