محمد العلوي

مناظرة ابن أبي الحديد المعتزلي(۱) مع أبي جعفر يحيى بن محمد العلوي

قال بن أبي الحديد :

سألت أبا جعفر يحيى بن محمد العلويّ نقيب البصرة ، وقت قراءتي عليه ، عن هذا الكلام ، وكان ـ رحمه الله ـ على ما يذهب إليه من مذهب العلويّة منصفا وافر العقل ، فقلت له : مَنْ يعني ـ عليه السلام ـ بقوله : « كانت أثرة شحَّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين » ؟ (۲) ومَن القومُ الّذين عناهم الاسديّ بقوله : « كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به » ؟ هل المرادُ يوم السقيفة أو يوم الشورى ؟

فقال : يوم السقيفة.

فقلت : إنّ نفسي لا تسامحني أن أنسُب إلى الصحابة عصيان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ودفع النص.

فقال : وأنا فلا تسامحني أيضا نفسي أن أنسب الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إلى إهمال أمر الامامة ، وأنْ يترك النّاس فوضى سُدىً مهملين ، وقد كان لا يغيبُ عن المدينة إلاّ ويؤمِّر عليها أميرا وهو حيّ ليس‌ بالبعيد عنها ، فكيف لا يؤمِّر وهوميّت لا يقدر على استدراك ما يحدُث !

ثم قال : ليس يشكّ أحدٌ من الناس أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كان عاقلاً كامل العقل ، أمّا المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم ؛ وأمّا اليهود والنصارى والفلاسفة فيزعمون أنّه حكيم تامّ الحكمة (۳) ، سديد الرأي ، أقام ملّة ، وشرع شريعة ، فاستجدّ ملكا عظيما بعقله وتدبيره ؛ وهذا الرّجل العاقل الكامل يعرفُ طباع العرب وغرائزهم وطلبهم بالثّارات والذُّحول ولو بعد الازمان المتطاولة ، ويقتُل الرجل من القبيلة رجلاً من بيت آخر ، فلا يزال أهلُ ذلك المقتول وأقاربه يتطلّبون القاتل ليقتلوه ؛ حتى يدركوا ثأرهم منه ؛ فإن لم يظفروا به قتلوا بعض أقاربه وأهله ، فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة به وإن لم يكونوا رهطه الادنين ، والاسلام لم يُحِلْ طبائعهم ، ولا غيّر هذه السجيّة المركوزة في أخلاقهم ، والغرائز بحالها ، فكيف يتوهّم لبيب أنّ هذا العاقل الكامل وتر العرب ، وعلى الخصوص قريشا ، وساعدهُ على سفك الدماء وإزهاق الانفس وتقلّد الضغائن ابنُ عمِّه الادنى وصهرهُ ، وهو يعلم أنّه سيموت كما يموت الناس ، ويتركه بعده وعنده ابنته ، وله منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين من ظهره حُنوّاً عليهما ، ومحبة لهما ، ويعدل عنه في الامر بعده ، ولا ينصّ عليه ولا يستخلفه ، فيحقنُ دمه ودم بنيه وأهله باستخلافه ! ألا يعلمُ هذا العاقل الكامل ؛ أنّه إذا تركه وترك بنيه وأهله سُوقةً ورعيّة ؛ فقد عرَّض دماءهم للاراقة بعده ؛ بل يكونُ هو ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ هو الذي قتله ، وأشاط (۴) بدماءهم ، لانّهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم ؛ وإنّما يكونون مضغةً للاكل ، وفريسةً للمفترس ، يتخطّفهم الناس ، وتبلُغ فيهم الاغراض !

فأمّا إذا جعل السلطان فيهم ، والامر إليهم ؛ فإنّه يكون قد عصمهم وحقن دماءهم بالرّياسة التي يصُولون بها ، ويرتدع النّاس عنهم لاجلها ومثل هذا معلوم بالتجربة ، ألا ترى أنّ ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل النّاس ووترهم ، وأبقى في نفوسهم الاحقاد العظيمة عليه ، ثم أهمل أمر ولده وذرّيته من بعده ، وفسح للنّاس أن يقيموا ملكا من عُرضهم ، وواحدا منهم ، وجعل بنيه سوقةً كبعض العامّة ، لكان بنوه بعده قليلاً بقاؤهم ، سريعا هلاكهم ، ولوثب عليهم الناس ذوو الاحقاد والتِّرات من كلِّ جهة ، يقتلونهم ويشرّدونهم كلّ مشرَّد ، ولو أنه عيّن ولدا من أولاده للملك ، وقام خواصّه وخدمه وخَوَلُه بأمره بعده ، لحقنت دمأ أهل بيته ، ولم تطل يد أحد من الناس إليهم لناموس الملك ، وأبّهة السلطنة ، وقوة الرئاسة ، وحرمة الامارة !

أفترى ذهب عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ هذا المعنى ؛ أم أحبّ أن يُستأصل أهله وذرّيته من بعده ! وأين موضعُ الشَّفقة على فاطمة العزيزة عنده ، الحبيبة إلى قلبه !

أتقول : إنّه أحبّ أن يجعلها كواحدةٍ من فقراء المدينة ، تتكفّفُ الناس ، وأن يجعل عليا ، المكرّم المعظَّم عنده ، الذي كانت حاله معه معلومةً ، كأبي هريرة الدَّوسيّ ، وأنس ابن مالك الانصاريّ ، يحكَّم الامراء في دمه وعرضه ونفسه وولده ، فلا يستطيع الامتناع ، وعلى رأسه مائة ألف سيف مسلول ؛ تتلظّى أكباد أصحابها عليه ، ويودُّون أن يشربُوا دمه بأفواههم ، ويأكلوا لحمه بأسنانهم ؛ قد قتل أبناءهم وإخوانهم وآباءهم وأعمامهم ، والعهدُ لم يطُل ، والقروح لم تتقرّف (۵) ، والجروح لم تندمل (۶) !

فقلت له : لقد أحسنت فيما قلت ، إلاّ أن لفظه ـ عليه السلام ـ يدلّ على أنه لم يكن نصّ عليه ، ألا تراه يقول : « ونحنُ الاعلون نسبا ، والاشدُّون بالرسول نوطا » ، فجعل الاحتجاج بالنَّسب وشدّة القرب ؛ فلو كان عليه نصّ ، لقال عوض ذلك : « وأنا المنصوص عليَّ ، المخطوب باسمي ».

فقال ـ رحمه الله ـ : إنما أتاه من حيثُ يعلم ، لا من حيث يجهل ؛ ألا ترى أنه سأله ، فقال : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام ، وأنتم أحقّ به ؟ فهو إنّما سأل عن دفعهم عنه ؛ وهم أحقّ به من جهة اللّحمة والعترة ؛ ولم يكن الاسديُّ يتصور النّصّ ولا يعتقده ، ولا يخطر بباله ، لانّه لو كان هذا في نفسه ، لقال له : لم دفعك النّاس عن هذا المقام ، وقد نصّ عليك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ؟ ولم يقُل له هذا ، وإنما قال كلاما عامّا لبني هاشم كافّة : كيف دفعكم قومُكم عن هذا وأنتم أحقّ به ! أي باعتبار الهاشميّة والقربى.

فأجابه بجواب أعاد قبله المعنى الذي تعلق به الاسدي بعينه ، تمهيداً للجواب ، فقال : إنما فعلوا ذلك مع أنّا أقرب إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من غيرنا لانّهم استأثروا علينا ، ولو قال له : أنا المنصوص عليَّ ، والمخطوب باسمي في حياة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لما كان قد أجابه ، لانه ما سأله هل أنت منصوص عليك أم لا ؟ ولا : هل نصّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بالخلافة على أحد أم لا ؟ وإنّما قال : لم دفعكم قومُكم عن الامر وأنتم أقرب إلى ينبوعه ومعدنه منهم ؟ فأجابه جوابا ينطبق على السؤال ويلائمه أيضا ، فلو أخذ يصرّح له بالنصّ ، ويعرّفه تفاصيل باطن الامر لنَفَر عنه ، واتّهمه ولم يقبل قوله ، ولم ينجذب إلى تصديقه ؛ فكان أولى الامور في حكم السياسة وتدبير الناس ؛ أن يجيب بما لا نُفْرة منه ، ولا مطعن عليه فيه (۷).

——————————————————————–

(۱) هو : عبد الحميد أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد عز الدين المدائنيّ ، أحد جهابذة العلماء ، وأثبات المؤرخين ، كان فقهيا أصوليا ، ومتكلما جدليا نظارا ، وكان مذهبه الاعتزال كما شهد لنفسه في إحدى قصائده في مدح امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ :

ورأيت دين الاعتزال وانّني‌ ***** أهوى لاجلك كلّ من يتشيعُ

وعلى أساسه جادل وناظر ، وحاجّ وناقش ، وله مع الاشعري والغزالي والرازي كتب ومواقف ، وكان أديبا ناقدا ، ثاقب النظر خبيرا بمحاسن الكلام ومساوئه ، متضلعا في فنون الادب ، متقنا لعلوم اللسان ، عارفا بأخبار العرب ، مطلعا على لغاتها ، جامعا لخطبها ومنافراتها ، راويا لاشعارها وأمثالها ، قارئا مستوعبا لكلّ ما حوته الكتب والاسفار في زمانه ، ولد بالمدائن سنة ۵۸۶ هـ ، ونشأ بها وتلقى عن شيوخها ، ودرس المذاهب الكلامية فيها ، ثم مال إلى مذهب الاعتزال منها ، ثم ارتحل إلى بغداد ، واختلط بالعلماء من أصحاب المذاهب ، وكان أحد الكتاب والشعراء بالديوان الخليفتي وكان حظيا عند الوزير ابن العلقمي وكما فوض إليه أمر خزائن الكتب ، وله عدة مصنفات منها : شرح نهج البلاغة ، الاعتبار ، ديوان شعر ، العبقري الحسان ، القصائد السبع العلويات ، المستنصريات ، الوشاح الذهبي في العلم الابي ، وغيرها ، توفي سنة ۶۵۵ هـ ، وقيل سنة ۶۵۶ هـ.

راجع ترجمته في : مقدمة شرح نهج البلاغة تحقيق محمد أبو الفضل ، وفيات الاعيان ج۵ ص۳۹۱ ـ ۳۹۲ ، البداية والنهاية ج۱۳ ص۱۹۹ ، سفينة البحار ج۱ ص۲۳۳٫

(۲) نهج البلاغة للامام علي ـ عليه السلام ـ من كلام له برقم : ۱۶۱ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج۹ ص۲۴۱٫

(۳) تنصيب الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ لامير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ في نظر الامامية وحي من الله تعالى ، فإن الرسول ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كما قال تعالى عنه : ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو الا وحيٌ يوحى ) سورة النجم : الاية ۳ و۴ ، وأما هذا الجواب الذي ذكره العلوي فهو جوابٌ لمن لا يعتقد بعصمته ، أو لا يعتقد بنبوته كاليهود والنصارى الّذين يرونه حكيما من الحُكماء ، أو ملكا من الملوك ، فالمناظر هنا يريد أن يثبت في استدلاله أنه حتى لو لم يكن نبيا بل كان ملكا أو حكيما فإنه لا بد أن ينصب علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ للامور المذكورة وغيرها ، فإذا تم هذا فمن باب أولى بالنسبة لمن يعتقد بنبوته وعصمته أن يعتقد بوجوب النص على أمير المؤمنين ـ عليه السلام.

(۴) أشاط بدمائهم : أهدرها أو عمل على هلاكها.

(۵) تقرّف الجرح : طلعت فوقه قشرة ، أي شارف البرء.

(۶) وهذا ما حصل بالفعل فإنه بعدما غصبوهم الخلافة بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أغاروا على ذريته وعترته وأول مالحق الاذى بفاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ بضعته وروحه التي بين جنبيه حتى كسروا ضلعها واسقطوا جنينها بين الحائط والباب وغصبوها نحلتها ، حتى فارقت الدنيا وملوءُ قلبها الحزن والاسى ، ودُفنت ليلا لئلا يشهد جنازتها من ظلمها وآذاها ، وأُعفي قبرها ، واغاروا كذلك على امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وقادوه للبيعة وفي عنقه الحبل ، وقد قال وهو يشير الى قبر رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : ( يابن أُمَّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد ج۱۱ ص۱۱۱٫

واصبح جليس داره خمس وعشرين سنة صابراً محتسباً يرى تراثه نهبا حتى قاسى الدواهي العظام والمحن الجسام ومن ذلك حرب الجمل وصفين والنهروان ، كل ذلك حسداً وبغضاً وكراهية له ، وما فعله بصناديدهم يوم بدر وحنين ، كما صرح بذلك اعداؤه ومبغضوه ، الى ان مضى قتيلاً على يد بن ملجم المرادي ، ومن بعده ابنه الحسن ـ عليه السلام ـ غدروا به حتى جرعوه السموم ، ومنعوا دفنه عند جده المصطفى ـ صلى الله عليه وآله ـ ثم جرت أعظم الدواهي والمصائب على ذريته فقتلوا سبطه الحسين واهل بيته ـ عليهم السلام ـ وسبوا نسائه واولاده من بلد الى بلد.

فراحت ذريته تقاسي ألوان العذاب والتشريد والقتل من بني أمية وبني العباس وغيرهم.

فكل ما جرى على أهل البيت ـ عليهم السلام ـ هو بسبب غصبهم الخلافة وتنحيتهم عنها ، ولو كانت الخلافة في يد أهلها لما جرى عليهم ما جرى ولم يجري على الاُمة ما جرى من الفرقة والاختلاف والنزاع والفتن وليس هذا فحسب بل كل ما ابتُليت به الامة من محن وفقر وبلاء وذل وغير ذلك هو بسبب تركهم من اختاره الله ونصبّه خليفة لرسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال تعالى : ( وان لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءً غدقا ) الجن : الاية ۱۶ ، وقال تعالى : ( ولو أن أهل القُرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والارض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) الاعراف : الاية ۹۶ ، ولهذا المعنى يشير سلمان الفارسي في قوله : ولكن أبيتم فوليتموها ـ أي الخلافة ـ غيره فابشروا بالبلايا واقنطوا من الرخاء ( الاحتجاج ج۱ ص۱۱۱ ) واشار الى هذا المعنى ايضاً ابو ذر في قوله : أما لو قدمتم من قدم الله وأخرتم من أخر الله ، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم ، ولما عال وليَّ الله ولا طاش سهمٌ من فرائض الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسُنة نبيه ، فأما إذا فعلتم ما فعلتم فذوقوا وبال أمركم ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ). راجع : تاريخ اليعقوبي ج۲ ص ۱۷۱ عند ذكر ما نقم على أبي ذر.

(۷) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج۹ ص۲۴۸ ـ ۲۵۱ ، بحار الانوار ج۳۸ ص۱۶۳ ، سفينة البحار ج۲ ص۳۰۸ ـ ۳۰۹٫