۲ إيمان أبي طالب

مناظرة الشيخ محمد الإشتهاري مع بعضهم في إيمان أبي طالب

قال أحد أبناء أهل السنة في شأن إيمان أبي طالب عليه السلام الاَب الكريم لاَميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام : اختلفت الروايات في كتبنا الرئيسية حول إيمان أبي طالب عليه السلام ، فطائفة من الروايات وردت في تعظيمه ومدحه، وطائفة اُخرى وردت في ذمه والطعن به.

فقلت : اتفق علماء الشيعة، تبعاً لائمّتهم المعصومين عليهم السلام ، والذين هم عترة النبي صلى الله عليه وآله على أن أبا طالب عليه السلام كان شخصاً لائقاً مؤمناً ومجاهداً في سبيل الله.

ـ فقال ـ : إذا كان كذلك، فلماذا وردت روايات كثيرة في عدم إيمانه؟

ـ فقلت ـ : ذنب أبي طالب هو انّه والد علي بن أبي طالب عليه السلام ، فقد بذل الاَعداء الحاقدون على ابنه الوصي عليه السلام ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان مبالغ طائلة من بيت مال المسلمين، لعناصر باعوا دينهم بدنياهم وضمائرهم لاِهوائهم، لافتعال الاَحاديث والروايات المجعولة الكاذبة لتشويه شخصية الاِمام علي عليه السلام (۱) ، حتى وصل بهم الحد إلى أنّهم نقلوا عن أبي هريرة أنه قال: « إنّه يشهد بالله أنّ علياً أحدث بعد الرسول فاستوجب لعن الملائكة والناس أجمعين » (۲) .

فمع وجود هؤلاء الاَراذل في عصر معاوية والخلفاء الاَخرين من بني اُمية، فمن الطبيعي أن تظهر روايات مفتعلة كثيرة في شرك أبي طالب عليه السلام حتى بذلوا الكثير من الجهود والطاقات في ذمه، ولم يبذلوا واحداً من ألف منها في أبي سفيان الذي كان يمثل رأس الشرك، ويمتلك طينة خبيثة، وصفحات سوداء في التأريخ.

فعليه، نشأت جذور تهمة الشرك لاَبي طالب عليه السلام من دافع سياسي استغلها معاوية لمصالحه الشخصية.

ـ فقال ـ : نقرأ في الآية ۲۶ من سورة الاَنعام قوله تعالى: ( وهم ينهون عنه وينئون عنه ) قال بعض المفسرين : إن المراد من الآية المباركة: « إن طائفة من الناس كانوا يدافعون عن النبي صلى الله عليه وآله ، وفي نفس الوقت يرفضون الاِيمان به ويبتعدون عنه »، فهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب عليه السلام لاَنّه دافع عن النبي صلى الله عليه وآله في مقابل المشركين، مع تحاشيه عن الاِيمان به.

ـ فقلت ـ : أولاً، أن معنى الآية مخالف لما قلتم تماماً.

ثانياً: لو سلّمنا لقولكم، فما هو الدليل على ان المراد منها أو شمولها لاَبي طالب؟!

ـ فقال ـ : حجتنا هي رواية سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس، أنه قال: « هذه الآية، نزلت في شأن أبي طالب عليه السلام إذ منع الناس عن التعرض للرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله مع عدم اتباعه له صلى الله عليه وآله » (۳)

ـ فقلت ـ : أضطر في جوابكم أن أشير إلى أمور:

۱ ـ أن معنى الآية ليس كما فسرتم، بل مع الاَخذ بنظر الاِعتبار ما قبل الآية وما بعدها، فقد نزلت في شأن الكفار المعاندين، ظاهر معنى الآية هكذا، « أن الكفار كانوا ينهون الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وآله في حين أنّهم كانوا يعرضون عنه » (۴) ولم تتطرق الآية إلى مسألة الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله .

۲ ـ جملة « ينئون » بمعنى الابتعاد، والحال كان أبو طالب من أقرب الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله ولم يبتعد عنه طرفة عين.

۳ ـ أما رواية سفيان الثوري التي نقلها ابن عباس وأنه قال أن الآية نازلة في شأن أبي طالب عليه السلام مخدوشة من عدة جهات:

الف ـ إن سفيان الثوري من الكذابين وغير الموثقين بإقرار الكبار من علماء أهل السنة (۵) .

نقل عن « ابن المبارك » أن سفيان كان يدلس، أي كان يظهر الحق باطلاً، والباطل حقّاً (۶) زوراً وبهتاناً، والراوي الاَخر لهذه الرواية هو « حبيب بن أبي ثابت » الذي كان يدلس أيضاً، طبقاً لقول إبن حيان (۷) إضافة إلى أن هذه الرواية مرسلة، بمعنى أن سلسلة الرواة بين حبيب وابن عباس محذوفة غير متصلة.

ب ـ كان ابن عباس من الشخصيات الاِسلامية المرموقة والمعروفة التي تعتقد بإيمان أبي طالب فكيف يمكن أن ينقل مثل هذه الرواية؟! عندئذ يمكن أن نفسر الآية بهذا النحو: « إن الكفار كان يمنعون الناس من اتباع النبي صلى الله عليه وآله ، وهم أيضاً كانوا يبتعدون عنه ».

ج ـ الرواية المذكورة تقول: أنّ هذه الآية نزلت في شأن أبي طالب عليه السلام فحسب، مع أن كلمة « ينهون » و « ينئون » جاءت بصيغة الجمع.

فطبقاً لتفسير البعض، إن الآية المذكورة تشمل أعمام النبي صلى الله عليه وآله حيث كانوا عشرة منهم مؤمنين ، وهم الحمزة والعباس وأبو طالب، فلا يشملهم مراد الآية المذكورة.

وبعبارة أوضح: كان النبي صلى الله عليه وآله يبتعد عن المشركين أمثال: أبي لهب الذي كان أحد أعمامه صلى الله عليه وآله ، وأمّا أبو طالب فكان يرتبط بالنبي صلى الله عليه وآله بصلة وثيقة إلى آخر لحظةمن حياته الشريفة، وسمى صلى الله عليه وآله سنة وفاته « عام الحزن » وقال في تشييع جثمانه الطاهر: « وا أبتاه، واحزناه عليك كنتُ عندك بمنزلة العين من الحدقة، والروَّح من الجسد » (۸) فهل من الاِنصاف أن يقال في حق النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يمدح ويعظم المشرك، ويظهر الحزن لوفاته، مع أن كثيراً من الآيات القرآنية تذم المشركين وتأمر بالاِعراض عنهم؟!(۹)

———————————————————————-

(۱) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : ج ۴ ص ۶۳ : وذكر شيخنا أبو جعفر الاسكافي رحمه الله تعالى … أن معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلاً يُرغب في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه ، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، ومن التابعين عروة بن الزبير .

(۲) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج۴ ص۶۷٫

(۳) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ج۲ ص۱۳۲ .

(۴) وقد فسر ابن عباس الآية بهذا التفسير ، ولمزيد البحث والتحقيق في تفسير هذه الآية راجع: الغدير للاَميني: ج۸ ص ۳ ـ ۸٫

(۵) ميزان الاعتدال للذهبي: ج ۲ ص۱۶۵٫

(۶) تهذيب التهذيب: ج۴ ص۱۱۵٫

(۷) تهذيب التهذيب: ج۲ ص۱۷۹٫

(۸) منية الراغب في إيمان أبي طالب للطبسي : ص ۲۰۵ عن البكري في كتاب مولد علي.

(۹) أجود المناظرات للاَشتهاردي : ص ۳۲۶ ـ ۳۳۱ .