al sadr al tejani

مناظرة الدكتور التيجاني مع السيد الصدر في حكم الشهادة لأمير المؤمنين(ع) بالولاية والسجود على التربة والبكاء على الحسين(ع)

يقول الدكتور التيجاني في لقاءه مع السيد الصدر (قدس سره) : سألت السيد الصدر عن الاِمام علي عليه السلام ، لماذا يشهدون له في الاَذان بأنه وليّ الله ؟ !

فأجاب قائلاً : إنّ أمير المؤمنين عليّاً ـ سلام الله عليه ـ هو عبد من عبيد الله ، الذين اصطفاهم الله وشرّفهم ليواصلوا حمل أعباء الرسالة بعد أنبيائه ، وهؤلاء هم أوصياء الاَنبياء ، فلكل نبي وصي وعلي بن أبي طالب عليه السلام هو وصيّ محمد صلى الله عليه وآله ، ونحن نفضله على سائر الصحابة بما فضّله الله ورسوله صلى الله عليه وآله ولنا في ذلك أدلّة عقلية ونقليّة من القرآن والسنّة ، وهذه الاَدلّة لا يمكن أن يتطرّق إليها الشكّ لاَنّها متواترة وصحيحة من طرقنا وحتى من طرق أهل السنة والجماعة ، وقد ألّف في ذلك علماؤنا العديد من الكتب ، ولمّا كان الحكم الاَموي يقوم على طمس هذه الحقيقة ومحاربة أمير المؤمنين علي وأبنائه عليهم السلام وقتلهم ، ووصل بهم الاَمر إلى سبّه ولعنه على منابر المسلمين وحمل الناس على ذلك بالقهر والقوة ،فكانت شيعته واتباعه ـ رضي الله عنهم ـ يشهدون أنّه وليّ الله ، ولا يمكن للمسلم أن يسبّ وليّ الله ، وذلك تحدّياً منهم للسلطة الغاشمة حتى تكون العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين ، وحتى تكون حافزاً تاريخياً لكلّ المسلمين عبر الاَجيال فيعرفون حقيقة علي عليه السلام وباطل أعدائه .

ودأب فقهاؤنا على الشهادة لعلي عليه السلام بالولاية في الاَذان والاِقامة استحباباً ، لا بنيّة أنها جزء من الاَذان أو الاِقامة ، فإذا نوى المؤذّن أو المقيم أنّها جزء بطل أذانه وإقامته .

والمستحبات في العبادات والمعاملات لا تحصى لكثرتها ، والمسلم يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها ، وقد ورد على سبيل المثال أنه يذكر استحباباً بعد شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله ، بأن يقول المسلم ، وأشهد أن الجنّة حقّ والنار حقّ وأن الله يبعث من في القبور(۱).

قلت : إنّ علماءنا علّمونا : أنّ أفضل الخلفاء على التحقيق سيدنا أبو بكر الصديق ، ثم سيدنا عمر الفاروق ، ثم سيدنا عثمان ، ثم سيدنا علي عليه السلام ؟

سكت السيد قليلاً ، ثمّ أجابني : لهم أن يقولوا ما يشاؤون ، ولكن هيهات أن يثبتوا ذلك بالاَدلّة الشرعيّة ، ثم أن هذا القول يخالف صريح ما ورد في كتبهم الصحيحة المعتبرة ، فقد جاء فيها ، أنّ أفضل الناس أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ولا وجود لعلي عليه السلام بل جعلوه من سوقة الناس ، وإنّما ذكره المتأخّرون استحباباً لذكر الخلفاء الراشدين .

سألته بعد ذلك عن التربة التي يسجدون عليها والتي يسمّونها بـ « التربة الحسينية ».

أجاب قائلاً : يجب ان يُعرف قبل كلّ شيء أننا نسجد على التراب ، ولا نسجد للتراب ، كما يتوهّم البعض الذين يشهّرون بالشيعة ، فالسجود هو لله سبحانه وتعالى وحده ، والثابت عندنا وعند أهل السنّة أيضاً أن أفضل السجود على الاَرض أو ما أنبتت الاَرض من غير المأكول ، ولا يصحّ السجود على غير ذلك ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يفترش التراب وقد اتخذ له خمرة من التراب والقش يسجد عليها ، وعلّم أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ فكانوا يسجدون على الاَرض ، وعلى الحصى ، ونهاهم أن يسجد أحدهم على طرف ثوبه ، وهذا من المعلومات بالضرورة عندنا .

وقد اتّخذ الاِمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين عليهما السلام تربة من قبر أبيه أبي عبدالله عليه السلام باعتبارها تربة زكية طاهرة(۲)سالت عليها دماء سيد الشهداء ، واستمر على ذلك شيعته إلى يوم الناس هذا ، فنحن لا نقول بأنّ السجود لا يصحّ إلاّ عليها ، بل نقول بأنّ السجود يصحّ على أي تربة أو حجرة طاهرة ، كما يصحّ على الحصير والسجاد المصنوع من سعف النخيل وما شابه ذلك .

قلت : على ذكر سيدنا الحسين عليه السلام لماذا يبكي الشيعة ويلطمون ويضربون أنفسهم حتى تسيل الدماء ؟ ! وهذا محرّم في الاِسلام ، فقد قال صلى الله عليه وآله : « ليس منّا من لطم الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية »(۳).

أجاب السيد قائلاً : الحديث صحيح لا شكّ فيه ، ولكنّه لا ينطبق على مأتم أبي عبدالله عليه السلام ، فالذي ينادي بثأر الحسين ، ويمشي على درب الحسين ، دعوته ليست دعوى جاهلية ، ثم إنّ الشيعة بشر فيهم العالم وفيهم الجاهل ولديهم عواطف ، فإذا كانت عواطفهم تطغى عليهم في ذكرى استشهاد أبي عبدالله عليه السلام وما جرى عليه وعلى أهله وأصحابه من قتل وهتك وسبي ، فهم مأجورون لاَنّ نواياهم كلّها في سبيل الله ، والله سبحانه وتعالى يعطي العباد على قدر نواياهم.

وقد قرأت منذ أسبوع التقارير الرسميّة للحكومة المصرية بمناسبة موت جمال عبد الناصر ، تقول هذه التقارير الرسميّة بأنّه سجّل أكثر من ثماني حالات انتحارية قتل أصحابها أنفسهم عند سماع النبأ ، فمنهم من رمى نفسه من أعلى العمارة ومنهم من ألقى بنفسه تحت القطار وغير ذلك ، وأمّا المجروحون والمصابون فكثيرون ، وهذه أمثلة أذكرها للعواطف التي تطغي على أصحابها .

وإذا كان الناس ـ وهم مسلمون بلا شك ـ يقتلون أنفسهم من أجل موت جمال عبد الناصر وقد مات موتاً طبيعياً ، فليس من حقّنا ـ بناءً على مثل هذا ـ أن نحكم على أهل السنّة بأنّهم مخطئون ؟ !

وليس لاِخواننا من أهل السنّة أن يحكموا على إخوانهم من الشيعة بأنّهم مخطئون في بكائهم على سيّد الشهداء عليه السلام ، وقد عاشوا محنة الحسين عليه السلام وما زالوا يعيشونها حتى اليوم ، وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وآله نفسه على ابنه الحسين عليه السلام وبكى جبريل لبكائه.

قلت : ولماذا يزخرف الشيعة قبور أوليائهم بالذهب والفضّة ، وهو محرّم في الاِسلام ؟

أجاب السيد الصدر : ليس ذلك منحصراً بالشيعة ، ولا هو حرام فها هي مساجد إخواننا من أهل السنة سواء في العراق أو في مصر أو في تركيا أو غيرها من البلاد الاِسلامية مزخرفة بالذهب والفضة ، وكذلك مسجد رسول الله في المدينة المنورة ، وبيت الله الحرام في مكّة المكرّمة ، الذي يُكسى في كل عام بحلّة ذهبية جديدة يصرف فيها الملايين ، فليس ذلك منحصراً بالشيعة.

قلت : إنّ بعض العلماء يقولون : إنّ التمسح بالقبور ، ودعوة الصالحين ، والتبرّك بهم ، شرك بالله ، فما هو رأيكم ؟

أجاب السيد محمد باقر الصدر : إذا كان التمسّح بالقبور ، ودعوة أصحابها بنيّة أنّهم يضرّون وينفعون ، فهذا شرك ، لا شكّ فيه : وإنّما المسلمون موحِّدون ويعلمون أنّ الله وحده هو الضارّ والنافع ، وإنّما يدعون الاَولياء والاَئمة عليهم السلام ليكونوا وسيلتهم إليه سبحانه وهذا ليس بشرك ، والمسلمون سنّة وشيعة متّفقون على ذلك من زمن الرسول صلى الله عليه وآله إلى هذا اليوم ….

وإنّ السيّد شرف الدين من علماء الشيعة لمّا حجّ بيت الله الحرام … كان من جملة العلماء المدعوين إلى قصر الملك لتهنئته بعيد الاَضحى كما جرت العادة هناك ، ولمّا وصل الدور إليه وصافح الملك قدّم إليه هديّة وكانت مصحفاً ملفوفاً في جلد ، فأخذه الملك وقبّله ووضعه على جبهته تعظيماً له وتشريفاً.

فقال له السيد شرف الدين عندئذ : أيّها الملك لماذا تقبّل الجلد وتعظّمه وهو جلد ماعز ؟

أجاب الملك ، أنا قصدت القرآن الكريم الذي بداخله ولم أقصد تعظيم الجلد !

فقال السيد شرف الدين عند ذلك : أحسنت أيها الملك ، فكذلك نفعل نحن عندما نقبّل شبّاك الحجرة النبويّة أو بابها ، فنحن نعلم أنّه حديد لا يضرّ ولا ينفع ، ولكنّنا نقصد ما وراء الحديد وما وراء الاَخشاب ، نحن نقصد بذلك تعظيم رسول الله صلى الله عليه وآله ، كما قصدت أنت القرآن بتقبيلك جلد الماعز الذي يغلّفه .

فكبّر الحاضرون إعجاباً له وقالوا : صدقت ، واضطر الملك وقتها إلى السماح للحجّاج أن يتبركوا بآثار الرسول صلى الله عليه وآله .

وسألته عن الطرق الصوفيّة فأجابني بأيجاز : بأن فيها ما هو إيجابي وفيها ما هو سلبي ، فالاِيجابي منها تربية النفس وحملها على شظف العيش والزهد في ملذّات الدنيا الفانية ، والسموّ بها إلى عالم الاَرواح الزكية ، أمّا السلبي منها ، فهو الاِنزواء والهروب من واقع الحياة ، وحصر ذكر الله في الاَعداد اللفظية وغير ذلك ، والاِسلام ـ كما هو معلوم ـ يقرّ الاِيجابيات ويطرح السلبيات ، ويحق لنا أن نقول بأنّ مباديء الاِسلام وتعاليمه كلّها إيجابية(۴).

—————————————————————

(۱) جاء ذكر هذه الكلمات في لسان أهل البيت عليهم السلام بعد ذكر الشهادتين (بتفاوت) ـ على سبيل المثال ـ كما في التشهد والوصية والعتق ، راجع : ج ۴ ص ۶۸۲ ، (ب ۱ من أبواب أفعال الصلاة ح ۱۱) ، وص ۹۸۹ (ب۳ من أبواب التشهد ح ۲) ، و ج ۱۳ ص ۳۵۳ (ب۳ من أحكام الوصايا ح ۲) ، وج ۱۶ ص ۱۰ (ب۶ من أبواب العتق ح ۲) .

(۲) من الواضح عناية أهل البيت عليهم السلام بهذه التربة المقدّسة العظيمة كما حدّثوا أصحابهم وشيعتهم بفضلها وفضل السجود عليها وإنها شفاء من كلّ داء ، راجع في ذلك : مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي: ص ۷۳۱ ـ ۷۳۵ ، كامل الزيارات : ص ۲۷۴ ـ ۲۸۶ ب ۹۱ ـ ۹۵ ، بحار الاَنوار: ج۴۶ ص۷۹ ح۷۵ وج ۸۲ ص۴۵ و ج ۸۵ ص۱۴۴ ، و ج۱۰۱ ص۱۲۰٫

(۳) صحيح مسلم : ج ۱ ص ۹۹ ، ح ۱۰۳ ب ۴۴ ، الجامع الصحيح للترمذي : ج ۳ ص ۳۲۴ ح ۹۹۹ ، ب ۲۲ .

(۴) ثم اهتديت للتيجاني : ص ۶۵ ـ ۶۹ .