المتفرقة » المقالات » المتفرقة »

من العراق الى ايران حصار الانسان واستهداف الانسانية

الطفل الايراني منوتشر اسماعيلي الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من العمر توفي الاسبوع الماضي ليكون اول ضحية للحصار الاقتصادي المفروض من الغربيين على الجمهورية الاسلامية. وعلى مدى الاسابيع الاخيرة سعت عائلته للحصول على الادوية المطلوب لعلاجه، ولكن بدون جدوى. فبرغم ان الحصار لا يشمل الادوية الا ان الشركات الغربية تمتنع عن التعامل التجاري مع ايران خشية معاقبتها من قبل حكوماتها، بالاضافة لصعوبة التحويلات المالية.
فالحصار المفروض على المصرف المركزي الايراني يجعل تمويل الصفقات التجارية شبه مستحيل. اما الفتاة عاطفة اللهياري (جار الله) فقد سعت هي الاخرى لانقاذ حياة اخيها المصاب بالسرطان، فكانت تبدأ يومها الساعة الرابعة والنصف صباحا لتنتظم في الطابور امام صيدلية ‘۱۳ آبان’ وسط العاصمة طهران، لعلها تحصل عقار (باكليتاكسل) لعلاج السرطان الذي اصيب به اخوها الاصغر، ولكن مسؤول الصيدلية كان يقول لها كل يوم: لم يصل الدواء حتى الآن. وما هي الا ايام حتى التحق الشاب بربه. وهكذا بدأت قافلة ضحايا الحصار الغربي تسجل اسماءهم يوميا، حتى لكأن ايران اليوم بدأت المشوار الذي بدأه العراق بعد حرب الكويت. يومها وقف العالم صامتا امام القتل الجماعي الذي عانى منه ذلك البلد، حتى لكأن الضمير الانساني قد حكم عليه بالاعدام. وبفرض العقوبات الحالية على ايران يبدو ان السجال حول حقوق الانسان والمواثيق الدولية التي تحرم قتل الناس ليس سوى وسائل للتخدير، لان العمل بمقتضياتها يتعارض مع مصالح الدول الغربية.
ويمكن القول ان ما حصل في العراق على مدى ۱۴ عاما لم يكن له نظير في التاريخ الانساني المعاصر. فحتى العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على كوبا منذ الخمسينات لم تكن بهذه الصرامة. فهل نسيت الذاكرة الانسانية معاناة شعب العراق خلال سنوات الحصار ولما يمض عليها سوى اقل من عقد ونصف؟ ام ان السياسة الغربية تقتضي طي صفحتها وازالتها من الذاكرة ومن سجلات الجرائم ضد الانسانية لكي لا يعاقب مرتكبوها وفقا للقانون الدولي. ومع اقتراب اليوم العالمي لحقوق الانسان الذي يصادف العاشر من ديسمبر يطرح تساؤل حول جدوى تلك المواثيق والاتفاقات. فاذا كان العالم مستعدا لمقاضاة الرئيس السوداني بسبب مشكلة دارفور ولا يلتفت لمقولة ‘الحصانة الدبلوماسية’، فكيف يتغاضى هذا العالم عمن ساهم بشكل مباشر في خنق العراقيين حتى الموت. لم يكن ذلك سرا، ولم تنحصر فترته بساعات او ايام او شهور بل امتد طوال الفترة المذكورة، وكتبت حوله تحقيقات ودراسات كثيرة. مع ذلك كان زعماء امريكا وبريطانيا قادرين على إحكام الحصار بدون رحمة. ولما وعى بعض الاطراف الدولية بحجم الكارثة الانسانية امتنع عن التصديق على قرار الحرب الذي اتخذته امريكا وبريطانيا قبل عشرة اعوام ضد العراق. ومع ذلك قامت الحرب الشرسة التي اسقطت نظام بغداد. والرئيس الامريكي الذي اتخذ قرار الحرب، وكان قبلها شريكا في الحصار المفروض على ذلك البلد، هو نفسه الذي أكد في مذكراته انه اعطى الاوامر بممارسة التعذيب بحق سجناء غوانتنامو، وانه أقر استخدام طريقة ‘الايهام بالغرق’ التي تعتبرها المنظمات الحقوقية الدولية تعذيبا واضحا. وبعد صدور كتابه، ظهر الرئيس بوش على شاشة التلفزيون وكرر ما ذكره في الكتاب وانه شخصيا أقر استخدام ذلك التعذيب. ولم يتخذ اي اجراء دولي ضده برغم اعترافه العلني باقرار ممارسة التعذيب.
واليوم، يتكرر تطبيق نسخة مماثلة جدا للحصار الذي فرض على العراق. ضحيتها هذه المرة الشعب الايراني الذي بدأ يمر بمعاناة لا تختلف كثيرا عما عاناه العراقيون. العالم يعرف ما جرى آنذاك، ولا يحتاج الى ذكاء كبير ليستنتج ان فرض الحصار على ايران سوف يؤدي الى نتائج مماثلة لما حصل في العراق. بدأ الحصار الاقتصادي على بغداد بسرعة ملفتة للنظر، ففي ۶ اغسطس ۱۹۹۰ فرض ذلك الحصار، اي بعد اربعة ايام من اجتياح الكويت، واستمر حتى اسقاط نظام صدام حسين في العام ۲۰۰۳ نتيجة الحرب التي شنها التحالف الانكلو امريكي ضد العراق. تقول الاحصاءات المتوفرة ان عدد الاطفال الذين توفوا كنتيجة مباشرة لفرض الحصار يتراوح ما بين ۱۰۰ الف ونصف مليون، وهو رقم مرعب جدا. يضاف الى ذلك الامراض التي نجمت عن ذلك الحصار نتيجة سوء التغذية وعدم توفر مستلزمات العناية الصحية والغذائية. وتضاعفت المعاناة بعد الحرب بسبب الاستخدام المكثف للبلوتونيوم المنضب الذي استخدم لصنع ذخيرة المدافع والقنابل التي تقذفها الطائرات. ويعاني العراقيون اليوم من تشوهات غير مسبوقة للاطفال حديثي الولادة.
وقد أشارت دائرة صحة محافظة واسط الى أن هناك ظاهرة منتشرة في السنوات الاخيرة في واسط وهي التشوهات الولادية بسبب الحروب التي تعرض لها البلد وانتشرت بسببها المواد المشعة، وكذلك التلوث البيئي والاستخدام غير المنظم للعلاج. وتقول الدكتورة ابتهال الأخصائية في توليد النساء أن حالات التشوه موجودة في داخل مستشفى البتول بأعمار مختلفة بين ۳ أشهر الى سنة من العمر والبعض من هذه الحالات قد توفي. بعض هذه الحالات غريب ونادر، بينما البعض الآخر منها عادي وبسيط. ومن هذه الحالات مواليد بجسد محترق ورأس كبير وأنف في جانب الرأس. وتضيف ان المستشفى في عام۲۰۱۱ سجل ۵۴ حالة في سجلاته، أما في سنة ۲۰۱۲ فهناك حتى الآن ۴۳ حالة البعض منها يتوفى بعد ساعة من الولادة و البعض الاخر يبقى ليعاني من هذا التشويه طوال عمره.
اما الدراسة التي قدمتها جامعة ميتشغن الأميركية فأكدت ارتفاع نسبة التشوهات الخلقية في محافظة البصرة الى ۱۲ حالة تشوه لكل ألف ولادة مقارنة بـ ۱٫۳ تشوه ولادي لكل ألف عام ۱۹۹۴ . وأشارت الدراسة إلى أن ‘معدل تشوهات الدماغ في البصرة بلغت ستة أضعاف ما هو موجود في كاليفورنيا الأمريكية، على الرغم من أن ‘عدد نفوس كاليفورنيا يفوق عدد سكان البصرة إذ يبلغ نحو ۳۴ مليونا، فيما لا يتجاوز عدد نفوس البصرة حاجز المليونين’. وهناك دراسات أجريت على ۵۰۰۰ عائلة في مدينة الفلوجة بينت أن هناك معدلات مقلقة للإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية ، وأن معدل الوفيات بين الأطفال بعمر سنة واحدة أو أقل قد وصل إلى ۸۰ حالة وفاة في الألف’.
في العام ۱۹۹۶ سئلت وزيرة الخارجية الامريكية آنذاك، مادلين اولبرايت، في برنامج ‘ستون دقيقة’ عن آثار الحصار الامريكي على العراق وما اذا كان بالامكان تبرير موت البشر نتيجة ذلك. فكان جوابها: ‘اعتقد انه خيار صعب، ولكن الثمن (وفاة الاطفال والمرضى)، كما نعتقد، يستحق ذلك’. هذا الثمن الباهظ لم يحاسب اي ممن فرضوا العقوبات على العراق بشأنه بعد سقوط النظام العراقي وانكشاف حقيقة ان العراق لم يكن يمتلك اسلحة الدمار الشامل. مئات الآلاف من البشر قتلوا بسبب ‘الشك’ و ‘الظن’ لدى المسؤولين في واشنطن ولندن. واليوم يتكرر الامر نفسه مع ايران لان الساسة في واشنطن ولندن ‘يظنون’ ان ايران قد تسعى لانتاج السلاح النووي، او ‘يشكون’ في النوايا الايرانية من وراء البرنامج النووي. مع العلم ان ايران (وليس الكيان الاسرائيلي) وقعت اتفاقية الحد من انتشار الاسلحة النووية، وانها (وليس تل أبيب) تسمح بشكل منتظم للمفتشين الدوليين بزيارة منشآتها النووية. واذا لم يحرك العالم اليوم ساكنا لالغاء الحصار فسوف تتكرر الكارثة الانسانية التي حلت بالعراق، وسيمنى الضمير الانساني بانتكاسة جديدة لا تقل خطرا.
الهدف الرئيسي الذي طرح في بداية الامر لذلك الحصار، تنفيذا لقرار مجلس الامن الدولي رقم ۶۶۱ هو ‘اجبار العراق على الانسحاب من الكويت دفع ودفع التعويضات والقضاء على اسلحة الدمار الشامل’. وقامت الامم المتحدة بتنفيذ القرار ۶۶۱٫ ولكن بعد نهاية حرب الكويت تم توسيع دائرة الحصار وربطه بازالة اسلحة الدمار الشامل. ومنع الحصار التبادل التجاري ما عدا في مجال الدواء والغذاء. ولكن بعد سقوط النظام لم يتم العثور على اي من اسلحة الدمار الشامل التي طبق الحصار بسببها اثني عشر عاما اضافية. لقد كانت جريمة ضد الانسانية بدون حدود، ولكن في عالم محكوم بقوى الشر والهيمنة اصبحت حياة الانسان اقل شأنا من المصالح المادية لهذه القوى، ولا مجال للحديث عن الاخلاق او القيم. بل ان من يمعن في ما يطرح من مفاهيم وثقافة حول ‘حقوق الانسان’ و ‘الحرية’ و’الديمقراطية’ يكتشف ببساطة انها لم تعد سوى وسائل للتخدير من جهة وتقنين الهيمنة من جهة ثانية، والقضاء على اية مقاومة جادة للقوى الشريرة التي تمارس الاحتلال وتدعم الاستبداد وتسلب ثروات الشعوب وتصادر حقوقها الطبيعية في صياغة انماط حياتها.
وفي ضوء التجربة المرة التي مرت بالشعب العراقي وما تعرض له من حصار كان تجسيدا لقيم الشر وانعدام الانسانية او الاخلاق، اصبح من الضرورة بمكان، لدى من يملك ضميرا حيا او انسانية فاعلة، او اهتماما بقيمة حياة البشر وكرامة الانسان، ان يتخذ موقفا مضادا للعقوبات المترتبة على الحصار.
هذه المرة تجاوز الحصار كافة الحدود، فحتى لو ذهب المرء لفتح حساب تجاري باحد المصارف فعليه توقيع تعهد بان لا يتعامل تجاريا او ماليا مع ايران، ويتحول الموظف في البنك المسؤول عن فتح الحساب الى محقق مع الشخص المتقدم لفتح الحساب، خصوصا اذا كان هذا الشخص من منطقة الشرق الاوسط.
وبعد ثلاث جولات من العقوبات، يتدبر الكونغرس الامريكي حزمة اخرى من العقوبات التي يناقشها مجلس الشيوخ، لفرضها على ايران. وتشمل العقوبات المزمع تطبيقها قريبا مجال الطاقة والموانئ وصناعة السفن. كما يشمل رصد حركة الذهب بين تركيا وايران بدعوى ان تجارة الذهب ساعدت طهران على ادارة اقتصادها برغم العقوبات الاقتصادية الصارمة. وهذه هي المرة الثالثة خلال عام واحد التي يحاول الكونغرس الامريكي فيها منع وصول الاموال الى نظام الحكم في طهران. تطبيق العقوبات يهدف لكسر ارادة ايران في المجال النووي الذي استثمرت فيه كثيرا.
وبرغم الاعتراف بان تلك العقوبات ساهمت في تبطئة حركة المشروع، يقول روبر منندز، عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي: ‘لقد تأثر الاقتصاد الايراني سلبا بهذه العقوبات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي’ مضيفا: ‘ان رسالتنا واضحة وان الشباك (الذي ينفذ منه هواء التنفس) يغلق تدريجيا. لقد انتهى وقت الانتظار. علينا فعل شيء ما ‘. وقال السناتور عن الحزب الجمهوري، مارك كيرك : ان علينا مسؤولية عمل كل ما في وسعنا لفرض ضغط مدمر على الحكومة الايرانية، وان تمرير هذه العقوبات ضرورة لانجاح ذلك الجهد’.
مهما كانت مبررات الحصار فقد بدأ يتحول الى كارثة انسانية شبيهة بما جرى في العراق. فمنع التعامل مع البنك المركزي الايراني ادى الى توقف وصول عائدات بيع النفط ، وتوقفت بذلك كافة اشكال التبادل التجاري مع العالم بما في ذلك استيراد الادوية والمعدات الطبية. وفي شهر يوليو الماضي كان الاحتياطي الايراني من العملات الاجنبية يقدر بـ ۱۵۰ مليار دولار، بينما تراجع هذا المخزون الى ۱۱۰ مليارات في غضون اربعة شهور، اي انه يتناقص بمعدل عشرة مليارات شهريا. وهذا يعني انه سينفذ تماما في غضون عام واحد، بينما تراجعت العملة الايرانية الى نصف قيمتها قبل بدء الحصار.
وذكرت مصادر اعلامية ان ما تملكه ايران من الدواء لا يكفي لاكثر من مائة يوم فقط. ومع ان الحكومة شجعت الانتاج المحلي من الادوية فان صعوبة استيراد بعض المواد اللازمة للتصنيع يعني عدم امكان التصنيع الكامل بما يلبي احتياج المواطنين. ومن اكثر المتضررين من نقص الدواء مرضى الدم والثالاسيميا ونقص الدم وانواع عديدة من السرطان. يضاف الى ذلك ان الحصار يمنع المرضى الذين يحتاجون لعلاج خارج بلادهم من السفر نظرا لعدم توفر الاموال من جهة واستحالة تحويل العملة، حتى لو توفرت، بسبب الحصار المفروض على البنك المركزي.
وقد تعددت في الفترة الاخيرة التقارير الاعلامية التي تبثها وكالات الانباء الدولية مثل رويترز وهيئة الاذاعة البريطانية حول تداعي الاوضاع الصحية في المدن والارياف الايرانية نتيجة قلة الدواء وتداعي الرعاية الصحية. فاذا سمح للوبي الصهيوني بتكرار نجاحه في فرض العقوبات على العراق قبل ۲۳ عاما، فان التاريخ سيعيد نفسه، ولكن هذه المرة بقرار دولي ووعي الجيل الحاضر بالكارثة الانسانية التي حلت بالعراق، وسيكون الجميع شركاء في جريمة القتل الجماعي التي اودت بحياة مئات الآلاف العراقيين، اغلبهم من الاطفال، وادت الى آلاف التشوهات والامراض والسرطانات.
هذه المرة تعاقب ايران، ليس بسبب افعال قامت بها، بل بتهم توجه اليها بانها ‘تنوي’ تصنيع اسلحة نووية، المحاكمة والادانة وتنفيذ العقوبة، تأتي هذه المرة على النوايا وما يختلج في النفس، وليس على جرائم ارتكبت، بينما يفلت من العقاب مرتكبو جرائم التعذيب في غوانتنامو وابوغريب وقاعدة بغرام والسجون السرية في ثلاثين بلدا حليفا لامريكا، وكذلك قتلة الفلسطينيين الذين امطروا غزة بالحمم والقنابل بدون رحمة.

الكاتب: الدكتور سعيد الشهابي