ali09

مناظرة أمير المؤمنين(ع) مع الزبير (۱) في حديث العشرة المبشرة بالجنة

عن سليم بن قيس الهلالي قال : لما التقى أمير المؤمنين عليه السلام أهل البصرة يوم الجمل نادى الزبير : يا أبا عبدالله أخرج إلي ؟ فخرج الزبير ومعه طلحة ، فقال لهما : والله إنكما لتعلمان ، وأولوا العلم من آل محمد ، وعائشة بنت أبي بكر ، أنّ كلّ أصحاب الجمل ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله ، وقد خاب من افترى !!

قالا له : كيف نكون معلونين ، ونحن أصحاب بدر وأهل الجنّة ؟ !

فقال لهما علي عليه السلام : لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم ؟ !

فقال له الزبير : أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروي : أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : « عشرة من قريش في الجنة » (۲) فقال له علي عليه السلام : سمعته يحدث بذلك عثمان في خلافته ؟

فقال له الزبير : أفتراه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

فقال له علي عليه السلام : لست أخبرك بشيء حتى تسميهم ؟!

قال الزبير : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن عمرو بن نفيل.

فقال له علي عليه السلام : عددت تسعةً فمن العاشر ؟

قال له : أنت.

فقال له علي عليه السلام : قد أقررت أني من أهل الجنة ، وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فأنا به من الجاحدين الكافرين.

قال له الزبير : أفتراه كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال عليه السلام : ما أراه كذب، ولكنه والله ، اليقين…الخ (۳).

وممّا روي في محاورتهما أيضاً يوم الجمل ما ذكره أبو الفرج بن الجوزي بسنده عن عبد السلام ـ رجل من حية ـ قال : خلا علي عليه السلام بالزبير يوم الجمل فقال : أنشدك الله ؟ هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنت لاوي يدي سقيفة بني فلان: لتقاتلنه وأنت ظالم له ؟ ثمّ لينصرنّ عليك ؟!

ثمّ قال : قد سمعته لا جرم ، لا أقاتلك !

ومن طريق آخر بسنده عن أبي جرو المازني قال : سمعت علياً عليه السلام وهو ناشد الزبير ، فقال : أنشدك الله يا زبير ، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنك تقاتلني وأنت ظالم ؟ !

قال : بلى ، ولكني نسيت (۴)

وفي رواية اُخرى قال له : نشدتك الله ! أتذكر يوم مررت بي ورسول الله صلى الله عليه وآله متكىء على يدك ، وهو جاءٍ من بني عوف ، فسلّم عليَّ وضحك في وجهي، فضحكت إليه ، لم أزده على ذلك ، فقلت : لا يترك ابن أبي طالب يا رسول الله زهوه ! فقال لك : مه إنه ليس بذي زهو ، أما إنك ستقاتله وأنت له ظالم!!

فاسترجع الزبير وقال : لقد كان ذلك ، ولكن الدهر أنسانيه ، ولاَنصرفن عنك، فرجع. (۵)

وفي رواية ثالثة عن أبي مخنف في كتاب الجمل ، قال : برز عليّ عليه السلام يوم الجمل ، ونادى بالزبير : يا أبا عبدالله، مراراً ، فخرج الزبير فتقاربا حتى اختلفت أعناق خيلهما ، فقال له علي عليه السلام : إنما دعوتك لاَذكِّرك حديثاً قاله لي ولك رسول الله صلى الله عليه وآله : أتذكر يوم رآك وأنت معتنقي ، فقال لك : أتحبه ؟ قلت : وما لي لا أحبّه وهو أخي وابن خالي ! فقال : أما إنّك ستحاربه وأنت ظالم له !

فاسترجع الزبير ، وقال : أذكرتني ما أنسانيه الدّهر ، ورجع إلى صفوفه.

فقال له عبدالله ابنه : لقد رجعت إلينا بغير الوجه الذي فارقتنا به !

فقال : أذكرني عليّ عليه السلام حديثاً أنسانيه الدهر ، فلا أحاربه أبداً ، وإني لراجع وتارككم منذ اليوم.

فقال له عبدالله : ما أراك إلاّ جبنت عن سيوف بني عبد المطلب ، إنّها لسيوف حداد ، تحملها فتية أنجاد.

فقال الزبير : ويلك ! أتهيجني على حربه ، أما إني قد حلفت ألاّ أحاربه !

قال : كفّر عن يمينك ، لا تتحدث نساء قريش أنك جبنت ، وما كنت جباناً؟!

فقال الزبير : غلامي مكحول حرّ ، كفّارة عن يميني (۶) ثمّ انصل سنان رمحه، وحمل على عسكر علي عليه السلام برمح لا سنان له.

فقال علي عليه السلام : أفرجوا له ، فأنه مخرج ، ثمّ عاد إلى أصحابه ، ثمّ حمل ثانية، ثمّ ثالثة ، ثمّ قال لابنه : أجبنا ويلك ترى !

فقال : لقد أعذرت.

قال أبو مخنف : لما أذكر عليّ عليه السلام الزبير بما أذكره به ورجع الزبير ، قال :

نادى عليُّ بـأمـر لستُ أنكره ***** وكان عمرُ أبيك الخير مـُذْ حينِ

فقلت حسبك من عذلٍ أبا حسنٍ ***** بعض الذي قلت مُنذ اليوم يكفيني

ترك الاَمور التي تخشى مغبتها ***** والله أمـثـلُ في الدنيا وفي الدين

فاخترت عاراً على نار مؤجّجة ***** أنى يقومُ لـهـا خلقٌ من الطين

قال : لما خرج علي عليه السلام لطلب الزبير ، خرج حاسراً ، وخرج إليه الزبير دارعاً مدججاً ، فقال للزبير : يا أبا عبدالله ، قد لعمري أعددت سلاحاً ، وحبذا! فهل أعددت عند الله عذراً ؟ !

فقال الزبير : إنّ مردَّنا إلى الله ؟

قال علي عليه السلام : ( يومئذٍ يُوفيهُمُ الله دينهم الحقّ ويعلمون انّ الله هو الحق المبين ) (۷) ثمّ أذكره الخبر ، فلما كرّ الزبير راجعاً إلى أصحابه نادماً واجماً، رجع عليّ عليه السلام إلى أصحابه جدلاً مسروراً ، فقال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ، تبرز إلى الزبير حاسراً ، وهو شاكٍ في السلاح ، وأنت تعرف شجاعته !

قال : إنّه ليس بقاتلي ، إنّما يقتلني رجل خامل الذكر ، ضئيل النسب غيلةً في غير مأقِطِ (۸) حرب ، ولا معركة رجال ، ويلُ امّهِ أشقى البشر ، ليودَّنّ أنّ أمّه هبلت به ! أما إنّه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن (۹) .

—————————————————————

(۱) هو : الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي ، كنيته أبو عبدالله واُمّه صفية بنت عبد المطلب ، فهو ابن عمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وابن أخي خديجة الكبرى ، كان من ناصري أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته قبل أن ينحرف عنه ويعاديه ، فهو أحد الاَربعة الذين استجابوا لاَمير المؤمنين عليه السلام لما دعاهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله لاَخذ حقه ، روي عن سلمان انّه قال فيه : وكان الزبير أشدنا بصيرة في نصرته ، كما انّه وهب حقّه يوم الشورى لاَمير المؤمنين عليه السلام لما دختله من حمية النسب ، وهو أحد الذين شهدوا على وصية فاطمة عليها السلام كما شهد دفنها ليلاً ، وهو الذي اخترط سيفه دفاعاً عن أمير المؤمنين عليه السلام لما أخرج من منزله ملبباً حتى رموه بصخرة فأصابت قفاه ، وسقط السيف من يده ، فأخذوه وكسروه ، هذا مع ما عرف عنه من الشجاعة التي ظهرت في أيّام النبي صلى الله عليه وآله واشتراكه في الغزوات معه ، وروي أن الزبير كان ممن أعير الاِيمان وكان إيمانه مستودعاً ، فمشى في ضوء نوره ثمّ سلبه الله إياه ، وقد سعى ابنه عبدالله في عدول أبيه عن أمير المؤمنين عليه السلام فكان سبباً في انحرافه عن ناحية أهل البيت عليهم السلام ، وجاء عنه عليه السلام انّه قال : لا زال الزبير منا حتى أدرك فرخه ، وفي رواية اُخرى : ما زال الزبير منّا أهل البيت حتى شب ابنه عبدالله ، قتله ابن جرموز غدراً في وادي السباع، وله خمس وسبعون سنة ، وأتى عمرو علياً بسيف الزبير وخاتمه ، فقال علي عليه السلام : سيف طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله .

راجع ترجمته في : سفينة البحار للقمي : ج ۱ ص ۵۴۳ ـ ۵۴۵ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ۱ ص ۲۳۱ ـ ۲۳۶ وج ۲ ص ۱۶۷ ، سير أعلام النبلاء : ج ۱ ص ۴۱ ترجمة رقم : ۳ ، الطبقات الكبرى لابن سعد : ج ۳ ص ۱۰۰ ، تهذيب الكمال للمزي : ج ۹ ص ۳۱۹ ترجمة رقم : ۱۹۷۱٫

(۲) راجع : مسند أحمد بن حنبل : ج ۱ ص ۱۹۳ ، الجامع الصحيح للترمذي : ج ۵ ص ۶۰۵ ح ۳۷۴۷ وص ۶۰۶ ح ۳۷۴۸ ، سنن أبي داود : ج ۴ ص ۲۱۲ ح ۴۶۴۹ ، الرياض النضرة لمحب الدين : ج ۱ ص ۳۴ ـ ۳۵ ، المستدرك للحاكم : ج ۳ ص ۳۱۶ ـ ۳۱۷ و ۴۴۰ ، كنز العمال : ج ۱۱ ص ۶۳۸ ح ۳۳۱۰۵ و ۳۳۱۰۶ وص ۶۴۶ ح ۳۳۱۳۷ ، سلسلة الاَحاديث الصحيحة : ج ۳ ص ۴۱۹ ح ۱۴۳۵٫ وقد فند المأمون العباسي هذا الحديث كما جاء في مناظرته مع العامة ، وقد قال له أحدهم : إن النبي صلى الله عليه وآله شهد لعمر بالجنة في عشرة من الصحابة ؟ فقال له المأمون : لو كان هذا كما زعمتم ، لكان عمر لا يقول لحذيفة : نشدتك بالله أمن المنافقين أنا ؟ فإن كان قد قال له النبي صلى الله عليه وآله : أنت من أهل الجنة ولم يصدقه حتى زكّاه حذيفة فصدّق حذيفة ولم يصدق النبي صلى الله عليه وآله فهذا على غير الإيلام ، وإن كان قد صدق النبي صلى الله عليه وآله فلم سأل حذيفة ؟ وهذان الخبران متناقضان في أنفسهما. راجع عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج ۱ ص ۲۰۳ ، مناظرات في الاِمامة : ص ۲۲۷ المناظرة الاَربعون.

وراجع كلام العلامة الاَميني قدس سره حول الحديث المذكور في كتابه الغدير : ج ۱۰ ص ۱۱۸ ـ ۱۳۱ ح ۳۷ فقد استوفى البحث حوله دلالة وسنداً.

(۳) الاِحتجاج للطبرسي : ج ۱ ص ۱۶۲ ، بحار الاَنوار : ج ۳۲ ص ۱۹۷ ح ۱۴۷ و ص ۲۱۶ ح ۱۷۱ و ج ۳۶ ص ۳۲۴ ح ۱۸۲٫

(۴) العلل المتناهية لابن الجوزي : ج ۲ ص ۸۴۷ ـ ۸۴۸ ح ۱۴۱۷ و ۱۴۱۸ ، تاريخ الاُمم والملوك: ج ۴ ص ۵۰۹ ، الكامل في التاريخ : ج ۳ ص ۲۴۰٫

(۵) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ۲ ص ۱۶۷٫

(۶) قال همام الثقفي في فعل الزبير وما فعل وعتقه عبده في قتال علي عليه السلام :

أيعتــق مكحــــولاً ويعصــــي نبيّــــه ***** لقد تاه عن قصــدالهــــدى ثمّ عــــوق

أينــــوي بهذا الصــــدق والبر والتقــــى ***** سـيـعـلـم يـومـاً مـن يـبـر ويـصـدق

لشتان مـا بيــــن الضـــلال والهــــدى ***** وشتان من يعصي النبي صلى الله عليه وآله ويعتق

ومـن هــــــــو في ذات الاِله مشمــــر ***** يكبــــر بــــراً ربّـــه ويصــــدق

أخـي الحقّ أن يعصى النبي صلى الله عليه وآله سفاهة ***** ويعتـق‌مــــن عصيــــانه ويطلــــق

كدافــــق مــــاء للســــراب يؤمـــه ***** ألاّ في ضلال مــــا يصــــب‌ويدفـــق

بحار الاَنوار : ج ۳۲ ص ۲۰۴ ح ۱۵۸٫

(۷) سورة النور : الآية ۲۵٫

(۸)المأقط : ساحة القتال.

(۹) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۱ ص ۲۳۳ ـ ۲۳۵ ، البداية والنهاية : ج ۷ ص ۲۴۰ـ۲۴۱، الفتوح لابن أعثم: ج۲ ص۳۰۹ ـ ۳۱۲، بحار الاَنوار: ج۳۲ ص۱۸۹ ح۱۴۰٫