۱۰هشام

مناظرة رجل من بني هاشم مع عمر بن عبد العزيز الأموي(۱)

بينا عمر بن عبد العزيز جالساً في مجلسه ، دخل حاجبُه ومعه امرأة أدماء (۲) طويلة حَسَنَة الجسم والقامة ، ورجُلان متعلِّقان بها ، ومعهم كتابٌ من مَيْمونَ بن مِهران إلى عمر ، فدفعوا إليه الكتاب ، ففضّه فإذا فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم : إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، من ميمون بن مهران ، سلام عليك ورحمةُ الله وبركاته ، أمّا بعد ، فإنه وَردَ علينا أمر ضاقت به الصدور ، وعجزتْ عنه الاوْساع (۳) ، وهربنا بأنفسنا عنه ، ووكلناه إلى عالمه ، لقول الله عزّ وجلّ : ( ولو ردّوه إلى الرّسول وإلَى أولي الامْرِ منهمْ لِعَلِمَه الّذين يَستنبطُونه منهم ) (۴) وهذه المرأة والرجلان أحدهما زوجها والاخر أبوها ، وإنّ أباها يا أمير المؤمنين زَعَم أنّ زوجَها حَلَف بطلاقها أنّ علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ خير هذه (۵) الامة وأولاها برسول الله ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ، وإنه يزعم أن ابنته طلقت منه ، وأنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهراً ، وهو يعلم أنها حرام عليه كأمه ، وإن الزوج يقول له : كذبت وأثمت ، لقد برَّ قسمي ، وصدقت مقالتي ، وإنها امرأتي على رغم أنفك ، وغيظ قلبك ، فاجتمعوا إليَّ يختصمون في ذلك .

فسألت الرجل عن يمينه ، فقال : نعم ، قد كان ذلك ، وقد حلفت بطلاقها أن علياً خير هذه الامة وأولاها برسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ ، عرَفه من عَرفه ، وأنكَرَه من أنكَرَه ، فليغْضَب من غَضِب ، وليرْضَ من رَضي ، وتَسامعَ الناسُ بذلك ، فاجتمعوا له ، وإن كانت الالسن مجتمعةً فالقلوب شتى ، وقد علمتَ يا أمير المؤمنين اختلافَ الناس في أهوائهم ، وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة ، فأحجَمْنا عن الحُكم لِتحكُم بما أراك الله وإنهما تَعلقا بها ، وأقَسم أبوها ألا يَدَعَها معه ، وأقَسم زَوْجُها ألا يفارقَها ولو ضُرِبتْ عُنقُه إلاّ أن يحكْم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مُخالَفَته والامتناعَ منه ، فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين ، أحسنَ الله توفيقَك وأرْشَدَك !

وكَتَب في أسفلِ الكتاب :

إذا ما المُشكِلاتُ ورَدْن يَوماً ***** فحارَتْ في تأمُلِها العُيـونُ

وضاقَ القومُ ذَرْعا عن نباهَا ***** فأنتَ لها أبا حفصٍ أميـنُ

لانَك قد حَوَيْتَ العِلمَ طـُرّاً ***** وأحكَمَكَ التجارِبُ والشُئونُ

وخَلّفكَ الاله على الرّعايـا ***** فَحظّك فيهمُ الحَظّ الثّميـنُ

قال : فجمعَ عمرُ بنُ عبد العزيز بني هاشم وبني أميّة وأفخاذ قُريش ، ثم قال لابي المرأة : ما تقول أيّها الشيخ ؟

قال : يا أمير المؤمنين ، هذا الرجلُ زوّجْتهُ ابنتي ، وجهّزْتُها إليه بأحَسن ما يُجَهَّز به مِثْلُها ، حتى إذا أمّلت خيرَه ، ورجوتُ صلاحَه ، حَلف بطلاقها كاذباً ، ثم أرادَ الاقامةَ معها .

فقال له عمر : يا شيخ ، لعلّه لم يُطلِّق امرأتَه ، فكيفَ حَلَف ؟

قال الشيخ : سبحانَ الله ! الذي حَلفَ عليه لابْيَنُ حِنثاً وأوضَح كذباً من أن يَختَلِج في صدري منه شَك ، مع سِنِّي وعِلْمي ، لانّه زعم أنّ عليَّاً خيرُ هذه الامَة وإلاّ فامرأتُه طالق ثلاثاً .

فقال للزوج : ما تقول ؟ أهكذا حَلَفْتَ ؟

قال : نعم .

فقيل : إنّه لمّا قال :نَعَم ، كادَ المجلسُ يَرْتج بأهلِه ، وبنو أميّةَ يَنْظُرُون إليه شَزْراً ، إلاّ أنّهم لم ينطقوا بشيء ، كّلُ ينظرُ إلى وجهِ عمر .
فأكبَّ عمر مَلِيَّاً يَنْكُتُ الارضَ بيَدِه والقومُ صامِتون ينظُرُون ما يَقُولُه ، ثمّ رفع رأسَه وقال :

إذا وَلِي الحكومةَ بينَ قـوم‌ٍ ***** أصابَ الحقَّ والتمسَ السَّدَادَا

وما خيرُ الامامِ إذا تَعـَدى‌ ***** خلافَ الحقِّ وَاجْتَنَبَ الرَّشادا

ثم قال للقوم : ما تقولون َ في يمين هذا الرجل ؟ فسكتوا .

فقال : سبحان الله ! قولوا .

فقال رجل من بني أميّة : هذا حكم في فرج ، ولسنا نجترئ على القول فيه ، وأنتَ عالم بالقول ، مؤتمن لهم وعليهم ، قل ما عندك ، فإن القول ما لم يكن يحق باطلا ويبطل حقاً جائز عليَّ في مجلسي .

قال : لا أقولُ شيئاً ، فالتفتَ إلى رجلٍ من بني هاشم من وَلد عقيل بن أبي طالب ، فقال له : ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي ؟
فاغتنمها ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن جعلتَ قولي حكماً ، أو حُكمي جائزاً قلتُ ، وإن لم يكن ذلك فالسّكوت أوسَع لي ، وأبقى للمودّة .

قال : قل وقولك حُكم ، وحكمك ماض .

فلمَّا سمع ذلك بنو أميّة قالوا : ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين إذ جعلت الحكم إلى غيرنا ، ونحن من لحمتك وأُولي رحمك !

فقال عمر : اسكتوا أعجزا ولؤماً ! عرضتُ ذلك عليكم آنفاً فما انتدبتم له .

قالوا : لانّك لم تُعطنا ما أعطيت العقيلي ، ولا حكّمتنا كما حكّمته .

فقال عمر : إن كان أصاب وأخطأتم ، وحَزم وعجزتم ، وأبصر وعميتم ، فما ذنب عمر ، لا أبا لكم ! أتدرون ما مثلكم ؟

قالوا : لا ندري .

قال : ليكن العقيلي يدري ، ثم قال : ما تقول يارجل ؟

قال : نعم يا أمير المؤمنين ، كما قال الاوّل :

دُعيتم إلى أمرٍ فلمـا عَجَزْتــم‌ُ ***** تَناوَلــه من لا يُداخِلهُ عَجْــزُ

فلمّا رأيتــم ذاكَ أبدتْ نفُوسُكُم‌ْ ***** نداماً وهل يُغني من الحذر الحرزُ

فقال عمر : أحسنت وأصبت ، فقل ما سألتك عنه .

قال : يا أمير المؤمنين ، برَّ قَسَمهُ ، ولم تَطلُق امرأتُه .

قال : وأنّى علمت ذاك ؟

قال : نشدتُكَ الله يا أمير المؤمنين ، ألم تعلم أنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لفاطمة ـ عليها السلام ـ وهو عندها في بيتها عائد لها : يا بنية ، ما علتك ؟

قالت : الوعك يا أبتاه ـ وكان علي ـ عليه السلام ـ غائباً في بعض حوائج النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ .

فقال لها : أتشتهين شيئاً ؟

قالت : نعم أشتهي عنباً ، وأنا أعلم أنه عزيز ، وليس وقت عنب .

فقال ـ صلّى الله عليه وآله ـ : إن الله قادر على أن يجيئنا به ، ثم قال : اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي عندك منزلةً .

فطرق علي الباب ، ودخل ومعه مكتل قد ألقى عليه طرف ردائه .

فقال له النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : ما هذا يا عليّ ؟

قال : عنب التمسته لفاطمة ـ عليها السلام ـ .

فقال : الله أكبر الله أكبر ، اللهم كما سررتني بأن خصصت علياً بدعوتي فاجعل فيه شفاء بنيتي ، ثم قال : كلي على اسم الله يا بنية .

فأكلت ، وما خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ حتى استقلت وبرأت .

فقال عمر : صدقت وبررت ، أشهدُ لقد سمعته ووعيته ، يا رجل ، خذ بيد امرأتك فإن عرض بك أبوها فاهشم أنفه . ثم قال : يا بني عبد مناف ، والله ما نجهل ما يعلم غيرنا ، ولا بنا عمىً في ديننا ، ولكنّا كما قال الاوّل :

تَصيدت‌ الدنيـا رجالاً بفخها ***** فلم ‌يدرِكوا خيراً بل ‌استقبحوا الشرّا

وأعماهم حب الغنى وأصمهم‌ ***** فلـم يدركوا إلاّ الخسـارة والوزرا

قيل : فكأنّما ألقم بني أمية حجرا ، ومضى الرجل بامرأته . وكتب عمر إلى ميمون بن مِهرانَ :

عليك سلامٌ ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد ، فإني قد فهمت كتابك ، ووَرد الرجلان والمرأة ، وقد صدق الله يمين الزوج ، وأبرّ قسمه ، وأثبته على نكاحه ، فاستيقن ذلك ، واعمل عليه ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (۶) .

———————————————————-

(۱) هو : أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم وُلِّي بعهد من سليمان بن عبد الملك يوم الجمعة لعشرة خلون من صفر سنة ۹۹ هـ ، وبقي والياً إلى أن مات يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رجب سنة ۱۰۱ هـ .

انظر : تهذيب الكمال ج۲۱ ص۴۳۲ ، سير أعلام النبلاء : ج۵ ص۱۱۴ .

(۲) أدْماء : جمع أدْم ، وهو الاسمر .

(۳) الاوساع : جمع وسع ، وهو الطاقة .

(۴) سورة النساء الاية : ۸۳ .

(۵) كما نص على ذلك النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ بقوله : (عليّ خير من أتركه بعدي) . راجع مواقف الايجي ج ۳ ص۲۷۶ ، مجمع الزوائد ج۹ ص۱۱۳ ، الغدير للاميني ج۳ ص۲۲ ، وأيضاً روى عنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال : (علي خير البشر فمن أبى فقد كفر) .

راجع : كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص ۲۴۵ ط الحيدرية وص۱۱۹ ط الغري ، ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج۲ ص۴۴۴ ح ۹۵۵ ـ ۹۵۸ ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص۲۴۶ ط اسلامبول وص۲۹۳ ط الحيدرية وج۲ ص۷۱ ط‍ العرفان صيدا ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج۵ ص ۳۵ ، ميزان الاعتدال للذهبي ج۲ ص۲۷۱ ، كنوز الحقائق ص۹۸ ط بولاق ، احقاق الحق للتستري ج۴ ص۲۵۴ ، تاريخ بغداد للخطيب ج۴ ص۱۵۴ وج۷ ص۴۲۱ ، فرائد السمطين ج۱ ص۱۵۴ ح۱۱۶۰ ، الغدير للاميني ج۳ ص۲۲ .

(۶) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج۲۰ ص۲۲۲ .