المفید ۰۰۴

مناظرة الشيخ المفيد مع شيخ من المعتزلة

وذكرت بحضرة الشيخ أبي عبدالله ـ أدام الله عزه ـ ما ذكره أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي ـ رحمه الله ـ في كتاب ( الانصاف ) حيث ذكر أن شيخا من المعتزلة أنكر أن تكون العرب تعرف المولى سيدا وإماما ، قال : فأنشدته قول الاخطل (۱) :

فما وجدت فيها قريش لامرهــا ***** أعف وأولى مـن أبيـك وأمجـدا

وأورى بزنديه ولو كان غيــره‌ ***** بغداة اختلاف‌ الناس ‌أكدى ‌وأصلدا

فأصبحت مولاها من الناس كلهم ***** ‌وأحرى قريش أن تهاب وتحمـدا

قال أبو جعفر : فأسكت الشيخ كأنما ألقم حجرا ، وجعلت أستحسن ذلك.

فقال لي الشيخ أبو عبد الله ـ أدام الله عزه ـ : قد قال لي أيضا شيخ من المعتزلة : إن الذي تدعونه من النص الجلي على أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ شيء حادث ، ولم يك معروفا عند متقدمي الشيعة ولا اعتمده أحد منهم وإنما بدأ به وادعاه ابن الراوندي في كتابه في الامامة ، وناضل عليه ولم يسبقه إليه أحد ، ولو كان معروفا فيما سلف لما أخلّ السيد إسماعيل بن محمد (۲) ـ رحمه الله ـ به في شعره ولا ترك ذكره في نظمه مع إغراقه في ذكر فضائل أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ومناقبه حتى تعلق بشاذ الحديث وأورد من الفضائل ما لا نسمع به إلا منه ، فما باله إن كنتم صادقين لم يذكر النص الجلي ولا اعتمده في شيء من مقاله وهو الاصل المعول عليه لو ثبت.

فقلت له : قد ذهب عنك أيها الشيخ مواضع مقاله في ذلك لعدولك عن العناية برواية شعر هذا الرجل ، ولو كنت ممن صرف همته إلى تصفح قصائده لعرفت ما ذهب عليك من ذلك ، وأسكنتك المعرفة به عن الاعتماد على ما اعتمدته من خلو شعره على ما وصفت في استدلالك بذلك ، وقد قال السيد إسماعيل بن محمد ـ رحمه الله ـ في قصيدته الرائية التي يقول في أولها :

ألا الحمد للّه حمدا كثير ***** اوليّ المحامد ربا غفورا

حتى انتهى إلى قوله :

وفيهــم علـي وصي النبــي ***** ‌بمحضرهم قـد دعـاه أميــرا

وكان الخصيص به في الحيــاة ***** ‌وصاهره واجتبـاه عشيـرا (۳)

أفلا ترى أنه قد أخبر في نظمه أن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ دعا عليا ـ عليه السلام ـ في حياته بإمرة المؤمنين واحتج بذلك فيما ذكره من مناقبه ـ عليه السلام ـ فسكت الشيخ وكان منصفا (۴).

———————————————————————-

(۱) هو أبو مالك غياث‌ بن غوث التغلبي ، من شعراء الدولة الاموية البارزين مات سنة ۹۲ هـ.

(۲) هو السيد الحميري ، الشاعر الطائر الصيت المولود سنة ۱۰۵ والمتوفى سنة ۱۷۳ أو سنة ۱۷۹٫ صاحب القصيدة المشهورة :

لام عمرو باللوى مربع‌ ***** طامسة اعلامهـا بلقـع

من اصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ ، ومن شعراء اهل البيت ـ عليهم السلام ـ المجاهرين ، حاله في الجلالة ظاهر ، ومجده باهر ، قال العلامة في حقه : ثقة جليل القدر عظيمُ الشأن والمنزلة ، وكان في بدء الامر كيسانياً ثم إمامياً ، وقيل له كيف تشيعت وأنت شامي حميري فقال : صبت عليَّ الرحمة صبّاً فكنت كمؤمن آل فرعون ، وروي ان الصادق ـ عليه السلام ـ لقاه ، فقال : سمتك امك سيّداً ووفقت في ذلك أنت سيّد الشعراء ، وقيل ان له في اهل البيت ـ عليهم السلام ـ نحو الفين وثلاثمائة قصيدة.

انظر ترجمته ‌في ‌تنقيح‌ المقال ‌للمامقاني ‌ج۱ ص۱۴۲ـ۱۴۴ ،سفينة ‌البحارج۱ ص۳۳۵ـ۳۳۷٫

(۳) ديوان السيد الحميري ص۲۲۴ ، رقم القصيدة : ۷۸ باختلاف في البيت الثاني والمذكور هكذا.

علي إمام وصيّ النبي‌ بمحضره قد دعاه أميرا والبيت الاول قد ذكر في ص۲۱۰ قصيدة رقم : ۷۵ ، راجع : مناقب ابن شهر آشوب ج۳ ص۵۶ ، أعيان الشيعة ج۳ ص۴۲۳٫

(۴) الفصول المختارة ص۴ ـ ۵٫