مقاصد الشريعة

مقاصد الشريعة

السؤال:

ما هي مقاصد الشريعة ؟ وما هو حكمها ؟ وما هي ضوابطها الشرعية إذا كانت صحيحة شرعاً ؟ وما هي الردود على القائلين بعدم صحتها أو بصحتها ؟ ولكم فائق القدير والاحترام .

الجواب:

قيل: ان مقاصد الشريعة تمثل منطلقات الشرع في أحكامه ، أو ما يسمى بعلل التشريع أو ملاكاته . وهو ما يريد الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يحققه من أهداف في حياته ، من خلال التزامه بهذا الحكم الشرعي أو ذاك . كما نلاحظ مثلا أن الله تبارك وتعالى يحدثنا عن الصلاة بقوله : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) العنكبوت / ۴۵ ، فالنهي عن الفحشاء والمنكر هو من مقاصد تشريع الصلاة ، ولذا ورد في الحديث الشريف : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا .

كما أن مقصد الصوم هو التقوى : ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ( البقرة / ۱۸۳ ) .  وهكذا ، فمقاصد الشريعة هي الأهداف التي تستهدفها الشريعة ، من خلال التشريع .

  ولكن الاشكال هنا هو إن الأحاديث الذي ذكرت بعض العلل للأحكام ، على نحوين : أحدهما : ما ثبت أنه علة للحكم بصورة قطعية ، استنادا إلى تصريح النص الشرعي بذلك ، أو لأن العلة قد جعلت عنوانا لموضوع الحكم أحيانا . . كالإسكار الذي هو علة لتحريم الخمر .

فإن قوله عليه السلام : كل مسكر حرام ، يظهر بجلاء أن الإسكار الذي علل به تحريم الخمر علة حقيقية لهذا التحريم ، ولذلك دار حكم التحريم مدارها وجودا وعدما ، حيث جعل المسكر موضوعا للحكم بالحرمة ، وذلك ظاهر .

الثاني : ما جاء على سبيل بيان فائدة مهمة من فوائد التشريع ، التي يريد الشارع صونها وحفظها ، فظهر في لسان الدليل بصورة التعليل للحكم ، وإن لم يكن علة تامة للتشريع ، وذلك مثل عدم اختلاط المياه في ما يرتبط بالعدة ، فليس ذلك هو علة للتشريع ، وإنما هو من حكمه وفوائده المهمة ، ولذلك تجب العدة حتى في صورة استئصال الرحم ، أو في صورة الوطء في الدبر .

وكما أن الشارع قد استعمل أسلوب التعليل في كلا الموردين ليظهر أهمية تلك الفوائد عنده واهتمامه بحفظها وصونها ، لم يمكن الاطمئنان في مقام الاستظهار والاستدلال إلى أن ما يذكر في صورة بيان السبب – هل هو علة حقيقية ؟ أم هو من لوازم العلة ، ومن الفوائد المهمة التي يريد الشارع أن يحفظها ويصونها ؟ ! .

وقد أدرك الفقهاء ، من خلال ذلك : أنه حين يكون المقصود هو إعطاء الضابطة ، وبيان علل التشريع الواقعية التي يدور الحكم مدارها وجودا وعدما ، فإن الشارع ملتزم بإزاحة العلة في بيان مقاصده ، ولن يترك الأمر بدون استقصاء البيان الكافي والشافي .

وقد ظهر من خلال ممارسة الأدلة أن ما أراد الشارع بيان علله الواقعية قليل جدا ، بل هو أقل القليل .

 وعليه فإن الصلاة وإن كانت قد شرعت من أجل أن تنهى عن الفحشاء ، والمنكر ، وقد اعتبر البعض هذا النهي لها من مقاصد الشريعة ، ولكن من الواضح أن ذلك ليس هو علة التشريع بحيث يدور مدارها وجودا وعدما ، ولأجل ذلك لا يحكمون ببطلان صلاة لم تنه صاحبها عن الفحشاء والمنكر ، ولا يوجبون عليه إعادتها ولا قضاءها .

وكذلك الصوم ، فإنّهم لا يحكمون ببطلانه إن لم يحقق التقوى ولا يوجبون إعادته ولا قضاءه ، ويلاحظ هنا ما في التعبير بكلمة ( لعل ) في قوله تعالى : ( لعلكم تتقون ) حيث دل على رجاء حصول ذلك ، مما يشير إلى أن ذلك هو فائدة متوخاة من التشريع ، وإن لم تكن هي تمام عناصر علته ، ومهما يكن من أمر ، فقد قلنا : إنّه لو كانت هذه الفائدة وتلك من المقاصد هي تلك التي تمنح مراعاتها توسعا في الفتوى أو تقييدا في الأحكام ، لوجب أن يكون لها تأثير في البطلان والصحة ، أو في الإعادة والقضاء ، أو في تحمّل أعباء معينة من أي نوع فرضت ، مع أن الأمر ليس كذلك ، ممّا يدل على أنّها ليست من المقاصد التي توجب توسعا في الفتوى ، أو تقييدا في الأحكام .

 وبعد ، فإن هناك مقاصد – كما في التقوى في الصوم ، ونهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر – تهدف إلى سوق الإنسان نحو مراتب ومقامات في الكمال قد تتجاوز ما يسعى إليه الكثيرون من الناس الذين رضوا بأن يخرجوا أنفسهم من منطقة الخطر ، ولا يريدون أكثر من ذلك .

وأخيراً نقول : ربما يؤدي ما يسعى إليه البعض من فتح باب الأخذ بمقاصد الشريعة ، واعتبارها من آليات التشريع ، إلى الوقوع في فخ خطير ، وذلك بسبب شيوع العمل بالاستحسان ، وبالرأي ، وبغير ذلك من ظنون لا قيمة لها في الشرع الحنيف ، ويكون الغطاء لذلك هو ادعاء إدراك مقاصد الشريعة ، والعمل على نيلها ، وسوق الناس إليها ، ولن يجدي نفعا إطلاق شعارات براقة ورنانة ، بأن هذه الأمور تحتاج إلى دقة في الاجتهاد ، أو ما إلى ذلك .

كما لا يفيد التباكي على مقاصد الشريعة ، حين تصبح الفتاوي فاقدة لها ، ولن يجدي أيضا وصف الحكم الشرعي بأنه يمثل جسدا بلا روح .

إن التربية الروحية هي التي تهيئ الإنسان الذي يتصدى لامتثال الحكم الشرعي لأن ينفخ فيه الروح من خلال إقباله على الله فيه ، وليس بإعطاء الحرية للناس من خلال شعار حفظ مقاصد للشريعة ليعبثوا بالشريعة حسب آرائهم واستحساناتهم .