علة دفن الزهراء ( عليها السلام ) ليلاً

مناظرة نظام العلماء التبريزي (۱) مع بعض المدنيين في علة دفن الزهراء (عليها السلام) ليلاً

قال نظام العلماء التبريزي في كتابه الشهاب الثاقب : إنّي تحدثت مع رجل من إخواننا السنة في المدينة المنورة ، فسألته قائلاً : لما دُفنت الزهراء عليها السلام ليلاً ، ولم يعملوا لها تشييعاً عظيماً ، وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

فقال لي المدني : لقد صار للزهراء عليها السلام يوم وفاتها تشييع عظيم !

قال : فقلت له : أسألك عن نافع (۲) ـ وهو ـ من القرّاء ، كم حضر تشييعه يوم وفاته .

قال : لا أدري ؟ ولكن ما يزيد على خمسمائة إنسان .

قال : فقلت له : وهل معروف موضع قبره أم لا ؟

قال : نعم ، مدفون في البقيع ، وقبره معلوم .

فقلت له : فإذا كانت الزهراء عليها السلام قد صار لها تشييع عظيم ، وحضرها الآلاف من أهل المدينة ، فكيف لم يعلموا موضع قبرها ومحل دفنها ؟

قال : لا أدري ، بل أنت قل لي ما السبب ؟

قال نظام العلماء : فقلت له : إن سببَهُ ، لاَنّها هي أوصت بدفنها ليلاً ، وعدم إخبار الناس بوفاتها .

قال المدني : وما سبب ذلك ؟

قلت : لاَنّ الرجلين كانا قد ظلماها بعد أبيها وأغضباها ، فسخطت عليهما ، فأوصت بعدم إخبارهما بوفاتها ، لئلاّ يحضرا تشييعها ودفنها والصلاة عليها (۳) ولا يمكن منع الرجلين وحدهما من حضورهما ، فأوصت بدفنها ليلاً ، وإخفاء قبرها ، احتجاجاً على موقفهما منها بعد أبيها صلى الله عليه وآله . (۴)

____________

(۱) هو : المولى محمود بن محمد (نظام العلماء) التبريزي ـ عليه الرحمة ـ المتوفّى سنة ۱۲۷۱ هـ تقريباً ، كان جامعاً للمعقول والمنقول ، وكان معلماً للسلطان ناصر الدين شاه ، ومن آثاره : كتاب الأخلاق ، المطبوع سنة ۱۲۶۴ هـ ، الشهاب الثاقب في ردّ النواصب ، وقد طبع باللغة الفارسية، كما أوقفت مكتبته بعد موته في سنة ۱۲۷۲ هـ ، راجع : الذريعة لآغا بزرك الطهراني : ج ۱ ص۳۸۱ و ج ۱۴ ص ۲۵۳ .

(۲) هو : نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني ، أحد القراء السبعة ، أصله من أصبهان ، أخذ القراءة عرضاً عن جماعة من تابعي أهل المدينة ، توفي سنة ۱۶۹ هـ ، راجع : طبقات القراء : ج ۲ ص ۳۳۰ ، تهذيب التهذيب : ج ۱۰ ص ۴۰۷ رقم : ۷۳۲ .

(۳) وهذا متفق عليه عند كبار المحدثين ، بلا نكير يُذكر ، وما ينكر ذلك إلاّ متعنت وإليك جملة مما ذكرها أكابرهم في أنّ فاطمة عليها السلام هجرت الخليفة الاَول فلم تكلمه حتى ماتت ، وأوصت أن تدفن ليلاً .

أ ـ صحيح البخاري : ج ۵ ص ۱۷۷ ، قال في ذلك : فوجدت فاطمة عليها السلام على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلمه حتى توفّيت ، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله ستّة أشهر ، فلمّا توفيت دفنها علي عليه السلام ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر .

ب ـ السنن الكبرى للبيهقي : ج ۴ ص ۲۹ (ب الوالي أحق بالصلاة على الميت من الولي من كتاب الجنائز) قال : والصحيح عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة ، في قصة الميراث أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله عاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ستّة أشهر فلما توفيت دفنها علي بن أبي طالب عليه السلام ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلّى عليها علي عليه السلام .

وذكر ذلك أيضاً في ج ۶ ص ۳۰۰ عن عائشة في حديث مطالبة فاطمة عليها السلام ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله ـ إلى أن قالت ـ : فغضبت فاطمة عليها السلام وهجرته فلم تكلمه حتى ماتت فدفنها عليّ عليه السلام ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر …الخ .

جـ ـ تاريخ الاَمم والملوك للطبري : ج ۲ ص ۴۴۸ ، عن عائشة فهجرته فاطمة ولم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، ودفنها علي ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر .

د ـ شرح النهج لابن أبي الحديد : ج ۱۶ ص ۲۸۰ ، فقد ذكر جملة من تلك الاَحاديث والتي منها ، ما جاء عن القاضي في كتابه : أن علياً عليه السلام والحسن والحسين عليهما السلام دفنوها ليلاً، وغيبوا قبرها .

هـ ـ التنبيه والاَشراف للمسعودي : ص ۲۵۰ قال : وتولى غسلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ودفنها ليلاً بالبقيع وقيل غيره ، ولم يُؤذن بها أبو بكر ، وكانت مهاجرة له منذ طالبته بإرثها من أبيها صلى الله عليه وآله من فدك وغيرها وما كان بينهما من النزاع في ذلك إلى أن ماتت .

وأما من طرق الاِمامية فكثيرة جداً ، فمنها على سبيل المثال :

أ ـ روى الاَصبغ بن نباتة ، قال سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام عن علة دفنه فاطمة عليها السلام بنت رسول الله عليه السلام ليلاً فقال عليه السلام : إنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها ، وحرام على من يتولاهم أن يصلّي على أحد من ولدها . (الاَمالي للصدوق : ص۵۲۳ ح ۹ ، بحار الاَنوار : ج ۴۳ ص ۲۰۹ ح ۳۷ .

ب ـ جاء عن عبدالله بن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث ـ قالت فاطمة عليها السلام لاَمير المؤمنين عليه السلام : سألتك بحق رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أنا مت ألا يشـهداني ولا يصليـا عليّ . قـال : فلـك ذلك . عن الاختصاص للمفيد : ص ۱۸۳ .

جـ ـ جاء عن ابن البطائني عن أبيه قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام : لاَي علّة دفنت فاطمةعليها السلام بالليل ولم تدفن بالنهار ؟ قال عليه السلام : لاَنّها أوصت أن لا يصلّي عليها الرجلان الاَعرابيان. عن علل الشرائع للصدوق : ج ۱ ص ۱۸۵ ح ۱ ، عنه بحار الاَنوار : ج ۴۳ ص ۳۰۶ ح۳۴٫

(۴) هدي الملة إلى أن فدك نحلة ، للشيخ باقر المقدسي : ص ۱۷۸ ـ ۱۷۹ .