المفید ۱۰

مناظرة الشيخ المفيد مع أبي جعفر النسفي العراقي في حكم مسح الرجلين في الوضوء

سأل بعض أهل مجلس الشيخ أبي عبدالله ، محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه ، أبا جعفر المعروف بالنسفي العراقي(۱).

فقال له : ما فرض الله تعالى من الوضوء في الرجلين ؟

فقال : غسلهما .

فقال : ما الدليل على ذلك ؟

فقال : قول النبي صلى الله عليه وآله وقد توضأ ، فغسل وجهه ، وغسل ذراعيه ، ومسح برأسه وغسل رجليه ، وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به(۲).

فقال له السائل : ما أنكرت على من قال : انّه لا حجة لك في الخبر ، لاَنّه من أخبار الآحاد ، لا يوجب علماً ولا عملاً .

فقال له أبو جعفر : أخبار الآحاد عندي موجبة للعمل ، وإن لم تكن موجبة للعلم ، وأنا إنّما أبني الكلام على أصلي دون أصل المخالف ، وتردد الكلام بينه وبين السائل في هذا المعنى تردداً يسيراً .

فقال الشيخ أبو عبدالله رضي الله عنه : أنا أسلّم لك العمل بأخبار الآحاد تسليم نظر ، وإن كنت لا أعتقد ذلك ، استظهاراً في الحجة ، وأبيّن أنه لا دليل لك في الخبر الذي تعلّقت به ، على ما تذهب إليه من فرض غسل الرجلين في الوضوء.

وذلك : إنّ قول النبي صلى الله عليه وآله إن صحّ عنه ـ : « هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به » مختص الحكم بذلك الوضوء ، الذي أشار إليه بقوله : « هذا » دون ما عداه من غيره ، أو فعل نفسه ؟

فالحكم بايجاب ذلك ، في أفعال غيره وأفعال نفسه ، لمن بعد ، حكم جائز لا حجة عليه .

فلم يبيّن أبو جعفر معنى هذا الكلام ، وقال ـ على ظن منه خلاف المراد فيه ـ : الوضوء إسم للجنس المشروع منه ، والتعلق بحكمه على العموم حقيقة لا مجاز .

فقال له الشيخ : هذا كلام من لم يتأمل معنى ما أوردته عليه ، وليس العبارة بالوضوء ، عن جنس مشروع يمنع مما ألزمتك في التعلق بقول النبي صلى الله عليه وآله ، وثبت أنّ حكمك به على كل وضوء يحدث ليس بمأخوذ من حقيقة الكلام ، وإنّما هو دعوى لا تثبت إلاّ ببرهان بنّاء في الخبر ، ويكون خارجاً عنه .

وذلك : أن قول النبي صلى الله عليه وآله : « هذا » لا يقع على معدوم ، ولا الاِشارة به إلاّ إلى موجود ، وإذا كان الاَمر على ما ذكرناه ، وجب أن يختص حكمه بنفس ذلك الوضوء الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله ، ويكون المراد بالصلاة المذكورة معه ما يقام به دون ما عداها ، فمن أين يخرج منه أن ما سوى هذا الوضوء ممّا يتجدد بفعل النبي صلى الله عليه وآله ؟ أو يكون وضوءاً لغيره ؟ فحكمه حكمه ؟ بقياس عليه ، أو بحجّة تعقل ، أو بمفهوم اللفظ ، وإذا لم يكن للقياس في هذا مجال ، ولا للعقل فيه مدخل ، ولم يُفده اللفظ ، لم يبق إلاّ الاقتراح فيه ، والدعوى له بغير البرهان .

فقال أبو جعفر : قد ثبت أنّه إذا كان حكم وضوء النبي صلى الله عليه وآله ذلك ، وأن الله تعالى لا يقبل صلاته إلاّ به ، وجب أن يكون حكم غيره كحكمه فيه ، إذ ليس في الاَمة من يفرق بين الاَمرين ، فزعم أنّ للنبي صلى الله عليه وآله وضوءاً على انفراده ، وللاَمة وضوء على حياله .

فقال الشيخ : هذا ذهاب عن وجه الكلام الذي أوردناه عليك ، مع استئنافك إياه ، وانتقالك عمّا كنت معتمداً عليه في الخبر ، ويكفي الخصم من خصمه ، والنظر أن يضطره إلى الانتقال عن معتمده إلى غيره ، وإظهار الرغبة إلى سواه .

والذي بعد فإنّ الذي طالبناك به هو أن يكون قوله صلى الله عليه وآله : « هذا وضوء » إشارة إلى ذلك الشيء الواقع دون غيره من أمثاله .

ولم نسلّم لك أن المراد به كلّ وضوء يحدثه النبي صلى الله عليه وآله في مستقبل الاَوقات فيبنى الكلام على ذلك ، ويستدلّ على مذهبك فيه بما خرّجته من الاِجماع ، فيجب أن تأتي بفصل ممّا ألزمناك ، وإلاّ فالكلام عليك متوجه مع انتقالك من دليل إلى دليل للاضطرار دون الاختيار .

فقال : هذا لا معنى له ، لاَنّه لم يكن النبي صلى الله عليه وآله في حال من الاَحوال ، قد أمر بوضوء لا يقبل الله صلاته إلاّ به ، ثمّ نقل عنه إلى غيره ، وإذا ثبت أن العبادة له كانت بوضوء استمر على الاَحوال والاَوقات ، لم يلزم ما أدخلت علي من الكلام.

فقال الشيخ رحمه الله : وهذا أيضاً ممّا لم يتأمل ، وسبق إلى وهمك منه ما لم نقصده في الاِلزام ، وذلك إنّا لم نرد بما ذكرناه في تخصيص وضوء النبي صلى الله عليه وآله الواقع منه في تلك الحال ما قدّرت من أنه كان مفروضاً عليه غسل الرجين للوضوء دون ما سواه ، وإنما أوردنا ذلك على التقدير .

فما أنكرت أن يكون غسل النبي صلى الله عليه وآله رجليه في ذلك الوضوء لاِماطة نجس كان بهما ، ففعل ذلك لما ذكرناه ، دون إقامة فرض الوضوء للصلاة على انفراده مما سمّيناه ، فيكون قوله صلى الله عليه وآله حينئذٍ : « هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلاّ به » مختصاً بذلك الوضوء الذي دخل فيه فرض إماطة النجاسة عن الرجلين ، دون ما عداه ، وهذا خلاف ظنك الذي أطلت فيه الكلام .

فقال أبو جعفر : هذا أيضاً غير لازم ، إماطة(۳)النجاسة لا يطلق عليهاوضوء شرعي ، وقول النبي صلى الله عليه وآله : « هذا وضوء » لفظ شرعي يخص نوع الوضوء دون ما عداه .

فقال له : الاَمر كما وصفت من أنّه لا يطلق لفظ الوضوء إذا انفرد ذلك ممّا سواه ، لكنه ما أنكرت أن يطلق ذلك على الوضوء المشروع إذا فعل في جملته إماطة نجاسة عن الجسد أو الابعاض ، ولو لم تمط في حال الوضوء أو معه ، ووقعت على الانفراد لم يطلق عليها ذلك ، فيكون للاتصال من الحكم ما لا يكون للانفصال ، ويكون الاِشارة بقوله : « هذا وضوء » إلى أكثر الاَفعال التي وقعت مما هي وضوء في نفسه ، وإن يتخللها ما لا يسمى على الانفراد وضوءاً ، وهذا معروف في لغة العرب لا يتناكره منهم اثنان .

ألا ترى أنّه يسمّون الشيء بأسم مجاوره ، يستعيرون فيه اسم ما دخل في جملته ، ويعبّرون عنه بحقيقة اللفظ منه وإن تخلل أجزاءه ما ليس منه ، ولا خلاف مع هذا بينهم أن السمات قد تطلق على الاَشياء بحكم الاَغلب ، ويحكم عليها بالغلبة ، وإن كان فيها ما ليس من الاَغلب ، وهذا يبيّن عن وجه الكلام عليك ، وأنك ذهبت عنه مذهباً بعيداً .

فقال : لو جاز أن يعبّر عن إماطة النجاسة عن الرجل بالوضوء ، لجاز أن يعبّر عن إماطتها عن الثوب بذلك ، ويعبّر عن السترة في الصلاة بذلك ، ويعبّر عن التوجه والقبلة بالوضوء ، لاَنّ الصلاة لا تتم إلاّ بذلك كما لا تتم إلاّ بإماطة النجاسة عن القدمين وغيرهما من الجسد ، وهذا ما لا يقوله أحد .

فقال الشيخ رضي الله عنه : هذا أيضاً كلام على غير ما اعتمدناه ، ولو تأملت ما ذكرناه لاَغناك عن تكلّف هذا الخطاب ، وذلك أنا لم نقل أن إماطة النجاسة عن القدمين بغسلهم .