ابن عباس۰۳

مناظرة ابن عباس مع عمر بن الخطاب

قال عبد الله بن عمر : كنت عند أبي يوماً ، وعنده نفر من الناس، فجرى ذكر الشعر ، فقال: مَنْ أشعرُ العَرب ؟

فقالوا : فلان وفلان ، فطلع عبدالله بن عباس ، فسلّم وجلَس ، فقال عمر : قد جاءكم الخبير ، مَنْ أشعرُ الناس يا عبدالله ؟ قال : زهير بن أبى سلمى .

قال : فأنشدْني مما تستجيده له .

فقال : يا أمير المؤمنين ، إّنه مدح قوماً من غطفان ، يقال لهم بنو سنان ، فقال :

لو كان يقـعد فوق الشمس من كرم‌ٍ***** قومٌ بأوَّلـهــمْ أو مجدِهمْ قعدوا

قـــوم أبـوهم سنان حين تَنسبُهُم‌ْ ***** طابوا وطاب من الاولاد ما وَلَدُوا

إنسٌ إذا أمـِنـوا ، جِنٌّ إذا فزعـوا ***** مُرَزَّؤُون بها لـيــلٌ إذ جُهِدوا

مُحسّدون على مـا كــان من نعم‌ٍ ***** لا ينزع الله منهم ماله حـُـسِدوا

فقال عمر : والله لقد أحسن ، وما أرى هذا المدح يصلح إلاّ لهذا البيت من هاشم ، لقرابتهم من رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ .

فقال ابن عباس : وفّقك الله يا أمير المؤمنين ، فلم تزل موفقا .

فقال : يابن عباس ، أتدري ما منع الناس منكم ؟ قال : لا يا أمير المؤمنين .

قال : لكني أدري .

قال : ما هو يا أمير المؤمنين ؟

قال : كرهتْ قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ، فيجخِفوا جِخْفا(۱) ، فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت .

فقال ابن عباس : أيَميطُ أمير المؤمنين عنّي غضبه فيسمع ؟ قال : قل ما تشاء .

قال : أما قول أمير المؤمنين : إن قريشاً كرهـت ، فـإن الله تعالى قال لقِوم : ( ذَلِك بأنّهُمْ كَرِهُوا ما أنزل الله فأحبط‍ أعْمَالهُمْ )(۲) .

واّما قولك : ( إنّا كنّا نجخف ) ، فلو جَخَفْنا بالخلافة جَخَفْنا بالقرابة ، ولكنّا قوم أخلاقُنا مشتقةٌ من خُلق رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الذي قال الله تعالى : ( وَإنّك لَعَلَى خُلقٍ عظيم )(۳) ، وقال له : (وَاخْفِض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعكَ من المؤمنين )(۴) .

وأما قولك : « فإن قريشا اختارت » ، فإنّ الله تعالى يقول : ( وربك يخلُقُ ما يشاء ويختارُ ما كان لَهُمُ الخَيَرة )(۵) وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله اختار من خلقه لذلك مَنْ اختار(۶) ، فلو نظرتْ قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت قريش .

فقال عمر : على رسْلك يابن عباس ، أبت قلُوبكم يا بني هاشم إلا غِشّا في أمر قريش لا يُزول ، وحقدا عليها لا يَحول .

فقال ابن عباس : مَهْلاً يا أمير المؤمنين ؟ لا تنسُب هاشما إلى الغشّ ، فإن قلوبهم من قلب رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ الذي طهّره الله وزكّاه ، وهم أهلُ البيت الذين قال الله تعالى لهم : ( إنما يرُيدُ الله ليُذهِبَ عنكم الرجسَ أهْل البيت ويُطَهِّرَكم تطهيرا )(۷) .

وأما قولك : « حقدا » فكيف لا يحقد من غُصِب شيئه ، ويراه في يد غيره .

فقال عمر : أما أنت يا بن عباس ، فقد بلغَني عنك كلامٌ أكره أن أخبرك به ، فتزول منزلتك عندي .

قال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ أخبرني به ، فإنْ يكُ باطلاً فمثلي أماط الباطلَ عن نفسه ، وإنْ يكُ حقا فإنّ منزلتي لا تزولُ به .

قال : بلغني أنّك لا تزال تقول : أُخِذَ هذا الامر منك حسدا وظلما .

قال : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : ( حسدا ) ، فقد حسد إبليس آدم ، فأخرجه من الجّنة ، فنحن بنو آدم المحسود .

وأما قولك: «ظلما» فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحقِّ من هو ! ثم قال: يأمير المؤمنين، ألم تحتجّ العرب على العجم بحق رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، واحتّجت قريش على سائر العرب بحقّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ! فنحن أحقُّ برسول الله من سائر قريش.

فقال له عمر: قم الان فارجع إلى منزلك، فقام، فلّما ولّى هتف به عمر: أيها المنصرف، إنِّي على ما كان منك لراعٍ حقك !

فالتفت ابن عباس فقال: إنّ لي عليك يا أمير المؤمنين وعلى كلّ المسلمين حقا برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ، فمن حفظه فحقّ نفسه حفِظ، ومَنْ أضاعه فحقّ نفسه أضاع، ثم مضى.

فقال عمر لجلسائه: واها لا بن عباس، ما رأيته لاحى أحدا قطّ إلاّ خصَمه !(۸) .

——————————————————

(۱) جخف: تكبر.

(۲) سورة محمد: الآية ۹٫

(۳) سورة ن: الآية ۵٫

(۴) سورة الشعراء: الآية ۲۱۵٫

(۵) سورة القصص: الآية ۶۸٫

(۶) هذه الكلمة من ابن عباس تدل على أنه من المتسالم عليه عندهم أن الخلافة قد ثبتت بالنص على الامام علي ـ عليه السلام ـ وأنها بأمر الله واختياره، ولو لم يكن كذلك لاعترض عليه الخليفة في ذلك، والحق يقال أن انعقاد الخلافة بالشورى أو الاجماع أو البيعة ما هو الا اجتهاد في مقابل النص وقد قال تعالى: ( وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسولهُ امرا أن يكون لهم الخيرةُ من امرِهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) سورة الاحزاب: الاية ۳۶٫

(۷) سورة الاحزاب: الاية ۳۳٫

فقد روى الجمهور أن هذه الآية الشريفة نزلت في خمسة وهم: النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ـ عليهم السلام ـ.

راجع: صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ج ۴ ص ۱۸۸۳ ح ۶۱، صحيح الترمذي ج ۵ ص ۳۲۷ ح ۳۲۰۵ و ح ۳۲۰۶، المستدرك للحاكم ج ۳ ص ۱۳۳ و ص ۱۴۶ و ج ۲ ص ۴۱۶، شواهد التنزيل للحسكاني ج ۲ ص ۱۸ ـ ۱۴۱ ح ۶۳۷ و ح ۴۷۴، مسند أحمد بن حنبل ج ۳ ص ۲۵۹ ج ۴ ص ۱۰۷ و ج ۶ ص ۲۹۲، أسباب النزول للواحدي ص ۲۳۹، المناقب للخوارزمي ص ۶۰ ـ ۶۱ ح ۲۸ ـ ۲۹، تفسير القرطبي ج ۱۴ ص ۱۸۲، الكشاف للزمخشري ج ۳ ص ۵۳۷، الدر المنثور للسيوطي ج ۶ ص ۶۰۳، فرائد السمطين ج ۲ ص ۹ ح ۳۵۶، الصواعق المحرقة ص ۱۴۳، فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج ۱ ص ۲۷۰ ـ ۲۸۹، وغيرها الكثير من المصادر.

(۸) شرح النهج لابن ابي الحديد ج ۱۲ ص ۵۲ ـ ۵۵، تاريخ الطبري ج ۴ ص ۲۲۳، الكامل لابن الاثير ج ۳ ص ۶۲ (في حوادث سنة ۲۳)، الايضاح لابن شاذان ص ۸۷ .