المهدی۸

مناظرة الشيخ المفيد مع بعضهم في علّة استتار الإمام المهدي(ع)

قال الشريف المرتضى عليه الرحمة : سئل الشيخ ـ أيده الله ـ فقيل له : أليس رسول الله صلى الله عليه وآله قد ظهر قبل استتاره ودعا إلى نفسه قبل هجرته ، وكانت ولادته معروفة ونسبه مشهوراً وداره معلومة، هذا مع الخبر عنه في الكتب الاُولى والبشارة به في صحف إبراهيم وموسى عليه السلام وإدراك قريش وأهل الكتاب علاماته ومشاهداتهم لدلائل نبوته وأعلام عواقبه، فكيف لم يخف مع ذلك على نفسه ولا أمر الله أباه بستر ولادته ، وفرض عليه إخفاء أمره كما زعمتم أنّه فرض ذلك على أبي الاِمام لما كان المنتظر عندكم من بين الاَئمة والمشار إليه بالقيام بالسيف دون آبائه، فأوجب ذلك على ما ادّعيتموه واعتللتم به في الفرق بين آبائه وبينه في الظهور على خبره وكتم ولادته والستر عن الاَنام شخصه، وهل قولكم في الغيبة مع ما وصفناه من حال النبي صلى الله عليه وآله إلاّ فاسد متناقض ؟

جواب : ـ يقال إنّ المصلحة لا تكون من جهة القياس ، ولا تعرف أيضاً بالتوهّم ، ولا يتوصل إليها بالنظائر والاَمثال ، وإنّما تعلم من جهة علاّم الغيوب المطّلع على الضمائر العالم بالعواقب الذي لا تخفى عليه السرائر، فليس ننكر أن يكون الله سبحانه قد علم من حال رسول الله صلى الله عليه وآله ، مع جميع ما شرحتم أنّه لا يقدم عليه أحد ولا يؤثر ذلك منه ، إمّا لخوف من الاِقدام على ذلك ، أو لشك فيما قد سمعوه من وصفه ، أو لشبهة عرضت لهم في الرأي فيه، فتدبير الله سبحانه له في الظهور على خلاف تدبير الاِمام المنتظر لاختلاف الحالين.

ويدل على ما بيناه ويوضح عما ذكرناه أنّه لم يتعرض أحد من عبدة الاَوثان ، ولا أهل الكتاب ولا أحد من ملوك العرب والفرس مع ما قد اتّصل بهم من البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله لاَحد من آباء الرسول صلى الله عليه وآله بالاِخافة، ولا لاستبراء واحدة من أُمهاته لمعرفة الحمل به ، ولا قصدوا الاِضرار به في حال الولادة ولا طول زمانه إلى أن صدع بالرسالة .

ولا خلاف أنّ الملوك من ولد العبّاس لم يزالوا على الاِخافة لآباء الاِمام وخاصة ما جرى من أبي جعفر المنصور مع الصادق عليه السلام ، وما صنعه هارون بأبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام حتى هلك في حبسه ببغداد، وما قصد المتوكّل بأبي الحسن العسكري عليه السلام جد الاِمام حتى أشخصه من الحجاز فحبسه عنده بسر من رأى ، وكذلك جرى أمر أبي محمد الحسن عليه السلام بعد أبيه إلى أن قبضه الله تعالى .

ثم كان من أمر المعتمد بعد وفاة أبي محمد عليه السلام ما لم يخف على أحد من حبسه لجواريه والمسائلة عن حالهنّ في الحمل، واستبراء أمرهنّ عندما اتفقت كلمة الاِمامية على أنّ القائم هو ابن الحسن عليه السلام فظنّ المعتمد أنّه يظفر به فيقتله ويزيل طمعهم في ذلك ، فلم يتمكن من مراده وبقي بعض جواري أبي محمد عليه السلام في الحبس أشهراً كثيرة، فدلّ بذلك على الفرق بين حال النبي صلى الله عليه وآله في مولده وبين الاِمام عليه السلام على ما قدمناه بما ذكرناه وشرحناه .

وشيء آخر وهو أنّ الخوف قد كان مأموناً على رسول الله صلى الله عليه وآله من بني هاشم وبني عبد المطلب وجميع أهل بيته وأقاربه، لاَنّ الشرف المتوقع له بالنبوّة كان شرفهم والمنزلة التي تحصل له بذلك فهي تختص بهم، وعلمهم بهذه الحال يبعثهم على صيانته وحفظه وكلائته ليبلغ الرتبة التي يرجونها له فينالون بها أعلى المنازل ويملكون بها جميع العالم .

وأمّا البعداء منهم في النسب فيعجزون عن إيقاع الضرر به لموضع أهل بيته ومنعهم منه وعلمهم بحالهم وأنّهم أمنع العرب جانباً وأشدهم بأساً وأعزهم عشيرة، فيصدهم ذلك عن التعرض له ويمنع من خطوره ببالهم، وهذا فصل بين حال النبي صلى الله عليه وآله فيما يوجب ظهوره مع انتشار ذكره والبشارة به، وبين الاِمام فيما يجوز استتاره وكتم أمر ولادته، وهذا بيّن لمن تدبره.

وشيءٌ آخر وهو أنّ ملوك العجم في زمان مولد النبي صلى الله عليه وآله لم يكونوا يكرهون مجيء نبي يدعو إلى شرع مستأنف ، ولا يخافون بمجيئه على أنفسهم ولا على ملكهم ، لاَنّهم كانوا ينوون الاِيمان به والاتباع له، وقد كانت اليهود تستفتح به على العرب وترجو ظهوره كما قال الله عزّ وجلّ : ( فلمّا جآءهم ما عرفوا كفروا به )(۱) وإنّما حصل للقوم الخلاف عليه والاِباء له بنية تجددت لهم عند مبعثه .

ولم يجر أمر الاِمام المنتظر عليه السلام هذا المجرى بل المعلوم من حال جميع ملوك زمان مولده ومولد آبائه، خلاف ذلك من اعتقادهم فيمن ظهر منهم يدعو إلى إمامة نفسه أو يدعو إليه داع سفك دمه واستئصال أهله وعشيرته ، وهذا أيضاً فرق بين الاَمرين .

وشيء آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله مكث ثلاث عشرة سنة يدعو بمكّة إلى دينه والاعتراف بالوحدانية وبنبوته ، ويسفّه من خالفه ويضلّلهم ويسب آلهتهم، فلم يقدم أحد منهم على قتله ولا رام ذلك ولا استقام لهم نفيه عن بلادهم ولا حبسه ولا منعه من دعوته، ونحن نعلم علماً يقيناً لا يتخالجنا فيه الشك بأنّه لو ظن أحد من ملوك هذه الاَزمان ببعض آل أبي طالب أنّه يحدث نفسه بادّعاء الاِمامة بعد مدة طويلة، لسفك دمه دون أن يعلم ذلك ويتحققه فضلاً عن أن يراه ويجده.

وقد علم أهل العلم كافة أنّ أكثر من حبس في السجون من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وقتل بالغيلة إنّما فعل به ذلك على الظنة والتهمة دون اليقين والحقيقة، ولو لم يكن أحد منهم حلَّ به ذلك إلاّ موسى بن جعفر عليهما السلام لكان كافياً ، ومن تأمّل هذه الاَُمور وعرفها وفكر فيما ذكرناه وتبيّنه انكشف له الفرق بين النبي وبين الاِمام فيما سأل عنه هؤلاء القوم ولم يتخالجه فيه ارتياب والله الموفق للصواب .

وبهذا النحو يجب أن يجاب من سأل فقال : أليس الرسول صلى الله عليه وآله قد ظهر في أوّل أمره وعرفت العامة والخاصة وجوده ثم استتر بعد ذلك عند الخوف على نفسه ، فقد كان يجب أن يكون تدبير الاِمام في ظهوره واستتاره كذلك، مع أنّ الاتفاقات ليس عليها قياس ، والاَلطاف والمصالح تختلف في أنفسها ولا تُدرك حقائقها إلاّ بسمع يرد عن عالم الخفيات ، جلّت عظمته فلا يجب أن نسلك في معرفتها طريق الاعتبار .

وليس يستتر هذا الباب إلاّ على من قلّ علمه بالنظر وبَعُد عنه الصواب والله نستهدي إلى سبيل الرشاد(۲).

—————————————————————–

(۱) سورة البقرة : الآية ۸۹ .

(۲) الفصول المختارة للمفيد : ص ۲۶۶ ـ ۲۶۹ .