فدک۰۰۲

مناظرة ابن أبي الحديد المعتزلي(۱) مع علي بن الفارقي وبعضهم في أمر فدك

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي في أمر فدك: وسألت علي بن الفارقيّ مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أكانت فاطمة عليها السلام صادقة ؟

قال: نعم .

قلت: فَلِم لم يدفع إليها أبو بكر فَدَك وهي عنده صادقة ؟

فتبسّم، ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحُرْمته وقلّة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرّد دعواها لجاءت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيءٍ؛ لاَنّه يكون قد أسجل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود .

وهذا كلام صحيح؛ وإن كان أخرجه مخرج الدُّعابة والهزل (۲) .

وقال لي عَلَويّ من الحِلّة (۳) يُعرَف بعلي بن مهنأ، ذكيّ ذو فضائل: ما تظنّ قصدَ أبي بكر وعمر بمنع فاطمة عليها السلام فَدَك ؟

قلت: ما قصدا ؟

قال: أرادا ألاّ يُظهرا لعليّ عليه السلام ـ وقد اغتصباه الخلافة ـ رقّة وليناً وخذلاناً، ولا يرى عندهما خوراً، فأتْبعا القرْح بالقرْح .

وقلت لمتكلّم من متكلّمي الاِمامية يُعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل (۴) : وهل كانت فدك إلا نخلاً يسيراً وعقاراً ليس بذلك الخطير!

فقال لي: ليس الاَمر كذلك، بل كانت جليلة جدّاً، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عليها السلام عنها إلاّ ألاَّ يتقوّى عليٌّ عليه السلام بحاصِلِها وغَلّتها على المنازعة في الخلافة، ولهذ أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعليّ عليهما السلام وسائر بني هاشم وبني المطلب حقّهم في الخمس، فإن الفقير الذي لا مال له تضعف همّته ويتصاغر عند نفسه، ويكون مشغولاً بالاحتراف والاكتساب عن طلب المُلك والرياسة (۵) .

————————————————————————-

(۱) هو : عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد عز الدين المدائني، ولد بالمدائن سنة ۵۸۶ هـ ونشأ بها وتلقى عن شيوخها، ودرس المذاهب الكلامية فيها، ثمّ مال إلى مذهب الاعتزال منها، وعلى أساسه جادل وناظر، وكان متضلعاً في فنون الاَدب، عارفاً بأخبار العرب، وله عدّة مصنفات أشهرها شرح نهج البلاغة، توفّي سنة ۶۵۵ هـ ، وقيل ۶۵۶ هـ ، راجع ترجمته في: مقدمة شرح نهج البلاغة تحقيق محمد أبو الفضل، وفيات الاَعيان لابن خلكان : ج۵ ص ۳۹۱ ـ ۳۹۲ ، البداية والنهاية: ج۱۳ ص ۱۹۹٫

(۲) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج ۱۶ ص ۲۸۴ .

(۳) الحلة : مدينة كبيرة بين الكوفة وبغداد، كانت تسمّى الجامعين، وكان أوّل من عمّرها ونزلها سيف الدولة صدقة بن منصور بن دُبيس بن علي بن مزيد الاَسدي، وذلك في محرّم سنة (۴۹۵ هـ )، وكانت أجمة تأوي إليها السباع، فنزل بها بأهله وعساكره وبنى بها المساكن الجليلة والدور الفاخرة ، وتأنق أصحابه في مثل ذلك فصارت ملجأ ، وقد قصدها التجار فصارت أفخر بلاد العراق وأحسنها مدّة حياة سيف الدولة، وفي الحلّة مسجد الاِمام الصادق عليه السلام وفيها أيضاً مسجد ردّ الشمس ومسجد جمجمة. سفينة البحار: ج۱ ص ۲۹۹ ، مراصد الاطلاع: ج۱ ص۴۱۹ .

(۴) النِّيل: بُليدة في سواد الكوفة، قرب حلّة بني مزيد يخترقُها نَهْرٌ يتخلّج من الفرات العظمى، حفره الحجاج بن يوسف وسمَّاه نيل مصر، وهو عمود عمل قُوسان يَصُبُّ فاضله إلى دجْلة تحت النعمانية، مراصد الاطلاع: ج۳ ص ۱۴۱۳٫

(۵) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج۱۶ ص ۲۳۶ ـ ۲۳۷ .