۸هشام

مناظرة(۱) هشام مع عمرو بن عبيد(۲) في مسجد البصرة

عن يونس بن يعقوب قال : كان عند أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ‍ جماعة من أصحابه فيهم حمران بن أعين ، ومؤمن الطاق ، وهشام بن سالم ، والطيار ، وجماعة من أصحابه ، فيهم هشام بن الحكم ، وهو شاب .

فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : يا هشام !

قال : لبيك يا بن رسول الله !

قال : ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته ؟

قال هشام : جعلت فداك يابن رسول الله ، اني أجلك وأستحييك ، ولا يعمل لساني بين يديك .

فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : إذا أمرتكم بشيء فافعلوه !

قال هشام : بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد ، وجلوسه في مسجد البصرة ، وعَظُم ذلك عليَّ ، فخرجت إليه ، ودخلت البصرة يوم الجمعة ، وأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة ، وإذا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء مؤتز بها من صوف وشملة مرتد بها ، والناس يسألونه ، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي ، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتيّ ، ثم قلت : أيها العالم أنا رجل غريب ، أتأذن لي فأسألك عن مسألة ؟

قال : أسأل !

قلت له : ألك عين ؟

قال يا بني أي شيء هذا من السؤال ، إذاً كيف تسأل عنه ؟

فقلت : هذه مسألتي .

فقال : يا بني ! سل وإن كانت مسألتك حمقى .

قلت : أجبني فيها .

قال : فقال لي : سل !

فقلت : ألك عين ؟

قال : نعم .

قلت : قال : فما تصنع بها ؟

قال : أرى بها الالوان والاشخاص .

قال : قلت : ألك أنف ؟

قال : نعم .

قال : قلت : فما تصنع به ؟

قال : أشم به الرائحة .

قال : قلت : ألك لسان ؟

قال : نعم .

قال : قلت : فما تصنع به ؟

قال : أتكلم به .

قال : قلت : ألك أذن ؟

قال : نعم .

قلت : فما تصنع بها ؟

قال : أسمع بها الاصوات .

قال : قلت : ألك يدان ؟

قال : نعم .

قلت : فما تصنع بهما ؟

قال : أبطش بهما ، وأعرف بهما اللّيّن من الخشن .

قال : قلت : ألك رجلان ؟

قال : نعم .

قال : قلت : فما تصنع بهما ؟

قال : أنتقل بهما من مكان إلى مكان .

قال : قلت : ألك فم ؟

قال : نعم .

قال : قلت : فما تصنع به ؟

قال : أعرف به المطاعم والمشارب على اختلافها .

قال : قلت : ألك قلب ؟

قال : نعم .

قال : قلت : فما تصنع به ؟

قال : أميّز به كلما ورد على هذه الجوارح .

قال : قلت : أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب ؟

قال : لا .

قلت : وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة ؟

قال : يا بني إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته ، ردّته إلى القلب ، فتيقن بها اليقين ، وأبطل الشك .

قال : فقلت : فإنما أقام الله عز وجل القلب لشك الجوارح ؟

قال : نعم .

قلت : لابد من القلب وإلاّ لم يستيقن الجوارح .

قال : نعم .

قلت : يا أبا مروان ، إن الله تبارك وتعالى لم يترك جوارحكم حتى جعل لها إماماً ، يصحح لها الصحيح ، وينفي ما شكّت فيه ، ويترك هذا الخلق كلّه في حيرتهم ، وشكهم ، واختلافهم ، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم ، ويقيم لك إماماً لجوارحك ، تردّ اليه حيرتك وشكك ؟ ! .

قال : فسكت ولم يقل لي شيئاً .

قال : ثم التفت إليّ فقال لي : أنت هشام ؟

قال : قلت : لا .

فقال لي : أجالسته ؟

فقلت : لا .

قال : فمن أين أنت ؟ قلت : من أهل الكوفة .

قال : فأنت إذاً هو . ثم ضمني إليه ، وأقعدني في مجلسه ، وما نطق حتى قمت ، فضحك أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ ، ثم قال : يا هشام ، من علّمك هذا ؟ قلت : يابن رسول الله جرى على لساني .

قال : يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى (۳) .

————————————————————–

(۱) كل مناظرات هشام بن الحكم تدل على قوته الجدلية وحذقه بصناعة الكلام ، وحضور الجواب عنده بالبداهة مستخدماً في كثير منها الادلة الشرعية ، إلا أن هذه المناظرة تدل على قوة حجته على خلافة امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ بالادلة العقلية ، ولذا قيل انه أول من اخضع بحث الامامة للمقاييس العقلية .

(۲) هو : عمرو بن عبيد بن باب ، ويقال : ابن كيسان التميمي ، أبو عثمان البصري ، مولى بني تميم ، من أبناء فارس ،شيخ القدريّة والمعتزلة في عصره ، كان جده من سبي فارس وأبوه نساجاً ثم شرطياً للحجاج في البصرة ، وفيه قال المنصور الدوانيقي : كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد ، ولد سنة ۸۰ ، وتوفي بمَرَّان بقرب مكة سنة ۱۴۴ ، ورثاه المنصور ولم يُسمع بخليفة رثى من دونه سواه .

راجع : تهذيب الكمال ج۲۲ ص۱۲۳ ترجمة رقم : ۴۴۰۶ ، سير أعـلام النبـلاء ج۶ ص ۱۰۴ رقم : ۲۷ ، وفيات الاعيان .

(۳) الاحتجاج للطبرسي ج۲ ص۳۶۷ ، مروج الذهب ج۴ ص۱۰۵ ، رجال الكشي ص۲۷۱ ح ۴۹۰ ، الاصول من الكافي ج۱ ص۱۶۹ ح۳ ، علل الشرائع ج۱ ص۱۹۳ ح۲ ب۱۵۲ ، بحار الانوار ج ۲۳ ص۶ ح۱۱ .