فدک۰۰۱

مناظرة ابن أبي الحديد المعتزلي مع النقيب أبي جعفر البصري العلوي في أمر فدك

قال ابن أبي الحديد : قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي رحمه الله ، هذا الخبر (۱) فقال : أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد ! أما كان يقتضي التكريم والاِحسان أن يُطيّبَ قلب فاطمة عليها السلام بفدك ، ويُستوهبَ لها من المسلمين ، أتقصرُ منزلتُها عند رسول الله صلى الله عليه وآله عن منزلة زينب أختها، وهي سيدة نساء العالمين ! هذا إذا لم يثبت لها حقّ، لا بالنحلة ولا بالاِرث؟

فقلت له : فدك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقّاً من حقوق المسلمين ، فلم يَجُز له أن يأخذه منهم .

فقال : وفداء أبي العاص بن الربيع قد صار حقّاً من حقوق المسلمين ، وقد أخذه رسول الله صلى الله عليه وآله منهم .

فقلت : رسول الله صلى الله عليه وآله صاحب الشريعة ، والحُكم حكمه ، وليس أبو بكر كذلك .

فقال: ما قلت: هلا أخذه أبو بكر من المسلمين قهراً فدفعه إلى فاطمة عليها السلام ، وإنّما قلت : هلاّ استنزل المسلمين عنه واستوهبه منهم لها ، كما استوهب رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين فداء أبي العاص !

أتراه لو قال : هذه بنت نبيّكم قد حضرت تطلب هذه النَّخلات ، أفتطيبون عنها نفساً ، أكانوا منعوها ذلك ؟

فقلت له : قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد نحو هذا ، قال : إنّهما لم يأتيا بحسنٍ في شرع التكرّم ، وإن كان ما أتياه حسناً في الدين! (۲)

قال ابن أبي الحديد : وهذا الخبر أيضاً قرأته (۳) على النقيب أبي جعفر رحمه الله.

فقال : إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله أباح دم هبّار بن الاَسود لاَنّه روّع زينب فألقتْ ذا بطنها ، فظهر الحال أنه لو كان حياً لاَباح دم من رَوّع فاطمة عليها السلام حتى ألقت ذا بطنها.

فقلت : أروي عنك ما يقوله قومٌ أنّ فاطمة عليها السلام رُوّعت فألقت المحسن .

فقال : لا تروه عنّي ، ولا تروِ عنّي بطلانه ، فإنّي متوقف في هذا الموضع لتعارض الاَخبار عندي فيه . (۴)

———————————————————————-

(۱) وهو خبر فداء زينب ـ أخت فاطمة الزهراء عليها السلام لاَبي العاص زوجها ، وذلك لما يُروى إنّه لما بعث أهل مكة في فداء أساراهم في يوم بدر ـ وكان معهم أبو العاص ابن الربيع ـ بعثت زينب في فداء أبي العاص بمالٍ ، وكان فيما بعث به قلادة كانت خديجة أُمّها أدخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه ، فلمّا رآها رسول الله صلى الله عليه وآله رقّ لها رقة شديدة ، وقال للمسلمين : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها ما بعثت به من الفداء فافعلوا ، فقالوا : نعم يا رسول الله ، نفديك بأنفسنا وأموالنا فردوا عليها ما بعثت به ، وأطلقوا لها أبا العاص بغير فداء . راجع : شرح النهج لابن أبي الحديد : ج ۱۴ ص ۱۹۰ ، السيرة النبويّة لابن هشام : ج ۲ ص ۲۹۶ ـ ۲۹۷ .

(۲) شرح النهج لابن أبي الحديد : ج ۱۴ ص ۱۹۰ ـ ۱۹۱ .

(۳) وهو خبر خروج زينب من مكة إلى المدينة ، وذلك لما خرجت خرج بعضهم في طلبها سراعاً حتى أدركوها بذي طوى ، فكان أول من سبق إليها هبّار بن الاَسود ، ونافع بن عبد القيس الفهري ، فروعها هبّار بالرّمح وهي في الهودج ، وكانت حاملاً ، فلما رجعت طرحت ما في بطنها، وقد كانت من خوفها رأت دماً وهي في الهودج ، فلذلك أباح رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة دمَ هبار بن الاَسود . راجع : شرح النهج لابن أبي الحديد: ج ۱۴ ص ۱۹۲ ، السيرة النبوية لابن هشام : ج ۲ ص ۲۹۸ ـ ۲۹۹ .

(۴) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ۱۴ ص ۱۹۳ .