ابن عباس۳

مناظرة ابن عباس مع الحرورية(۱)

قال عبد الله بن عباس : لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دارهم وكانوا ستة آلاف .

فقلت لعلي ـ عليه السلام ـ : يا أمير المؤمنين أبرد بالظهر ، لعَليّ آتي هؤلاء القوم فأكلمهم .

قال : إني أخاف عليك .

قلت : كلا .

قال : فقمت وخرجت ودخلت عليهم في نصف النهار وهم قائلون ، فسلمت عليهم .

فقالوا : مرحبا بك يابن عباس ، فما جاء بك ؟

قلت لهم : أتيتكم من عند أصحاب النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ‍ وصهره ، وعليهم نزل القرآن ، وهم أعلم بتأويله منكم ، وليس فيكم منهم أحد ، لابلّغكم ما يقولون ، وأخبرهم بما تقولون .

قلت : أخبروني ماذا نقمتم على أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وابن عمه ؟

قالوا : ثلاث .

قلت : ما هن ؟

قالوا : أما إحداهن ، فإنه حَكَّم الرجال في أمر الله ، وقال الله تعالى : ( إن الحكم إلا لله )(۲) ، ما شأن الرجال والحكم ؟ !

فقلت : هذه واحدة .

قالوا : وأما الثانية ، فإنه قاتل ولم يَسبِ ولم يغنم ، فإن كانوا كفارا سلبهم ، وإن كانوا مؤمنين ما أحل قتالهم(۳).

قلت : هذه اثنتان ، فما الثالثة ؟

قالوا : إنه محى نفسه عن أمير المؤمنين ، فهو أمير الكافرين .

قلت : هل عندكم شيء غير هذا ؟

قالوا : حسبنا هذا .

قلت : أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ما يردّ قولكم، أترضون ؟

قالوا : نعم .

قلت : أما قولكم حَكَّم الرجال في أمر الله ، فأنا أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صيَّر الله حكمه إلى الرجال في ثَمَن ربع درهم ، فأمر الله الرجال أن يحكّموا فيه ، قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم )(۴) الاية ، فأنشدتكم بالله تعالى : أحكمُ الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل ؟ أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم ، وأنت تعلمون أن الله تعالى لو شاء لحكم ولم يصيّر ذلك إلى الرجال ؟

قالوا : بل هذا أفضل .

وفي المرأة وزوجها قال الله عزوجل : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما )(۵) الاية ، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في امرأة ؟ أخرجتُ من هذه ؟

قالوا : نعم .

قلت : وأما قولكم : قاتل ولم يسَبِ ولم يغنم ، أفَتسْبوُن أمَّكم عائشة ، وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها ، وهي أمُكم ؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها ، فقد كفرتم ، ولان قلتم: ليست بأمنا، فقد كفرتم ، لان الله تعالى يقول : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ) (۶).

فأنتم تدورون بين ضلالتين ، فأتوا منهما بمخرج ؟

قلت : فخرجتُ من هذه ؟

قالوا : نعم .

وأما قولكم : محى اسمه من أمير المؤمنين ، فأنا آتيكم بمن ترضون ، وأراكم قد سمعتم أن النبي ـ صلّى عليه وآله وسلّم ـ يوم الحديبية صالح المشركين ، فقال لعلي ـ عليه السلام ـ : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ، فقال المشركون : لا و ، ما نعلم أنك رسول و الله ، لو نعلم أنك رسول الله لاطعناك ، فاكتب محمد بن عبدالله ، فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : امح يا عليّ « رسول الله » اللّهم إنك تعلم أني رسولك ، امح يا عليّ واكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله .

فوالله لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ خير من علي ، وقد محا نفسه ، ولم يكن محوه ذلك يمحاه من النبوة ؟(۷).

خرجتُ من هذه ؟

قالوا : نعم .

فرجع منهم ألفان ، وخرج سائرهم ، فَقُتِلوا على ضلالتهم ، فقتلهم المهاجرون والانصار(۸).

———————————————————-

(۱) الحرورية : جماعة من الخوارج النواصب ، والنسبة لبلد قرب الكوفة على ميلين منها تسمى حرُوراء ، نزل بها هؤلاء بعد خروجهم على أمير المؤمنين علي ـ عليه السلام ـ حينما قبل بالتحكيم بينه وبين معاوية ، قيل لهم حينئذاك : أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء ، وقال شاعرهم :

اذا الحرورية الحرى ركبوا ***** لا يستطيع لهم أمثالك الطلبا

وقالوا يومها : لا حكم إلا لله ، فقال علي ـ عليه السلام ـ: كلمة حق أريد بها باطل .

وسُموا ايضاً بالخوارج والمحكمة ، والسبب الذي له سُمّوا خوارج : خروجهم على أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، والذي له سُمّوا محكمة : إنكارهم الحكمين ، وقولهم لا حكم الا لله .

راجع : معجم الفرق الاسلامية لشريف الامين ص ۹۴ ، مقالات الاسلامين للاشعري ص ۱۲۷ ـ ۱۲۸ .

(۲) سورة الانعام : الاية ۵۷ .

(۳) المقصود من كانوا في حرب الجمل ، فان أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ نهى عن قتل جريحهم وسبيهم وسلبهم واتباع مدبرهم .

(۴) سورة المائدة : الاية ۹۵ .

(۵) سورة النساء : الاية ۳۵ .

(۶) سورة الاحزاب : الاية ۶ .

(۷) خصائص امير المؤمنين للنسائي ص۱۵۰ ـ ۱۵۲ ح۱۸۵ ، دلائل النبوة للبيهقي ج ۴ ص ۱۴۷ ، المناقب للخوارزمي ص۱۹۲ ح۲۳۱ ، الكامل في التاريخ ج۲ ص۲۰۴ ، شرح نهج البلاغة ج۲ ص۲۳۲ وج۱۰ ص۲۵۸ ، الارشاد للمفيد ص۶۳ ، مجمع البيان ج ۵ ص ۱۱۹ .

(۸) المصنف لعبد الرزاق ج۱۰ ص۱۵۷ ـ ۱۶۰ ، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ج۲ ص۱۰۳ ـ ۱۰۴ ، الحاكم في المستدرك ج۲ ص۱۵۰ ، مناقب ابن المغازلي ص۴۰۶ ح۴۶۰ .