العلامة الحلي۲

مناظرة العلامة الحلي(۱) مع علماء المذاهب الأربعة بمحضر الشاه خدا بنده(۲)

يقال : إنّ الشاه خدابنده غضب يوماً على امرأته فقال لها : أنت طالق ثلاثاً ، ثمّ ندم وجمع العلماء.

فقالوا : لابدّ من المحلّل.

فقال : عندكم في كلِّ مسألة أقاويل مختلفة أو ليس لكم هنا اختلاف ؟

فقالوا : لا.

فقال أحد وزرائه : إنّ عالماً بالحلّة وهو يقول ببطلان هذا الطلاق.

فبعث كتابه إلى العلاّمة ، وأحضره ، فلمّا بعث إليه.

قال علماء العامّة : إنّ له مذهباً باطلاً ، ولا عقل للروافض (۳) ، ولا يليق بالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل.

قال الملك : حتّى يحضر.

فلمّا حضر العلاّمة بعث الملك إلى جميع علماء المذاهب الاربعة ، وجمعهم.

فلمّا دخل العلاّمة أخذ نعليه بيده ، ودخل المجلس ، وقال : السلام عليكم ، وجلس عند الملك.

فقالوا للملك : ألم نقل لك إنّهم ضعفاء العقول.

قال الملك : اسألوا عنه في كلِّ ما فعل.

فقالوا له : لم ما سجدت للملك وتركت الاداب ؟

فقال : إنَّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كان ملكاً وكان يسلم عليه ، وقال الله تعالى : ( فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أنفُسِكم تحيّةً من عنِد الله مباركةً ) (۴) ، ولا خلاف بيننا وبينكم أنّه لا يجوز السجود لغير الله.

ثمّ قال له : لم جلست عند الملك ؟

قال : لم يكن مكان غيره ، وكلّما يقوله العلاّمة بالعربي كان المترجم يترجم للملك.

قالوا له : لايّ شيء أخذت نعلك معك ، وهذا ممّا لا يليق بعاقل بل إنسان ؟

قال : خفت أن يسرقه الحنفيّة كما سرق أبو حنيفة نعل رسول الله !!

فصاحت الحنفيّة : حاشا وكلاّ ، متى كان أبو حنيفة في زمان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بل كان تولّده بعد المأة من وفاته ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ.

فقال : فنسيت فلعلّه كان السارق الشافعي !!

فصاحت الشافعيّة كذلك ، وقالوا : كان تولّد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة ، وكانت نشوءه في المأتين من وفاة رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلم ـ.

وقال : لعلّه كان مالك !!

فصاحت المالكية كالاوّلين.

فقال : لعلّه كان أحمد ففعلت الحنبليّة كذلك.

فأقبل العلاّمة إلى الملك ، وقال : أيّها الملك علمت أنّ رؤساء المذاهب الاربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ولا الصحابة ، فهذا أحد بدعهم أنّهم اختاروا من مجتهديهم هذه الاربعة ، ولو كان فيهم من كان أفضل منهم بمراتب لا يجوّزون أن يجتهد بخلاف ما أفتى واحد منهم.

فقال الملك : ما كان واحد منهم في زمان رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ والصحابة ؟!

فقال الجميع : لا.

فقال العلاّمة : ونحن معاشر الشيعة تابعون لامير المؤمنين ـ عليه السلام ـ نفس رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وأخيه وابن عمّه ووصيّه ، وعلى أيّ حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل لأنّة لم يتحقّق شروطه ، ومنها العدلان فهل قال الملك بمحضرهما ؟

قال : لا.

ثمّ شرع في البحث مع العلمأ حتّى ألزمهم جميعاً ، فتشيّع الملك ، وبعث إلى البلاد والاقاليم حتّى يخطبوا بالائمّة الاثني عشر ـ عليهم السلام ـ ، ويضربوا السكك على أسمائهم وينقشوها على أطراف المساجد والمشاهد منهم (۵).

ومن لطائفه أنّه بعد إتمام المناظرة وبيان احقيّة مذهب الاماميّة الاثنى عشريّة ، خطب الشيخ ـ قدس الله لطيفه ـ خطبة بليغة مشتملة على حمد الله والصلاة على رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ والائمة ـ عليهم السلام ـ فلمّا استمع ذلك السيّد الموصلي الذي هو من جملة المسكوتين بالمناظرة.

قال : مالدليل على جواز توجيه الصلاة على غير الانبياء ـ عليهم السلام ـ ؟

فقرأ الشيخ في جوابه ـ بلا انقطاع الكلام ـ : ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون ) (۶).

فقال الموصلي على طريق المكابرة : ماالمصيبة الّتي أصاب آله حتّى أنّهم يستوجبون لها الصلاة ؟

فقال الشيخ ـ رحمه الله ـ : من أشنع المصائب وأشدّها أن حصل من ذراريهم مثلك الّذي يرجّح المنافقين الجهال المستوجبين اللعنة والنكال على آل رسول الملك المتعال.

فاستضحك الحاضرون ، وتعجّبوا من بداهة جواب آية الله في العالمين ، وقد انشد بعض الشعرأ :

إذا العلوي تابع ناصبيّــاً ***** بمذهبه فما هـو من أبيــه

وكان الكلب خيراً منه حقّاً ***** لانّ الكلب طبع أبيه فيـه (۷)

——————————————————————-

(۱) هو : أبو منصور الحسن بن الشيخ الفقيه النبيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي المشهور بالعلامة ، له أكثر من تسعين كتاباً في مختلف العلوم الاسلامية ، من أشهرها : مختلف الشيعة ، المنتهى ، نهج الحق وكشف الصدق ، منهاج الكرامة ، الالفين ، وهو ابن أخت المحقق الحلي حيث اهتم بتربيته وتدريسه ، بالاضافة إلى ذلك فقد تتلمذ العلاّمة على أيدي أساطين العلمأ منهم : والده ، والسيدين جمال الدين أحمد ، ورضي الدين علي ابني طاووس ، والشيخ ميثم بن علي البحراني وغيرهم الكثير ، توفي ليلة السبت الحادي والعشرين من شهر محرم الحرام سنة ست وعشرين وسبعمائة ، حيث قد ولد لاحدى عشرة ليلة خلون أو بقين من شهر رمضان المبارك عام ثمانية وأربعين وستمائة في مدينة الحلة في العراق ، ونقل نعشه الشريف إلى جوار أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ودفن هناك. راجع : روضات الجنات ج۲ ص۲۶۹ رقم : ۱۹۸٫

(۲) محمد بن أرغون بن أبغا بن هلاكو بن تولى بن جنكزخان المغولي ، السلطان غياث الدين المعروف بخدابند ومعناه بالعربية عبد الله ، ملك العراق وخراسان وآذربيجان ، ولد سنة نيف وسبعين وستمائة ، كان على مذهب العامة فتشيع وكان يحب العمارة أنشأ مدينة جديد بأذربيجان سماها السلطانية توفي سنة ۷۱۶٫ راجع : الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ج۳ ص۳۷۸ ترجمة رقم : ۱۰۰۳٫

(۳) الرافضة : اسم أطلقه خصوم ومبغضوا الشيعة عليهم وذلك للاستهانة بهم وتحقيرهم وسبب ذلك كله هو أنهم والوا علياً وأهل بيته واعتقدوا بإمامتهم ـ عليهم السلام ـ لما ثبت عندهم بالادلة القطعية الصارمة من خلافتهم وإمامتهم ووجوب التمسك بهم ـ عليهم السلام ـ ، وهل من يوالي علياً وأهل بيته ويتمسك بهم يعتبر رافضياً ؟ إذا كان كذلك فهذا نعم الاسم فنحن رفضنا غير أولياء الله وغير خلفائه ، وأخذنا بأقوالهم وتركنا أقوال غيرهم واتبعناهم ولم نتبع غيرهم.

فهذا كل ما في المسألة فالذي يتبعهم ويروي أخبارهم ويذكر مناقبهم وفضائلهم يعتبر رافضياً ، يقول الربيع بن سلمان : قلت للشافعي : إن ههنا قوماً لا يصبرون على سماع فضيلة لاهل البيت فإذا أراد أحد أن يذكرها يقولون : هذا رافضي !! قال : فأنشأ الشافعي يقول :

إذا في مجلس ذكروا عليــاً ***** وسبطيـه وفاطمة الزكيّــة

فأجرى بعضهم ذكرى سواهم ***** ‌فأيقـن أنــه سلقلقـيّــه

إذا ذكـروا عليـاً أو بنيــه ***** ‌تشاغل بالروايـات العليــة

وقال : تجاوزوا يا قوم هـذا ***** فهذا من حديث الرافضيــة

برأت إلى المهيمن من أنـاس‌ ***** ‌يرون الرفض حب الفاطمية

على آل الرسول صلاة ربـي ***** ‌ولعنتــه لتلك الجاهليــة

فرائد السمطين ج۱ ص۱۳۵ ح۹۸٫

وقال ايضاً :

قالوا ترفضت ؟ قلت : كلا ***** ما الرفض ديني ولا اعتقادي

لكن تولَّيـت غيـر شــك ***** ‌خير إمام وخيــر هــادي

إن كان حب الولـي رفضاً ***** فإننــي أرفض العـبــاد

فرائد السمطين ج۱ ص۴۲۳٫

وقال أيضاً :

يا راكباً قف ‌بالمحصّب من‌ منى ***** ‌واهتف بقاعد خيفها والناهـض

سحراً إذا فاض‌ الحجيج إلى ‌منى ***** ‌فيضاً كملتطم الفرات الفائـض

إني أحب بني النبي المصطـفى‌ ***** وأعده من واجبـات فرائضـي

لو كان رفضاً حب آل محمـدٍ ***** فليشهد الثقلان إنـي رافضـي

فرائد السمطين ج۱ ص۴۲۳ ـ ۴۲۴٫

وبعد هذا كله تعرف أن السبب في التسمية يكمن في اتباع الشيعة لاهل البيت ـ عليهم السلام ـ الذين قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عنهم : « أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى » وقال أيضاً : « أوصيكم بالثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما » ولهذه الادلة وغيرها تمسكنا بهم واتبعناهم فأطلقوا علينا هذا الاسم.

وقد جاء في المحاسن عن أبي بصير قال : قلت لابي جعفر ـ عليه السلام ـ جعلت فداك اسم سمينا به استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا ، قال : وما هو ؟ قلت : الرافضة ، فقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : إن سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى ـ عليه السلام ـ فلم يكن في قوم موسى أحدٌ أشد اجتهاداً وأشد حباً لهارون منهم فسمَّاهم قوم موسى الرافضة فأوحى الله تعالى إلى موسى ـ عليه السلام ـ أن أثبت لهم هذا الاسم في التواراة فإني نحلتهم وذلك اسم قد نحلكموه الله. سفينة البحار ج۳ ص۳۸۴٫

ولكن يأبى الله عز وجل إلا أن يجعل علياً ـ عليه السلام ـ شبيهاً لهارون حتى في شيعته ومحبيه ألم يقل سيد البشر ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » ؟ فكل خصال هارون ـ عليه السلام ـ ثابتة لعلي ـ عليه السلام ـ إلا النبوة.

(۴) سورة النور : الاية ۶۱٫

(۵) روضات الجنات للخونساري : ج۲ ص۲۷۹٫

(۶) سورة البقرة : الاية ۱۵۶ و۱۵۷٫

(۷) روضات الجنات : ج۲ ص۲۸۴٫