المهدی۵

مناظرة الشيخ المفيد مع بعضهم في الدليل على وجود الإمام المهدي(ع)

بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلّى الله على محمد وآله وسلّم تسليماً .

سأل سائل الشيخ المفيد رحمه الله فقال : ما الدليل على وجود الاِمام صاحب الغيبة عليه السلام ، فقد اختلف الناس في وجوده اختلافاً ظاهراً ؟

فقال له الشيخ : الدليل على ذلك إنّا وجدنا الشيعة الاِمامية فرقة قد طبقت الاَرض شرقاً وغرباً ، مختلفي الآراء والهمم ، متباعدي الديار لا يتعارفون ، متدينين بتحريم الكذب ، عالمين بقبحه ، ينقلون نقلاً متواتراً عن أئمتهم عليهم السلام عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه : إنّ الثاني عشر يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون(۱) ويحكون أنّ الغيبة تقع على ما هي عليه ، فليس تخلوا هذه الاَخبار أن تكون صدقاً أو كذباً ، فإن كانت صدقاً فقد صحّ ما نقول ، وإن كانت كذباً استحال ذلك ، لاَنّه لو جاز على الاِمامية وهم على ما هم عليه ، لجاز على سائر المسلمين في نقلهم معجزات النبي صلى الله عليه وآله مثل ذلك ، ولجاز على سائر الاُمم والفرق مثله ، حتى لا يصحّ خبر في الدنيا ، وكان ذلك إبطال الشرائع كلها .

قال السائل : فلعل قوماً تواطئوا في الاَصل فوضعوا هذه الاَخبار ونقلتها الشيعة وتدينت بها ، وهي غير عالمة بالاَصل كيف كان .

قال له الشيخ رضي الله عنه : أوّل ما في هذا إنّه طعن في جميع الاَخبار ، لاَنّ قائلاً لو قال للمسلمين في نقلهم لمعجزات النبي صلى الله عليه وآله : لعلها في الاَصل موضوعة ، ولعل قوماً تواطئوا عليها فنقلها من لا يعلم حالها في الاَصل ، وهذا طريق إلى إبطال الشرائع ، وأيضاً فلو كان الاَمر على ما ذكره السائل لظهر وانتشر على ألسن المخالفين ـ مع طلبهم لعيوبهم وطلب الحيلة في كسر مذاهبهم ـ وكان ذلك أظهر وأشهر مما يخفى ، وفي عدم العلم بذلك ما يدل على بطلان هذه المعارضة .

قال : فأرنا طرق هذه الاَخبار ، وما وجهها ووجه دلالتها ؟

قال : الاَول ما في هذا الخبر الذي روته العامّة والخاصة ، وهو خبر كميل ابن زياد قال : دخلت على أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو ينكث في الاَرض فقلت له : يا مولاي مالك تنكث الاَرض أرغبة فيها ؟

فقال : والله ما رغبت فيها ساعة قط ، ولكني أفكر في التاسع من ولد الحسين عليه السلام ، هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما ملأت ظلماً وجوراً ، تكون له غيبة يرتاب فيها المبطلون ، يا كميل بن زياد ، لا بدّ لله في أرضه من حجة، إما ظاهر مشهور شخصه ، وإما باطن مغمور لكيلا تبطل حجج الله (۲) . والخبر طويل وإنما اقتصرنا على موضع الدلالة .

وما روى عن الباقر عليه السلام : إن الشيعة قالت له يوماً : أنت صاحبنا الذي يقوم بالسيف؟

قال : لست بصاحبكم ، انظروا من خفيت ولادته فيقول قوم : ولد ، ويقول قوم : ما ولد ، فهو صاحبكم(۳).

وما روي عن الصادق عليه السلام إنه قال : كيف بكم إذا التفتم يميناً فلم تروا أحداً ، والتفتم شمالاً فلم تروا أحداً ، واستولت أقوام بني عبد المطلب ، ورجع عن هذا الاَمر كثير ممّن يعتقده ، يمسي أحدكم مؤمناً ويصبح كافراً ، فالله الله في أديانكم هناك فانتظروا الفرج .

وما روي عن موسى بن جعفر عليهما السلام ، إنه قال : أذا توالت ثلاثة أسماء محمد وعلي والحسن فالرابع هو القائم صلوات الله عليه وعليهم(۴).

ولو ذهبنا إلى ما روي في هذا المعنى لطال به الشرح ، وهذا السيد ابن محمد الحميري يقول في قصيدة له قبل الغيبة بخمسين ومائة سنة :

وكذا روينا عن وصي محمد *****وما كان فيما قالـه بالمتكذب

بأن ولـي‌الاَمر يُفقد لا يُرى*****ستيراً كفعل الخائف‌المترقـب

فيقسم أمـوال الفقيـد كأنما*****تغيبه تحت الصفيح المنصـب

فيمكث حيناً ثمّ ينبــع‌نبعة*****كنبعة درى من الاَرض يوهب

له غيبة لا بد من أن يغيبها*****فصلّى عليه الله من متغيّب(۵)

فانظروا رحمكم الله قول السيد هذا القول وهو (الغَيبة) كيف وقع له أن يقوله لولا أن سمعه من أئمته ، وأئمته سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله ، وإلاّ فهل يجوز لقائل أن يقول قولاً فيقع كما قال ما يخرم منه حرف ؟ ! عصمنا الله وإياكم من الهوى ، وبه نستعين ، وعليه نتوكّل(۶).

قال السائل : فقد كان يجب أن ينقل هذه الاَخبار مع الشيعة غيرهم .

فقال له : هذا غير لازم ولا واجب ، ولو وجب وجب أن لا يصحّ خبر لا ينقله المؤالف والمخالف وبطلت الاَخبار كلها .

فقال السائل : فإذا كان الاِمام عليه السلام غائباً طول هذه المدة لا يُنتفع به ، فما الفرق بين جوده وعدمه(۷).

قال له : إن الله سبحانه إذا نصب دليلاً وحجة على سائر خلقه فأخافه الظالمون كانت الحجة على من أخافه لا على الله سبحانه ، ولو أعدمه الله كانت الحجة على الله لا على الظالمين ، وهذا الفرق بين جوده وعدمه .

قال السائل : ألا رفعه الله إلى السماء فإذا آن قيامه أنزله ؟

فقال له : ليس هو حجة على أهل السماء ، إنّما هو حجة على أهل الاَرض، والحجة لا تكون إلا بين المحجوجين به ، وأيضاً فقد كان هذا لا يمتنع في العقل لولا الاَخبار الواردة أن الاَرض لا تخلو من حجة ، فلهذا لم يجز كونه في السماء وأوجبنا كونه في الاَرض وبالله التوفيق .

فقام إنسان من المعتزلة وقال للشيخ المفيد : كيف يجوز ذلك منك وأنت نظار منهم قائل بالعدل والتوحيد ، وقائل بأحكام العقول ، تعتقد إمامة رجل ما صحت ولادته دون إمامته ، ولا وجوده دون عدمه ، وقد تطاولت السنون حتى أن المعتقد منكم يقول إن له عند ولد خمساً وأربعين ومائة سنة(۸)، فهل يجوز هذا في عقل أو سمع ؟

قال له الشيخ : قد قلت فافهم ، اعلم : إن الدلالة عندنا قامت على أن الاَرض لا تخلو من حجة.(۹)

قال السائل : مسلّم لك ذلك ثمّ آيش ؟

قال له الشيخ : ثمّ إن الحجة على صفات ، ومن لا يكون عليها لم تكن فيه .

قال له السائل : هذا عندي ، ولم أر في ولد العباس ، ولا في ولد عليّ ، ولا في قريش قاطبة من هو بتلك الصفات ، فعلمت بدليل العقل أن الحجة غيرهم ، ولو غاب ألف سنة ، وهذا كلام جيد في معناه إذا تفكرت فيه ، لاَنّه إذا قامت الدلالة بإن الاَرض لا تخلو من حجة ، وإن الحجة لا يكون إلاّ معصوماً من الخطأ والزلل، لا يجوز عليه ما يجوز على الاُمّة ، وكانت المنازعة فيه لا في الغيبة ، فإذا سلّم ذلك كانت الحجة لازمة في الغيبة(۱۰).

———————————————————————-

(۱) راجع : اصول الكافي : ج ۱ ص ۳۳۸ ح ۷ ، كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج ۱ ص۲۸۸ ح ۱ وص ۳۰۲ ح۹وص ۳۰۳ ح ۱۴ ـ ۱۶ ، عيون أخبار الرضا للصدوق : ج ۲ ص ۶۹ ح ۳۶ ، بحار الاَنوار : ج ۵۱ ص ۱۴۶ ح ۱۴ وص ۱۶۰ ح ۶ (بما مضمون الخبر).

(۲) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج ۱ ص ۲۸۹ ح ۱ ، الاَصول من الكافي : ج ۱ ص ۳۳۸ ح۷ (ب في الغيبة) ، كتاب الغيبة للطوسي : ص ۱۰۴ و ۲۰۴ ، وفي الاَخيرين : عن الاَصبغ بن نباتة بدلاً من كميل بن زياد .

(۳) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج ۱ ص ۳۲۵ ح ۲ ، كتاب الغيبة للنعماني : ص ۱۷۹ ح۱۲۶ ( وفيهما عن أبي عبد الله عليه السلام ) .

(۴) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج ۱ ص ۳۳۴ ح ۳ .

(۵) راجع : الغدير للاَميني : ج ۲ ص ۲۴۶ ـ ۲۴۷ ، ديوان السيد الحميري لشاكر هادي: ص۱۱۶ ـ ۱۱۷ رقم القصيدة : ۲۰ .

۶) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج ۱ ص ۳۴ ـ ۳۵ ، الغدير للاَميني : ج ۲ ص ۲۴۶ ـ ۲۴۷ .

(۷) روي عن الاَعمش عن الصادق عليه السلام قال : لم تخلو الاَرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها ولو لم يعبد الله ، قال سليمان : فقلت للصادق عليه السلام : فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال : كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب . (بحار الاَنوار : ج ۵۲ ص ۹۲ ح ۶ وراجع: ح ۷ و ۸) .

(۸) الذى يبدو أن هذه المناظرة وقعت في سنة ۴۰۰ هـ .

(۹) راجع : بحار الاَنوار : ج ۲۳ ص ۳۷ ح ۶۵ وح ۶۷ .

(۱۰) مصنفات الشيخ المفيد عليه الرحمة المجلد السابع (ص ۱۱ ـ ۱۶) (الرسالة الثانية).