مناظرة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة في حكم الطلاق ثلاثاً

مناظرة مؤمن الطاق (۱) مع أبي حنيفة في حكم الطلاق ثلاثاً

عن ابن أبي عمير قال : قال ابو حنيفة لاَبي جعفر مؤمن الطاق : ما تقول في الطلاق الثلاث ؟

قال : أعلى خلاف الكتاب والسنة ؟

قال نعم.

قال أبو جعفر : لا يجوز ذلك(۲).

قال أبو حنيفة : ولم لا يجوز ذلك ؟

قال : لاَنّ التزويج عقدٌ عُقد بالطاعة فلا يحلّ بالمعصية ، وإذا لم يجز التزويج بجهة المعصية لم يجز الطلاق بجهة المعصية ، وفي إجازة ذلك طعن على الله عزّ وجلّ فيما أمر به وعلى رسوله فيما سنَّ ، لاَنّه إذا كان العمل بخلافهما فلا معنى لهما ، وفي قولنا من شذَّ عنهما ردّ إليهما وهو صاغر .

قال أبو حنيفة : قد جوّز العلماء ذلك .

قال أبو جعفر : ليس العلماء الذين جوّزوا للعبد العمل بالمعصية ، واستعمال سنّه الشيطان في دين الله ، ولا عالم أكبر من الكتاب والسنّة ، فلم تجوّزون للعبد الجمع بين ما فرّق الله من الطلاق الثلاث في وقت واحد ، ولا تجوّزون له الجمع بين ما فرّق الله من الصلوات الخمس ؟ وفي تجويز ذلك تعطيل الكتاب وهدم السنة ، وقد قال الله جلّ وعزّ : ( وَمَن يَتَعدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسهُ )(۳).

ما تقول يا أبا حنيفة في رجل قال : إنّه طلق امرأته على سنّة الشيطان ؟ أيجوز له ذلك الطلاق ؟

قال أبو حنيفة : فقد خالف السنّة ، وبانت منه امرأته ، وعصى ربّه .

قال أبو جعفر : فهو كما قلنا ، إذا خالف سنّة الله عمل بسنّة الشيطان ، ومن أمضى بسنته فهو على ملّته ليس له في دين الله نصيب .
قال أبو حنيفة : هذا عمر بن الخطّاب ، وهو من أفضل أئمّة المسلمين ، قال : إنّ الله جلّ ثناؤه جعل لكم في الطلاق أناة فاستعجلتموه ، وأجزنا لكم ما استعجلتموه(۴) .

قال أبو جعفر : إنّ عمر كان لا يعرف أحكام الدين .

قال أبو حنيفة : وكيف ذلك ؟

قال أبو جعفر : ما أقول فيه ما تنكره ، أمّا أوّل ذلك فإنّه قال : لا يصلّي الجنب حتى يجد الماء(۵)ولو سنة ! والاُمّة على خلاف ذلك ، وأتاه أبو كيف العائذي فقال : يا أمير المؤمنين إنّي غبت فقدمت وقد تزوجت امرأتي ، فقال : إن كان قد دخل بها فهو أحقّ بها ، وإن لم يكن دخل بها فأنت أولى بها(۶)، وهذا حكم لا يُعرف ، والاُمّة على خلافه .

وقضى في رجل غاب عن أهله أربع سنين أنّها تتزوّج إن شاءت(۷) ، والاُمّة على خلاف ذلك ، إنّها لا تتزوّج أبداً حتى تقوم البيّنة أنّه مات أو طلّقها؛ وأنّه قتل سبعة نفر من أهل اليمن برجل واحد ، وقال : لولا ما عليه أهل صنعاء لقتلتهم به ، والاُمّة على خلافه ، واُتي بامرأة حبلى شهدوا عليها بالفاحشة فأمر برجمها ، فقال له علي عليه السلام : إن كان لك السبيل عليها فما سبيلك على ما في بطنها ؟ فقال : لولا عليٌّ لهلك عمر(۸).

واُتي بمجنونة قد زنت فأمر برجمها ، فقال له عليٌّ عليه السلام : أما علمت أنّ القلم قد رفع عنها حتى تصحّ ؟ فقال : لولا عليٌّ لهلك عمر(۹) ، وإنّه لم يدر الكلالة فسأل النبي صلى الله عليه وآله عنها فأخبره بها فلم يفهم عنه ، فسأل ابنته حفصة أن تسأل النبيصلى الله عليه وآله عن الكلالة فسألته ، فقال لها : أبوك أمرك بهذا ؟ قالت : نعم ، فقال لها : إنّ أباك لا يفهمها حتى يموت(۱۰) ! فمن لم يعرف الكلالة كيف يعرف أحكام الدين ؟(۱۱).

————————————————————————-

(۱) هو : أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان الكوفي الصيرفي البجلي ، قال عنه الشيخ الطوسي رحمه الله : إنه ثقة ، وروى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبدالله عليه السلام ويلقب بمؤمن الطاق ، وصاحب الطاق ، وسمي بالطاق لانّه كان دكانه في طاق المحامل بالكوفة ، وكان كثير العلم حسن الخاطر ، ولمؤمن الطاق مع أبي حنيفة حكايات ومناظرات كثيرة ، فمن ذلك ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه : قال : كان أبو حنيفة يتهم مؤمن الطاق بالرجعة ، وكان مؤمن الطاق يتهم أبا حنيفة بالتناسخ ، قال : فخرج أبو حنيفة يوماً إلى السوق فاستقبله مؤمن الطاق ومعه ثوب يريد بيعه ، فقال له أبو حنيفة : أتبيع هذا الثوب إلى رجوع علي عليه السلام !! فقال : إن أعطيتني كفيلاً أن لا تُمسخ قرداً بعتك فبهت أبو حنيفة ، قال : ولما مات الاِمام جعفر بن محمد عليه السلام التقى هو وأبو حنيفة ، فقال له أبو حنيفة : أما إمامك فقد مات ! فقال له مؤمن الطاق : أما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ، ومن مصنفات مؤمن الطاق : كتاب الاِمامة ، وكتاب الرد على المعتزلة ، وكتاب المعرفة ، توفي في سنة ۳۷۴ هـ .راجع ترجمتة في : الكنى والاَلقاب للقمي : ج ۲ ص۳۹۸ ، رجال الطوسي : ص ۳۰۲ و ۳۵۹ ، سير أعلام النبلاء للذهبي : ج ۱۰ ص۵۵۳ ترجمة رقم : ۵۵۳ .

(۲) ومما جاء في جواب الاِمام علي بن موسى الرضا عليه السلام لمسائل محمد بن سنان ، قال عليه السلام : وعلة الطلاق ثلاثاً : لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة إلى الثلاث لرغبة تحدث أو يكون غضبه إن كان ، وليكون ذلك تخويفاً وتأديباً للنساء وزجراً لهن عن معصية أزواجهن ، فاستحقت المرأة الفرقة المباينة لدخولها فيما لا ينبغي من معصية زوجها ، وعلة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات ، فلا تحل له أبداً عقوبة لئلا يتلاعب بالطلاق ، ولا يستضعف المرأة ، وليكون ناظراً في أموره متيقظاً معتبراً ، وليكون يأساً لهما من الاجتماع بعد تسع تطليقات. عيون أخبار الرضا عليه السلام : ج ۱ ص ۱۰۲ ، (ب ۳۳ ح ۱) .

(۳) سورة الطلاق : الآية ۱ .

(۴) راجع : صحيح مسلم : ج ۲ ص ۱۰۹۹ ، كتاب الطلاق ب طلاق الثلاث ، سنن البيهقي ج ۷ ص ۳۳۶ ، سنن أبي داود : ج ۲ ص ۲۶۱ ح ۲۱۹۹ ـ ۲۲۰۰ ، الغدير للاَميني : ج ۶ ص ۱۷۸ ـ ۱۷۹ ، مسند أحمد بن حنبل : ج ۱ ص ۳۱۴ .

(۵) راجع : سنن النسائي : ج ۱ ص ۱۶۸ ـ ۱۷۰ ، مسند أحمد بن حنبل : ج ۴ ص ۳۱۹ ، السنن الكبرى للبيهقي : ج ۱ ص ۲۰۹ ، الغدير للاَميني : ج ۶ ص ۸۳ .

(۶) راجع : السنن الكبرى للبيهقي : ج ۷ ص ۴۴۶ ، المغني لابن قدامة : ج ۸ ص ۴۹۹ وج۹ ص۱۳۵٫

(۷) أصول الفقه للدواليبي : ص ۲۴۱ ، النص والاجتهاد للسيد شرف الدين : ص ۲۷۰ ، السنن الكبرى للبيهقي : ج ۷ ص ۴۴۵ ، المغني لابن قدامة : ج ۹ ص ۱۳۲ ، بحار الاَنوار : ج۱۰۴ ص۱۶۱٫

(۸) الرياض النضرة : ج ۳ ص ۱۶۳ ، ذخائر العقبى : ۸۰ ـ ۸۲ ، المناقب للخوارزمي : ص۸۱ ح۶۵ ، الغدير للاَميني : ج ۶ ص ۱۱۰ .

(۹) المستدرك للحاكم : ج ۲ ص ۵۹ و ج ۴ ص ۳۸۹ ، الرياض النضرة : ج ۳ ص ۱۶۴ ، الغدير للاَميني : ج ۶ ص ۱۰۱ ـ ۱۰۲ .

(۱۰) الدر المنثور للسيوطي : ج ۲ ص ۷۵۳ ـ ۷۵۴ ، تفسير القرآن العظيم لابن كثير : ج ۱ ص۶۰۶ ، أحكام القرآن للجصاص : ج ۲ ص ۸۷ (باب الكلالة) ، الغدير للاَميني : ج ۶ ص۱۲۸٫

(۱۱) الاختصاص للمفيد : ص ۱۰۹ ـ ۱۱۱ ، بحار الاَنوار للمجلسي : ج۱۰ ص ۲۳۰ ـ ۲۳۱٫