۱هشام

مناظرة هشام بن الحكم مع عالم شامي بمحضر الصادق(ع)

عن يونس بن يعقوب قال : كنت عند أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ‍ فورد عليه رجل من أهل الشام فقال : إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض ، وقد جئت لمناظرة أصحابك .

فقال له أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : كلامك هذا من كلام رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أو من عندك ؟

فقال : من كلام رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ بعضه ، ومن عندي بعضه .

فقال أبو عبد الله : فأنت إذاً شريك رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ؟

قال : لا .

قال : فسمعت الوحي من الله تعالى ؟

قال : لا .

قال : فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله ؟

قال : لا .

قال : فالتفت إليّ أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ فقال : يا يونس هذا خصم نفسه قبل أن يتكلم .

( الى أن قال يونس ) : وكنّا في خيمة لابي عبد الله ـ عليه السلام ـ في طرف جبل في طريق الحرم ، وذلك قبل الحج بأيام ، فأخرج أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ رأسه من الخيمة فإذا هو ببعير يخب ، قال : هشام ورب الكعبة .

قال : وكان شديد المحبة لابي عبد الله ، فإذا هشام بن الحكم ، وهو أول ما اختطت لحيته ، وليس فينا إلاّ من هو أكبر منه سناً ، فوسّع له أبو عبد الله وقال : ناصرنا بقلّبه ولسانه ويده .

ثم قال للشامي : كلّم هذا الغلام ! يعني : هشام بن الحكم .

فقال : نعم ، ثم قال الشامي لهشام : يا غلام سلني في إمامة هذا يعني : أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ ؟

فغضب هشام حتى ارتعد ، ثم قال له : أخبرني يا هذا أربك أنظر لخلقه ، أم خلقه لانفسهم ؟

فقال الشامي : بل ربي أنظر لخلقه !

قال : ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا ؟

قال : كلفهم ، وأقام لهم حجة ودليلاً على ما كلفهم به ، وأزاح في ذلك عللهم .

فقال له هشام : فما هذا الدليل الذي نصّبه لهم ؟

قال الشامي : هو رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ .

قال هشام : فبعد رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ من ؟

قال : الكتاب والسنة .

فقال هشام : فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه ، حتى رفع عنا الاختلاف ، ومكننا من الاتفاق ؟

فقال الشامي : نعم

قال هشام : فلم اختلفنا نحن وأنت ، جئتنا من الشام تخالفنا ، وتزعم أن الرأي طريق الدين ، وأنت مُقرّ بأن الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين ؟

فسكت الشامي كالمفكر .

فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : مالك لا تتكلم ؟

قال : إن قلت : إنّا ما اختلفنا كابرت .

وإن قلت : إن الكتاب والسنة يرفعان عنّا الاختلاف ، أبطلت (۱) ، لانهما يحتملان الوجوه (۲) ، ولكن لي عليه مثل ذلك .

فقال له أبو عبد الله : سله تجده مليّاً !

فقال الشامي لهشام : من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم ؟

فقال : بل ربهم أنظر لهم .

فقال الشامي : فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم ، ويرفع اختلافهم ، ويبيّن لهم حقهم من باطلهم ؟

فقال هشام : نعم .

فقال الشامي : من هو ؟

قال هشام : أما في ابتداء الشريعة ، فرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ‍ وأما بعد النبي فعترته .

قال الشامي : من هو عترة النّبي القائم مقامه في حجته ؟

قال هشام : في وقتنا هذا أم قبله ؟

قال الشامي : بل في وقتنا هذا .

قال هشام : هذا الجّالس يعني : أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ ، الّذي تُشَد اليه الرّحال ويخبرنا بأخبار السماء وراثة عن جده .

قال الشامي : وكيف لي بعلم ذلك ؟

فقال هشام : سله عما بدا لك .

قال الشامي : قطعت عذري ، فعليّ السؤال .

فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : أنا أكفيك المسألة يا شامي أخبرك عن مسيرك وسفرك ، خرجت يوم كذا ، وكان طريقك كذا ، ومررت على كذا ، ومر بك كذا ، فأقبل الشامي كلّما وصف شيئاً من أمره يقول : « صدقت والله » .

فقال الشامي : أسلمت لله الساعة !

فقال له أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : بل آمنت بالله الساعة ، إن الاسلام قبل الايمان وعليه يتوارثون ، ويتناكحون ، والايمان عليه يثُابون .

قال : صدقت ، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأنك وصيُّ الانبياء (۳) .

——————————————————————–

(۱) ولذلك من الوظائف المعتبرة في الامام بعد النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ أن يُبيّن للامة ما أُرسل به النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ وما اختلفوا فيه ، لكي يرتفع عنهم الخلاف .

وهذان المعنيان قد نص عليهما النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ في علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ ومن تلك النصوص الصريحة التي لا تقبل الشك :

(أ) ما روي عن ابي ذر عن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال : « علي باب علمي ، ومبيّن من بعدي لامتي ما أرسلت به ، حبه ايمان ، وبغضه نفاق … الحديـث » .

راجـع : كنز العمال ج۱۱ ص۶۱۴ ح۳۲۹۸۱ ، فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي ص۱۸ ، ط الازهر ، وص۴۷ ط الحيدرية ، الغدير للاميني ج۳ ص۹۶ .

(ب) ما روي عن أنس ، قال : قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ « يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين » .

قال أنس : قلت اللهم اجعله رجلاً من الانصار وكتمته .

اذ جاء علي فقال : « من هذا يا أنس ؟ » فقلت : علي ، فقام اليه مستبشراً فاعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه . قال علي : يا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي من قبل ؟ قال : « وما يمنعني وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي » ؟

راجع : حلية الاولياء ج۱ ص۶۳ ، المناقب للخوارزمي الحنفي ص۸۵ ح۷۵ ، ترجمة امير المؤمنين من تاريخ دمشق ج۲ ص۴۸۷ ح۱۰۰۵ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج۹ ص۱۶۹ ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص۲۱۲ ، ميزان الاعتدال للذهبي ج۱ ص۶۴ .
(ت) ما روي عن انس ايضاً أن النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لعلي : « أنت تبيّن لامتي ما اختلفوا فيه من بعدي » .

راجع : الحاكم في المستدرك ج۳ ص۱۲۲ ، كنزالعمال ج۱۱ ص۶۱۵ ح۳۲۹۸۳ ، المناقب للخوارزمي ص۳۲۹ ح۳۴۶ ، كنوز الحقائق للمناوي ص۲۰۳ ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص۱۸۲ ، ترجمة امير المؤمنين من تاريخ ابن عساكر ج۲ ص۴۸۸ ح۱۰۱۷ و۱۰۱۸ .

يقول السيد شرف الدين في كتابه المراجعات ص۱۷۲ معلقاً على هذا الحديث : ان من تدبر هذا الحديث وأمثاله علم أن علياً من رسول الله بمنزلة الرسول من الله تعالى ، فان الله سبحانه يقول لنبيه : ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدىً ورحمة لقوم يؤمنون ) سورة النحل الاية ۶۴ ، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ يقول لعلي : « أنت تبيّن لامتي ما اختلفوا فيه من بعدي » .

(۲) ومما لا يخفى أن القرآن الكريم فيه من المجمل والمفصل ، والمحكم والمتشابه ، والظاهر والمؤول ، والعام والخاص ، والناسخ والمنسوخ ، ما لا يمكن معرفته إلا بالرجوع إلى أولي الامر ، قال الله تعالى : ( ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) سورة النساء : الاية ۸۳ .

وكذلك السنة أيضاً بالاضافة إلى وجود الدسّ ـ كما صرّحت بذلك الروايات ـ والكذب والافتراء على رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتى أنه قام فيهم خطيباً ـ كما يروى ـ وقال : ألا كثرت عليَّ الكذَّابة فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ، فلهذا كله وجب الرجوع إلى أولي الامر وهم أهل البيت ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ لمعرفة الوجه الصحيح من غيره والحق من الباطل .

(۳) الاحتجاج للطبرسي ج۲ ص۳۶۴ ، ابن شهر آشوب في المناقب ج۴ ص۲۴۳ ، ارشاد المفيد ص۲۷۸ ، اصول الكافي ج۱ ص۱۷۲ ، بحار الانوار ج۴۸ ص۲۰۳ ح۷ .