من الصدّيق إلى الشهيد: دموع يعقوبية

بسم الله الرحمن الرحيم
حتى ندرك بعضاً من أهداف البكاء على المولى الحسين الشهيد سلام الله عليه بكربلاء، نقف قليلاً متأمّلين في بكاء يعقوب النبي عليه السلام على إبنه يوسف الصدّيق عليه السلام، البكاء الذي جاءت بتفاصيله الآيات المباركة في قوله سبحانه: «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ. قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ».
فقد ابيضّت عيناه من كثرة البكاء، أي أصيب بالعمى، فقد جاء عن مقاتل أنه عمي ست سنين، وقد رافق ذلك البكاء حزن طويل (فهو كظيم)، أي مليء بالهمّ والحزن ممسك للغيظ لا يشكوه لأهل زمانه ولا يظهره بلسانه.
وقد بلغ من حزنه وبكائه أنّ المحيطين به ضاقوا به ذرعاً، فقالوا: لا تزال تذكر يوسف (حتى تكون حرضاً) فاسدً العقل أو مشارفاً على الموت، (أو تكون من الهالكين) الميتين.. وإنما قالوا ذلك لتبرّمهم من بكائه أو لإشفاقهم عليه، وهذا يعني أنه عليه السلام صنع قضية من خلال بكائه على ابنه.
إنه فعلاً بكاء مرّ وحزن طويل لدرجة حين سئل عنه الصادق سلام الله عليه، حيث قيل له: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف؟ قال: حزن سبعين حرّى ثكلى.
بكى هذا البكاء الطويل مع علمه ببقاء يوسف على قيد الحياة، فقد روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن حسان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر الباقر سلام الله عليه قال:
قلت له: أخبرني عن يعقوب حين قال لولده «اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ» أكان علم أنه حيّ وقد فارقه منذ عشرين سنة وذهبت عيناه من البكاء عليه؟
قال سلام الله عليه: نعم علم أنه حيّ حتى أنه دعا ربَّه في السحر أن يهبط عليه ملك الموت في أطيب رائحة وأحسن صورة، فقال له: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت أليس سألت الله أن ينزلني عليك؟ قال: نعم. قال: ما حاجتك يا يعقوب؟ قال له: أخبرني عن الأرواح تقبضها جملة أم تفريقاً؟
قال: يقبضها أعواني متفرقة ثم تعرض عليّ مجتمعة..
قال يعقوب: فأسألك بإله إبراهيم وإسحق ويعقوب هل عرض عليك في الأرواح روح يوسف؟
قال: لا.
فعند ذلك علم أنه حيّ، فقال لولده: «يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ».
فإذا كان نبي الله يعقوب عليه السلام يبكي إلى هذه الدرجة مع علمه بوجود ابنه وأنه سيعود إليه عزيزاً مكرَّماً: «إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ»، فلابد أن يكون وراء ذلك سبب مهمّ، فما هو؟.
لقد أفصحت عنه الآيات في صدر سورة يوسف عليه السلام، حيث جاء على لسان أبناء يعقوب: «اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ»..
إن إخوة يوسف لما رأوا اهتمام أبيهم به، تآمروا عليه بهدف محو اسمه من ذاكرته بأي طريقة، إما عبر القتل (اقتلوا يوسف) أو تغييبه في أرض بعيدة ليهلك (أو اطرحوه أرضاً).. فكلمة «يخلُ» في قوله تعالى «يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ» يستفاد منها أنهم كانوا يطمحون إلى إلغاء شخصية يوسف ونسفها من حياة يعقوب عليه السلام ليصفو لهم الجو، لكن حين أكثر يعقوب من البكاء على ابنه مدة عشرين سنة أفشل مؤامرتهم وحافظ على ذكر يوسف، بل تعاظم ذكره في الآفاق، لأنه صنع من اختفائه حدثاً عظيماً عبر البكاء.
وذلك عين ما نقوم به حين نبكي على الحسين سلام الله عليه، إذ إن القوى المعادية للحسين صلوات الله عليه كانت تهدف إلى محو ذكر أهل البيت سلام الله عليهم وطمس أيّ أثر لهم، كما ظهر في تصريحاتهم المشهورة:
” لا تبقوا لأهل هذا البيت من باقية ”
” لا والله إلا دفناً دفناً ”
ولهذا قالت الحوراء زينب سلام الله عليها لابن أخيها السجاد سلام الله عليها وهي على ظهر الناقة:
” وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وطمسه…”.
وقالت مخاطبة يزيد في مجلسه:
” فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا…”.
فقد كان الأعداء يهدفون إلى طمس ذكر أهل البيت صلوات الله عليهم، وكان البكاء هو الوسيلة المناسبة التي تحافظ على ذلك الذكر عبر الأجيال، فهو أشبه بتحدٍّ لتلك القوى وإصرار على التمسك بحبل أهل البيت وبقضيتهم مهما طال الزمان.. ولهذا أكد الأئمة سلام الله عليهم على شيعتهم أن يواصلوا البكاء والتباكي على الحسين سلام الله عليه بلا انقطاع.

بقلم: الشيخ فيصل العوامي