ابن عباس۰۴

مناظرة ابن عباس(۱) مع عمر بن الخطاب

قال ابن عباس : دخلتُ على عُمَر في أوّل خلافته ، وقد اُلقِيَ له صاعٌ من تمر على خصفة(۲) ، فدعاني إلى الاكل ، فأكلت تمرة واحدة ، وأقبل يأكل حتّى أتى عليه ، ثم شرب من جَرٍّ(۳) كان عنده ، واستلقى على مِرْفقةٍ له ، وطفق يَحْمَدُ الله ، يكرر ذلك ، ثم قال : من أين جئت يا عبدالله ؟ قلت : من المسجد.

قال : كيف خلّفت ابن عمك ؟ فظننته يعني عبدالله بن جعفر .

قلت : خلّفتُه يلعبُ مع أترابه .

قال : لم أعنِ ذلك ، إنّما عنيتُ عظيمكم أهل البيت .

قلت : خلّفُته يمتح بالغرْب(۴) على نخيلات من فلان ، وهو يقرأ القرآن .

قال : عبدَالله ، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها ؟ هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم .

قال : أيزعم أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ نص عليه ؟ قلت : نعم وأزيدك ، سألت أبي عَمّا يدّعيه ، فقال : صدَق .

فقال عمر : لقد كان من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في أمره ذَرْوٌ(۵) من قول لا يثبتُ حُجّةً ، ولا يقطع عذرا ، ولقد كان يربَع في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه(۶) فمنعت من ذلك(۷) إشفاقا وحيْطة على الاسلام ! لا ورّب هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبدا ؟ ولو وليها لا نتقضتْ عليه العرب من أقطارها ، فعلم رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أنّي علمت ما في نفسه ، فأمسك ، وأبى الله إلا إمضاء ما حتم (۸).

—————————————————————

(۱) هو : عبدالله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، أبو العباس الهاشمي المكّي ابن عم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أمه لبابة بنت الحارث أخت ميمونة زوج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وَولد قبل الهجرة في الشعب بثلاث سنين ، هاجر الى المدينة المنورة مع أبويه عام الفتح ، وصحب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ثلاثين شهراً ، وكان عمره حين وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، كما روى عنه الكثير من الصحابة والتابعين ، كان محبا لعلي ـ عليه السلام ـ وتلميذه ، وحاله في الاخلاص والموالات والنصرة لامير المؤمنين ـ عليه السلام ـ والذب عنه والخصام في رضاه والموازرة من لا شبهة فيه ، وهو حبر هذه الامة وعالمها ، دعى له النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بالفقه والحكمة والتأويل ، وقال عنه معروف : كنت اذا رأيت عبدالله بن عباس قلت : أجمل الناس ، فاذا تحدث قلت أعلم الناس ، فاذا تكلم قلت : افصح الناس ، وقد استفاض في الاخبار من مجادلته مع عمر بن الخطاب ، ومعاوية وغيرهم في الخلافة ، وكف بصره في آخر عمره ، ومات بالطائف سنة ثمان او تسع وستين ، وقال في مرضه الذي توفي فيه : اللهم اني أحيا على ما حيي به علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ وأموت على ما مات علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ ثم مات ، وصلى عليه محمد بن الحنفية .

راجع ترجمته في : تنقيح المقال للمامقاني ج ۲ ص ۱۹۱ ، سير أعلام النبلاء ج ۳ ص ۳۳۱ ، الطبقات لابن سعد ج ۲ ص ۳۶۵ ، حلية الاولياء ج ۱ ص ۳۱۴ .

(۲) الخصفة : الجلة تعمل من الخوص للتمر .

(۳) الجر : آنية من خزف ، الواحدة جرة .

(۴) الغرب : الدلو .

(۵) ذرو : طرف .

(۶) اشارة الى قول النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : آتوني بدواة وكتف لاكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده .

(۷) اعتراف الخليفة عمر انما صد عن كتابة الكتاب حتى لا يجعل الامر لعلي ـ عليه السلام ـ .

راجع : شرح نهج البلاغة ج ۱۲ ص ۷۸ ـ ۷۹ . ومما يفيد ذكره هنا بمناسبة منع عمر لكتابة الكتاب ما ذكره المرحوم الشهيد الصدر (قدس سره) يقول الدكتور التيجاني في كتابه ثم اهتديت ص ۹۸ ـ ۹۹ : وإني لا زلت أذكر إجابة السيد محمد باقر الصدر ، عندما سألته : كيف فهم سيدنا عمر من بين الصحابة ما يريد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كتابته وهو استخلاف علي ـ عليه السلام ـ على حد زعمكم ، فهذا ذكاء منه ؟! قال السيد الصدر : لم يكن عمر وحده فهم مقصد الرسول ، ولكن أكثر الحاضرين فهموا ما فهمه عمر ، لانه سبق لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن قال مثل هذا إذ قال لهم : إنيّ مخلّف فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ، وفي مرضه قال لهم : هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً ، ففهم الحاضرون ومن بينهم عمر أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يريد أن يؤكد ما ذكره في غدير خم كتابيّاً ، وهو التمسك بكتاب الله وعترته ، وسيد العترة هو علي ـ عليه السلام ـ ، فكأنه ـ صلى الله عليه وآله ـ أراد أن يقول : عليكم بالقرآن وعلي ، وقد قال مثل ذلك في مناسبات أخرى كما ذكر المحدّثون .

(۸) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ۱۲ ص ۲۰ ـ ۲۱، كشف اليقين في فضائل امير المؤمنين للحلي ص۴۶۲ ح ۵۶۲، كشف الغمة ج ۲ ص ۴۶ ، بحار الانوار ج ۳۸ ص ۱۵۶ .