۴هشام

مناظرة هشام بن الحكم مع يحيى بن خالد البرمكي(۱)

سأل يحيى بن خالد البرمكي بحضرة الرشيد هشام بن الحكم فقال له : أخبرني يا هشام عن الحق هل يكون في جهتين مختلفتين ؟

قال هشام : لا .

قال يحيى : فأخبرني عن نفسين اختصما في حكم الدين ، وتنازعا واختلفا ، هل يخلو من أن يكونا محقين أو مبطلين أو يكون أحدهما مبطلاً والاخر محقا ؟؟

قال هشام : لا يخلوان من ذلك ، وليس يجوز أن يكونا محقين على ما قدمت من الجواب .

قال يحيى : فخبرني عن علي والعباس لما اختصما إلى أبي بكر في الميراث ، أيهما كان المحق من المبطل ؟ إذا كنت لا تقول إنهما كانا محقين ولا مبطلين .

قال هشام : قال فنظرت فإذا أنني قلت : بأن عليا ـ عليه السلام ـ كان مبطلاً كفرت وخرجت عن مذهبي ، وإن قلت : أن العباس كان مبطلاً ضرب الرشيد عنقي ، ووردت عليَّ مسألة لم أكن سُئلت عنها قبل ذلك ، ولا أعددت لها جوابا ، فذكرت قول أبي عبد الله الصادق ـ عليه السلام ـ‍ وهو يقول لي : ( يا هشام لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ) (۲) . فعلمت أني لا أخذل ، وعنّ لي الجواب .

فقلت له : لم يكن من أحدهما خطأ ، وكانا جميعا محقين ، ولهذا نظيرٌ قد نطق به القرآن في قصة داود ـ عليه السلام ـ ، حيث يقول الله جل اسمه : ( وهَل أتاكَ نبؤاُ الخصم إذ تَسوروا المِحراب ) الى قوله : ( خَصمان بغى بعضُنا على بَعض ) (۳) .

فأي الملكين كان مخطأً وأيهما كان مصيبا ؟ أم تقول إنهما كانا مخطئين ، فجوابك في ذلك جوابي بعينه . قال يحيى : لست أقول : إن الملكين أخطأ ، بل أقول : إنهما أصابا وذلك أنهما لم يختصما في الحقيقة ، ولا اختلفا في الحكم ، وإنما أظهرا ذلك ، لينبها داود ـ عليه السلام ـ على‌ الخطيئة ويعرفاه الحكم ويوقفاه عليه .

قال هشام : كذلك عليّ والعباس لم يختلفا في الحكم ولا اختصما في الحقيقة ، وإنما أظهرا الاختلاف والخصومة لينبها أبا بكر على غلطه ويوقفاه على خطيئته ، ويدلاّه على ظلمه لهما في الميراث ، ولم يكونا في ريب من أمرهما ، وإنما ذلك منهما على ما كان من الملكين .
فلم يحصل يحيى جوابا ، واستحسن ذلك الرشيد (۴) .

—————————————————————-

(۱) يحيى بن خالد بن برمك : ولد سنة ۱۲۰ ، وكان عمره حين تأسيس الدولة العباسية ۱۳ سنة ، ولاه المنصور ولاية اذربيجان سنة ۱۵۸ ، وقد اختاره المهدي العباسي وزيرا وكاتبا ومربيا لابنه هارون الرشيد ، فكان الرشيد يناديه بالابوة ، ولما ولي الهادي ( أخو هارون الرشيد ) الخلافة اراد ان يحد من سلطانه حتى حبسه ونوى قتله فمات قبل ان يقتله ، وولاه هارون الرشيد الوزارة فأصبح وزيره وصاحب سره واعطاه خاتمه ، له من الاولاد أربعة وهم : الفضل ، وجعفر ، ومحمد ، وموسى ، حبسه هارون الرشيد في نكبتهم المعروفة ، وذلك بعد ان قتل ابنه جعفراً ، وصادر املاكهم واموالهم كلها وتوفي سنة ۱۹۰ هـ .

تجد ترجمته في : تاريخ الطبري ج۸ ص۲۸۷ ، تاريخ الامم والملوك محمد الخضري بك ص۱۱۹ ، المنجد قسم الاعلام ( آل برمك ) ص۱۲۰ .

(۲) راجع : تنقيح المقال للمامقاني ج۳ ص۲۹۴ .

(۳) سورة ص الاية ۲۱ و۲۲ .

(۴) الفصول المختارة ج۱ ص۲۶ ، عيون الاخبار لابن قتيبة ج۲ ص۱۶۶ ، العقد الفريد ج۲ ص۲۵۱ ، بحار الانوار ج۱۰ ص۲۹۳ ، ضحى الاسلام ج۳ ص۲۶۸ ـ ۲۶۹ بتفاوت .