المفید ۵

مناظرة الشيخ المفيد مع الكتبي ورجل من المعتزلة

سأله المعروف بالكتبيّ فقال له : ما الدليل على فساد إمامة أبي بكر ؟

فقال له : الادلة على ذلك كثيرة ، فأنا أذكر لك منها دليلاً يقرب من فهمك ، وهو أنّ الاُمّة مجتمعة على أنّ الامام لا يحتاج إلى إمام ، وقد أجمعت الامّة على أنّ أبا بكر قال على المنبر : « وليتكم ولست بخيركم ، فإن استقمت فاتّبعوني ، وإن اعوججت فقوّموني » (۱) ، فاعترف بحاجته إلى رعيّته وفقره إليهم في تدبيره ، ولا خلاف بين ذوي العقول أنّ من احتاج إلى رعيّته فهو إلى الامام أحوج(۲) ، وإذا ثبتت حاجة أبي بكر إلى الامام بطلت إمامته بالاجماع المنعقد على أنّ الامام لا يحتاج إلى الامام ، فلم يدر الكتبيّ بمَ يعترض ، وكان بالحضرة من المعتزلة رجل يعرف بعرزالة.

فقال : ما أنكرت على من قال لك : إنّ الامّة أيضا مجتمعة على أنّ القاضي لا يحتاج إلى قاض ، والامير لا يحتاج إلى أمير ، فيجب على هذا الاصل أن يوجب عصمة الامراء ، أو يخرج من الاجماع.

فقال له الشيخ : إنّ سكوت الاوّل أحسن من كلامك هذا ، وما كنت أظنّ أنّه يذهب عليك الخطأ في هذا الفصل ، أو تحمل نفسك عليه مع العلم بوهنه ، وذلك أنّه لا إجماع في ما ذكرت ، بل الاجماع في ضدّه ، لانّ الامّة متّفقة على أنّ القاضي الّذي هو دون الامام يحتاج إلى قاض هو الامام ، وذلك يسقط ما تعلّقت به ، اللهم إلاّ أن تكون أشرت بالامير والقاضي إلى نفس الامام ، فهو كما وصفت غير محتاج إلى قاض يتقدّمه أو أمير عليه ، وإنّما استغنى عن ذلك لعصمته وكماله ، فأين موضوع إلزامك عافاك الله ؟ فلم يأت بشيء (۳).

——————————————–

(۱) تقدمت تخريجاته.

(۲) وفي هذا المعنى يقول شاعر أهل البيت ـ عليهم السلام ـ سفيان بن مصعب العبدي الكوفي ـ‍ المتوفي ـ سنة ۱۲۰ هـ ـ :

وقال : رسول الله ما اختار بعده‌ ***** إماماً ولكنّا لانفسنـا اخترنـــا

اقمنا إماماً إن أقـام على الهـدى ***** ‌أطعنا وإن ضل الهدايـة قومّنـا

فقلنا إذن أنتـم امــامُ امامـكم ***** ‌بحمد من الرحمن تهتم وما تهنـا

ولكننا اخترنا الذي اختــار ربنا ***** لنا يوم خم ما اعتدينا ولا حلنـا

سيجمعنا يوم القيامــة ربُّنــا ***** فتجزون ما قلتم ونُجزى الذي قلنا

ونحن على نورٍ من الله واضـح ***** فياربِ زدنا منك نوراً وثبتنــا

وفي العبدي ـ رحمه الله تعالى ـ رُوي عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : يا معشر الشيعة علموا أولادكم شعرالعبدي فأنه على دين الله. أنظر : الكنى والالقاب للقمي ج۲ ص۴۱۴ ـ ۴۱۵٫

(۳) البحار ج۱۰ ص۴۱۱ ح۴ ، الفصول المختارة ج۱ ص۷ ـ ۸٫