أبي الحسن علي بن ميثم

مناظرة أبي الحسن علي بن ميثم مع بعضهم

سئل أبو الحسن علي بن إسماعيل بن ميثم ـ رحمه الله ـ فقيل له : لم صلّى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ خلف القوم ؟
قال : جعلهم بمنزلة السواري ( بمثل سواري المسجد ).

قال السائل : فلم ضرب الوليد بن عقبة الحد بين يدي عثمان ؟

قال : لان الحد له وإليه فإذا أمكنه إقامته أقامه بكل حيلة.

قال : فلم أشار على أبى بكر وعمر ؟

قال : طلبا منه أن يحيي أحكام الله عزوجل ويكون دينه القيم كما أشار يوسف ـ عليه السلام ـ على ملك مصر نظرا منه للخلق ، ولان الفرض والحكم فيها إليه فإذا أمكنه أن يظهر مصالح الخلق فعل ، وإذا لم يمكنه ذلك بنفسه توصل إليه على يدي من يمكنه طلبا منه لاحيأ أمر الله تعالى.

قال : فلم قعد عن قتالهم ؟

قال : كما قعد هارون بن عمران عن السامري وأصحابه ، وقد عبدوا العجل.

قال : أفكان ضعيفا ؟

قال : كان كهارون ـ عليه السلام ـ حيث يقول : ( ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) (۱) وكان كنوح ـ عليه السلام ـ ، إذ قال : ( أني مغلوب فانتصر ) (۲) ، وكان كلوط ـ عليه السلام ـ إذ قال : ( لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ) (۳) وكـان كموسى وهارون ـ‍ عليهما السلام ـ إذ قـال موسى : ( رب إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي ) (۴).

قال : فلم قعد في الشورى (۵) ؟

قال : اقتدارا منه على الحجة (۶) ، وعلما منه بأن القوم إن ناظروه وأنصفوه كان هو الغالب ، ولو لم يفعل وجبت الحجة عليه لانه من كان له حق فدعي إلى أن يناظر فيه أجاب ، فإن ثبت له الحجّة سُلِّم الحق إليه وأعطيه ، فإن لم يفعل بطل حقه وأدخل بذلك الشبهة على الخلق ، وقد قال ـ عليه السلام ـ يومئذ : اليوم أدخلت في باب إن أنصفت فيه وصلت إلى حقي ، يعني أن أبا بكر استبد بها يوم السقيفة ولم يشاوره.

قال : فلم زوج عمر بن الخطاب ابنته ؟

قال : لاظهاره الشهادتين وإقراره بفضل رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وأراد بذلك استصلاحه وكفه عنه ، وقد عرض لوط ـ عليه السلام ـ بناته على قومه وهم كفّار ليردّهم عن ضلالتهم ، فقال : ( هؤلا بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد ) (۷). (۸)

———————————————————————-

(۱) سورة الاعراف : الاية ۱۵۰٫

(۲) سورة القمر : الاية ۱۰٫

(۳) سورة هود : الاية ۸۰٫

(۴) سورة المائدة : الاية ۲۵٫

(۵) والجدير بالذكر هنا هو ما ذكره الشريف المرتضى في الشافي في الامامة ج۲ ص۱۵۴ ـ ۱۵۵ قال :

فأمّا دخول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ في الشورى فقد ذكر أصحابنا رحمهم الله فيه وجوهاً :

أحدها : أنه ـ عليه السلام ـ إنما دخلها ليتمكن من إيراد النصوص عليه والاحتجاج بفضائله وسوابقه وما يدل على أنه أحق بالامر وأولى ، وقد علمنا أنه لو لم يدخلها لم يجز منه أن يبتدي بالاحتجاج ، وليس هناك مقام احتجاج وبحث فجعل ـ عليه السلام ـ دخوله ذريعة الى التنبيه على الحق ، بحسب الامكان على ما وردت به الرواية فانّها وردت بأنّه ـ عليه السلام ـ عدد في ذلك اليوم جميع فضائله ومناقبه أو ذكّر بها.

ومنها : انه ـ عليه السلام ـ جوز أن يسلّم القوم الامر له ، ويذعنوا لما يورده من الحجج عليهم بحقّه فجعل الدّخول في الشورى توصلاً الى مستحقه وسبباً الى التمكين من الامر والقيام فيه بحدود الله ، وللانسان أن يتوصّل إلى حقّه ويتسبب إليه بكلّ أمر لا يكون قبيحاً.

ومنها : ان السبب في دخوله ـ عليه السلام ـ كان التقية والاستصلاح لانه ـ عليه السلام ـ لما دُعي إلى الدخول في الشورى أشفق من أن يمتنع فيتسبب منه الامتناع الى المظاهرة والمكاشفة ، وإلى أن تأخر من الدخول في الشورى انما كان لاعتقاده أنه صاحب الامر دون من ضمّ إليه فحمله على الدخول ما حمله في الابتدأ على اظهار الرضا والتسليم.

وقال ايضاً أعلى الله مقامه في ج۴ ص۲۱۴ : ولو لم يدخل فيها ( اي في الشورى ) الا ليحتج بما احتج به من مقاماته وفضائله ، وذرائعه ووسائله الى الامامة ، وبالاخبار الدالة عند تأملها على النص والاشارة بالامامة اليه لكان غرضاً صحيحاً ، وداعياً قوياً ، وكيف لا يدخل في الشورى وعندهم أن واضعها قد احسن النظر للمسلمين ، وفعل ما لم يسبق اليه من التحرز للدّين !

فأول ما كان يقال له ـ لو امتنع منها ـ : انك مُصرّح بالطعن على واضعها ، وعلى جماعة المسلمين بالرضا بها ، وليس طعنك الاّ لانك ترى أن الامر لك ، وانك احق به ، فيعود الامر الى ما كان ـ عليه السلام ـ يخافه من تفرق الامة ، ووقوع الفتنة ، وتشتّت الكلمة. انتهى كلامه عليه الرحمة.

وربما هناك أسباب اُخرى غير هذه منها ما ذكره الراوندي عن امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج۱ ص۱۸۹ : وروى القُطْب الراونديّ أن عمر لما قال : كونوا مع الثَّلاثة التي عبد الرحمن فيها ، قال ابن عباس لعليّ ـ عليه السلام ـ : ذهب الامرُ مِنّا ، الرجل يريد أن يكون الامر في عثمان ، فقال علي ـ عليه السلام ـ : وأنا أعلم ذلك ، ولكنّي أدخل معهم في الشورى ، لان عمر قد أَهّلني الان للخلافة وكان قبل ذلك يقول : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال إن النبوة والامامة لايجتمعان في بيت ، فأنا أدخل في ذلك لاظهر للناس مناقضة فعله لروايته. انتهى.

وليس فقط امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وابن عباس يعرفان نتيجة ـ الشورى ـ التي وضعها عمر على هذه الكيفية بل حتى عمر نفسه يعرف ما تؤول اليه هذه الكيفية التي وضعها ، والذي يؤكد ذلك ايضاً قوله لعثمان ـ وهو على فراش مرضه : هيهاً إليك ! كأني بك قد قلدتّك قريش هذا الامر لحبِّها إياك ، فحملتَ بني أمية وبني أبي مُعَيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفي ، فسارت إليك عصابة من ذُؤْبان العرب ، فذبحوك على فراشك ذبحاً ، والله لئن فعلوا لتفعلنّ ، ولئن فعلت ليفعلنّ ، ثم آخذ بناصيته ، فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي ، فإنه كائن.

انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج۱ ص۱۸۶٫

(۶) ولذلك احتج ـ عليه السلام ـ عليهم ـ يوم الشورى ـ بفضائله ولم يدع منقبة من مناقبه الا وذكرها لهم اقامة للحجة عليهم.

راجع : فرائد السمطين ج۱ ص۳۲۰ ـ ۳۲۲ ، ترجمة امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ من تاريخ دمشق ج۳ ص۹۱ ح۱۱۳۲ ، المناقب للخوارزمي ص۲۲۲ ـ ۲۲۵ ط نينوى طهران ، لسان الميزان ج۲ ص۱۵۶ ـ ۱۵۷ ط۱ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج۶ ص۱۶۷ ـ‍ ۱۶۸ ، الاحتجاج للطبرسي ج۱ ص۱۳۴ ـ ۱۴۵٫

(۷) سورة هود : الاّية ۷۸٫

(۸) الفصول المختارة ص۴۱ ، بحار الانوار ج۱۰ ص۳۷۳ ح۵٫