صيانة القرآن عن التحريف

مناظرة الشيخ معتصم السوداني مع الشيخ أحمد الأمين في صيانة القرآن عن التحريف (۱)

قال الشيخ معتصم السوداني ـ في معرض كلامه عمّا جرى له مع بعض أولئك الذين ينالون من الشيعة ـ : وجرى حوار بيني وبين شيخهم ـ أحمد الاَمين ـ وطلبت منه العقلانية وترك الاِستهتار والتهجم دون جدوى، وبعدما طفح الكيل وازداد تعنتهم وتعصبهم ذهبت إلى مسجدهم وصليتُ خلفه صلاة الظهر، وبعد الاِنتهاء من الصلاة سألته: هل تعرضتُ لك يوماً طوال هذه المدة، التي تسب فيها الشيعة وتكفرهم بمكبرات الصوت؟!

قال: لا.

قلت: أو تدري ما السبب؟!

قال: لا أدري.

قلت: إن كلامك تهجم وجهل، وتعرّض لشخصيتي، فخفتُ أن أعترض عليك فيكون ذلك دفاعاً عن نفسي، وليس دفاعاً عن الحق، والآن أطلب منك مناظرة علمية ومنهجية أمام الجميع حتى ينكشف الحق.

قال: لا مانع عندي.

قلت: إذاً حدد محاور المناظرة.

قال: تحريف القرآن، وعدالة الصحابة.

قلت: حسناً، ولكن هناك أمران ضروريان لابد من مناقشتهما، وهما صفات الله، والنبوة في اعتقادكم ورواياتكم.

قال: لا.

قلت: ولِمَ؟

قال: أناأحدد المحاور، فإذا طلبتُ منك ـ أنا ـ المناظرة، يكون الحق لك في تحديد المحاور.

قلت: لا خلاف… متى موعدنا؟

قال: اليوم، بعد صلاة المغرب ـ ظناً منه أنه سيرهبني بهذا الموعد القريب ـ فأظهرت موافقتي بكل سرور، وخرجت من المسجد.

وبعد أداء صلاة المغرب، بدأت المناظرة، فبدأ شيخهم ـ أحمد الاَمين ـ الحديث كعادته يتهجم ويتهم الشيعة بالقول بتحريف القرآن ، وكان يمسك في يده كتاب (الخطوط العريضة لمحب الدين).

وبعد الفراغ من حديثه، ابتدأت حديثي، وقمت بالرد على كل ما افتراه من اتهامات بالتفصيل، وبرأت الشيعةتماماً من القول بتحريف القرآن، وبعد ذلك، قلت له كما قيل : ترون التبنة في أعين غيركم ، ولا ترون الخشبة في أعينكم، فإن الروايات التي احتوتها كتب الحديث عند السنة ظاهرة في اتهام القرآن الكريم بالتحريف، فنسبةالقول بالتحريف إلى السنة أقرب منها إلى الشيعة. وذكرت ما يقارب عشرين رواية مع ذكر المصدر ورقم الصفحة من صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد والاِتقان في علوم القرآن للسيوطي، مثال:

أخرج الاِمام أحمد بن حنبل في مسنده، عن اُبي بن كعب قال: كم تقرأون سورة الاَحزاب؟ قال: بضعاً وسبعين آية،قال: لقد قرأتها مع رسول الله صلى الله عليه وآله مثل البقرة أو أكثر منها ، وإن فيها آية الرجم (۱).

وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب، قال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، فلذا رجم رسول الله صلى الله عليه وآله ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله… إلى أن يقول: ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: ( أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) (۲) .

وروى مسلم في صحيحه، قال: بُعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن، فقال: أنتم خيار أهل البصرة، وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الاَمر، فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها ، غير أني قد حفظت منها لوكان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها: ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ) (۳).

وفي أثناء ذكري لهذه الروايات، لاحظت أن الشيخ حملق عينيه وفتح فاه وظهرت الحيرة والدهشة على وجهه، فماأن توقفت عن الكلام حتى أخذ يقول: أنا لم أسمع بذلك وأنا لم ارَ ذلك، وأطالبك أن تحضر هذه المصادر أمامي.

قلت: قبل قليل كنت تتهجم على الشيعة وتتهمهم بالتحريف،فلماذا لم تحضر كتبهم التي لم ترها في حياتك كلها، فأنت ملزم بإحضار مصادرك وهذه مكتبتك، فيها البخاري ومسلم وكتب الحديث، أحضرها حتى اُخرجَ لك هذه الروايات منها، وعندما لم يجد مخرجاً قفز إلى موضوع آخر، وهو أن الشيعة تقول بالتقية فكيف نصدق كلامهم؟!

وهرج ومرج، حتى قام أحدهم وأذن لصلاة العشاء، وبعد الصلاة تواعدنا أن نكمل المناظرة في الاَيام القادمة، على أن نختار في كل يوم موضوعاً نتناظر حوله… ولما جاء الغد كنتُ جالساً أمام منزلنا في الصباح فمر الشيخ وسلّم عليَّ بكل احترام وقال: إن هذه المباحث لا يفهمها العامة، فمن الاَفضل أن نتحاور ونتناظر أنا وأنت على انفراد.

قلت: أوافق، لكن بشرط أن تترك التهجم على الشيعة، وفيما بعد لم نسمع له تهجماً على الشيعة.. (۴)

—————————————————————–

(۱) من أراد الاطلاع الواسع على رأي الشيعة الاِمامية واعتقادهم بصيانة القرآن الكريم عن التحريف فليراجع :

۱ ـ البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي قدس سره : ص ۱۹۷ ـ ۲۷۲٫

۲ ـ التحقيق في نفي التحريف للسيد علي الميلاني.

۳ ـ سلامة القرآن من التحريف ، نشر وإصدار مؤسسة الاِمام عليّ عليه السلام وغيرها الكثير.

(۲) مسند أحمد بن حنبل : ج ۵ ص ۱۳۲٫

(۳) صحيح البخاري : ج ۸ ص ۲۰۹ ـ ۲۱۰ (ك المحاربين ، ب رجم الحبلى إذا زنت).

(۱) صحيح مسلم : ج ۲ ص ۷۲۶ ح ۱۱۹ (ك الزكاة ب ۳۹).

(۴) الحقيقة الضائعة للشيخ معتصم السوداني : ص ۲۶ ـ ۲۹٫