امام-باقر

من معاجز الإمام الباقر(ع)/ معارف خاصّة

  • عن عليّ بن أبي حمزة وأبي بصير قالا: كان لنا موعدٌ على أبي جعفر عليه السّلام، فدخلنا عليه أنا وأبو ليلى، فقال: يا سكينة هلمّي المصباح. فأتت بالمصباح، ثمّ قال: هلمّي بالسفط الذي موضع كذا وكذا (السفط: وعاء تُوضع فيه الأشياء).

قال: فأتته بسفطٍ هنديٍّ أو سنديّ، ففضّ خاتمه، ثمّ أخرج منه صحيفة صفراء.. فأخذ يُدرجها من أعلاها وينشرها من أسفلها، حتّى إذا بلغ ثلثها أو ربعها نظر إليّ، فارتعدت فرائصي، حتّى خفتُ على نفسي، فلمّا نظر إليّ في تلك الحال وضع يده على صدري فقال: أبَرِأْتَ أنت ؟ قلت: نعم جُعلتُ فداك، قال: ليس عليك بأس.

ثمّ قال: أُدنُ. فدنوت، فقال لي: ما ترى ؟ قلت: اسمي واسم أبي وأسماءَ أولادٍ لي لا أعرفهم! فقال: يا عليّ، لولا أنّ لك عندي ما ليس لغيرك ما اطّلعتُك على هذا، أما إنّهم سيزدادون على عدد ما ها هنا.

قال عليّ بن أبي حمزة: فمكثتُ ـ والله ـ بعد ذلك عشرين سنة، ثمّ وُلِد لي الأولاد بعد ما رأيتُ بعيني في تلك الصحيفة. ( مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 193:4 ـ وعنه: بحار الأنوار للشيخ المجلسي 266:46 ـ 267 / ح 65، وعوالم العلوم للشيخ عبدالله البحراني 72:19 / ح 1 ).

  • وعن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن داود بن أبي يزيد، عن بعض الأصحاب، عن عمر بن حنظلة قال:

قلت لأبي جعفر عليه السّلام: إنّي أظنّ أنّ لي عندك منزلة.

قال: أجل.

قلت: فإنّ لي إليك حاجة.

قال: وما هي ؟

قلت: تعلّمني الاسمَ الأعظم.

قال: وتُطيقه ؟!

قلت: نعم.

قال: فادخل البيت. فدخلت.. فوضع أبو جعفر عليه السّلام يده على الأرض فاظْلمّ البيت، فأُرعِدتْ فرائصي، فقال: ما تقول .. أُعلِّمُك ؟ فقلت: لا. فرفع يده، فرجع البيت كما كان. ( بصائر الدرجات للصفّار القمّي 210 / ح 1 ـ وعنه: إثبات الهداة للحرّ العاملي 46:3 / ح 22، وبحار الأنوار للشيخ المجلسي 27:27 / ح 6 و 235:46 / ح 4 و 5، وعوالم العلوم للشيخ عبدالله البحراني 66:19 / ح 2 و ح 3 عن مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 188:4 ).

  • ورُوي أنّ جماعة استأذنوا على أبي جعفر عليه السّلام.. قالوا: فلمّا صرنا في الدهليز إذا قراءة سريانيّة بصوتٍ حسن، يقرأ ويبكي حتّى أبكى بعضنا وما نفهم ما يقول، فظننّا أنّ عنده بعضَ أهل الكتاب استقرأه. فلمّا انقطع الصوت دخَلْنا عليه فلم نَرَ عنده أحداً، قلنا: يا ابن رسول الله، لقد سمعنا قراءةً سريانيّة بصوتٍ حسن!

قال: ذكرتُ مناجاة إليا ( وفي نسخة: إلياس ) فأبكتَنْي. ( الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي 286:1 / ح 19 ـ وعنه: بحار الأنوار 254:46 / ح 50 ).

  • وروى أحمد بن إبراهيم عن خاله، عن عليّ بن حسّان، عن عبدالرحمان بن كثير، عن أبي عبدالله ( الصادق ) عليه السّلام قال:

كان أبو جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السّلام في طريق مكّة ومعه أبو أُميّة الأنصاريّ وهو زميله في محمله، فنظر إلى زوج ورشان في جانب المحمل معه، فرفع أبو أُميّة يدَه ليُنحّيَه، فقال له أبو جعفر: مهلاً؛ فإنّ هذا الطير جاء يستخفر بنا أهلَ البيت؛ لأنّ حيّةً تُؤذيه وتأكل فراخه كلَّ سنة، وقد دعوت اللهَ له أن يدفع عنه، وقد فعل. ( دلائل الإمامة للطبري الإمامي 98 ـ وعنه: بحار الأنوار للمجلسي 22:65 / ح 39، وأخرجه في البحار 238:46 / ح 19 باختلافٍ يسير عن: بصائر الدرجات للصفّار القمّي 344/ح 16.

وبصيغةٍ أخرى روى الراونديّ في الخرائج والجرائح 604:2 / ح 2، وابن حمزة في الثاقب في المناقب 390/ ح 2.. وفيهما: عن جابر بن يزيد الجعفيّ: فذهبتُ لآخذه، فصاح بي: مَهْ يا جابر؛ فإنّه استجار بنا أهلَ البيت. قلت: وما الذي شكا إليك ؟ فقال:شكا إليّ أنّه يفرّخ في هذا الجبل منذ ثلاث سنين، وأنّ حيّةً تأتيه فتأكل فراخه، فسألني أن أدعوَ الله عليها ليقتلها، ففعلت، وقد قتلها الله.. وعن الخرائج: روى الحرّ العامليّ في إثبات الهداة 56:3 / ح 53 ).

  • وروى الحضينيّ بإسناده عن محمّد بن مسلم الثقفيّ، عن أبي جعفر ( الباقر ) عليه السّلام.. قال محمّد بن مسلم: كنتُ عنده ذات يوم إذ وقع عليه ورشان وهَدَلا هديلَهما، فردّ عليهما أبو جعفر عليه السّلام بمِثله، فلمّا طارا على الحائط هدل الذَّكَر على الأُنثى، فردّ عليه أبو جعفر عليه السّلام هديلاً لا يعرفه الناس. ثمّ نهضا.. فقلت: جُعلتُ فداك، ما قال هذا الطائر ؟ قال: يا ابن مسلم، كلُّ شيءٍ خلَقَه اللهُ مِن بهيمةٍ أو طائر وما فيه الروح، أسمعُ لنا وأطوع من بني آدم، إنّ هذا الورشان أتاني وشكا لي مِن زوجته، وقد كان ظنّ بها ظنَّ سوء، فحلَفتْ له فلم يقبل، فقالت له: بمَن ترضى ؟ فقال: بمحمّد بن عليّ، فقال: رضيت.

فأقبلا إليّ فأخبراني بقصتهما، فسألتها عمّا ذكر، فحلفَتْ لي بالولاية أنّها ما خانَتْه، فصدّقتُها فنهيتُه عن تهمة زوجته، وأعلمته أنّه ظالمٌ لها؛ فإنّه ليس من بهيمةٍ ولا طائرٍ يحلف بولايتنا إلاّ أبَرّ، إلا بني آدم، فإنّه حلافٌ مهين، لا يعرفنا حقَّ معرفتنا إذا حلف بحقّنا كاذباً. ( الهداية الكبرى للحضيني 50. الكافي للكلينيّ 470:1 / ح 4. مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب 191:4. بصائر الدرجات للصفّار القمي 342 / ح 5 ـ وعنه: بحار الأنوار للمجلسي 238:46 / ح 17، وإثبات الهداة للحرّ العاملي 40:3 / ح 7 ).

  • وقال الكسائي: دخلتُ على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه، وبين يديه مالٌ كثير.. وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمّله.. فقال:

هل علمتَ مَن أوّلُ مَن سنّ هذه الكتابة في الذهب والفضّة ؟

قلت: يا سيّدي، هذا عبدالملك بن مروان.

قال: فما كان السبب في ذلك ؟

قلت: لا علمَ لي في غير أنّه أوّل مَن أحدث هذه الكتابة.

قال: سأخبرك.. كانت القراطيس للروم، وكان أكثر مَن بمصر نصرانيّاً على دِين الملك ملك الروم، وكان تُطرّز بالرومية، وكان طرازها: أباً وابناً وروحاً قدّيساً، فلم يزل كذلك صدر الإسلام كلّه يمضي على ما كان عليه، إلى أن مَلَك عبدُالملك فتنبّه عليه.. فبينما هو ذات يوم إذ مرّ به قرطاس فنظر إلى طرازه، فأمر أن يُترجَم بالعربيّة، ففُعل ذلك فأنكره وقال: ما أغلظَ هذا في أمر الدِّين والإسلام!.. تخرج منهم هذه القراطيس فتدور في الآفاق والبلاد وقد طُرِّزت بشرك مثبّت عليها!

فأمر بالكتابة إلى عبدالعزيز بن مروان ـ وكان عاملَه بمصر ـ بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرّز به من ثوبٍ وقرطاس وسُتُر وغيرِ ذلك، وأن يأخذ صنّاع القراطيس بتطريزها بسورة التوحيد و « شَهِد اللهُ أنّه لا إلهَ إلاّ هو ».. وكتب إلى عمّال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرّزة بطراز الروم ومعاقبة مَن وُجِد عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع. فلمّا أُثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد، وحُمل إلى بلاد الروم منها انتشر خبرها، ووصل إلى ملكهم فتُرجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه فاستشاط غضباً، وكتب إلى عبدالملك: إنّ عمل القراطيس بمصر وسائر ما يُطرَّز هناك للروم، ولم يزل يطرَّز بطراز الروم إلى أن أبطَلْتَه.. وقد بعثتُ إليك بهديّة تشبه محلَّك، وإن أحببتَ أن تجعل ردَّ ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كانُ يُطرَّز من أصناف الأعلاق، حاجةً أشكرك عليها وتأمر بقبض الهدية. وقد كانت عظيمةَ القدر.. فلم يقبلها عبدالملك.. فكتب إليه ملك الروم: أنا أحلف بالمسيح، لتأمرنّ بردِّ الطراز إلى ما كان عليه، أو لآمرنّ بنقش الدنانير والدراهم، فإنّك تعلم أنّه لا يُنقَش شيء منها إلاّ ما يُنقَش في بلادي ـ ولم تكن الدراهم والدنانير نُقِشتْ في الإسلام ـ فيُنقَش عليها مِن شتم نبيّك ما إذا قرأتَه ارفضّ جبينُك له عَرَقاً، فأُحبّ أن تقبل هديّتي وتردّ الطراز إلى ما كان عليه.

فلمّا قرأ عبدالملك الكتابَ غلظ عليه، وقال: أحسبُني أشأمَ مولودٍ وُلِد في الإسلام؛ لأنّي جنيتُ على رسول الله مِن شتم هذا الكافر ما يبقى غابرَ الدهر ولا يمكن مَحْوُه من جميع مملكة العرب. إذ كانت المعاملات تدرو بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم. فجمَعَ عبدالملك أهل الإسلام واستشارهم، فلم يجد عند أحدٍ منهم رأياً يعمل به، فقال له روح بن زنباغ:

إنّك لتعلم الرأيَ والمخرج من هذا الأمر، ولكنّك تتعمّد تركَه!

فقال: وَيْحكَ مَن ؟!

قال: الباقر من أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله.

قال: صدقت! ولكنّه أُرْتِجَ علَيّ الرأيُ فيه.

فكتب إلى عامله بالمدينة أن أشْخِصْ إلى محمّدَ بنَ عليّ بن الحسين مكرَّماً، ومتّعْه بمئتَي ألف درهمٍ لجهازه، وبثلاثمئة ألفِ درهم لنفقته، وأزح علّتَه في جهازه وجهاز مَن يخرج معه من أصحابه.

فلّما وافى ( عليه السّلام ) أخبره عبدُالملك الخبر، فقال له الباقر: لا يَعْظُمنّ هذا عليك؛ فإنّه ليس بشيءٍ من جهتين: إحداهما أنّ الله جلّ وعزّ لم يكن لِيُطلقَ ما يُهدّدك صاحبُ الروم في رسول الله صلّى الله عليه وآله، والأخرى ـ وجود الحيلة فيه (أي الحلّ والخلاص). قال عبدالملك: وما هي ؟! قال عليه السّلام:

تدعو في هذه الساعة بصُنّاعٍ يضربون بين يَدَيك سككاً للدراهم والدنانير، وتجعل النقش عليها سورة التوحيد وذِكْرَ رسول الله صلّى الله عليه وآله، أحدُهما في وجه الدرهم والدينار والآخر في الوجه الثاني، وتجعل في مدار الدرهم والدينار ذِكْرَ البلد الذي يُضرَب فيه والسنة التي تُضرَب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتَعْمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الثلاثة الأصناف التي العشر منها عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستّة مثاقيل، وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل، فتكون أوزانها جميعاً واحداً وعشرين مثقالاً، فتجزّئها من الثلاثين فتصير العِدّة من الجميع وزنَ سبعة مثاقيل، وتصبّ سنجاتٍ من قوارير لا تستحيل إلى زيادةٍ ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة، والدنانير على وزن سبعة مثاقيل.

وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنّما هي الكسرويّة التي يُقال لها اليوم البغليّة… وكان وزن الدرهم منها قبل افسلام مثقالاً، والدراهم التي كانت وزن العشرة منها وزنَ ستّة مثاقيل، والعشرة وزنَ خمس مثاقيل هي السميريّة الخِفاف والثقال، ونقشُها نقشُ فارس.

ففعل عبدالملك ذلك، وأمَرَه محمّد بن عليّ بن الحسين ( الباقر عليه السّلام ) أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام، وأن يتقدّم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهدّدوا بقتل مَن يتعامل بغير هذه السكك من الدراهم والدنانير وغيرها، وأن تُبطَل وتُرَدّ إلى مواضع العمل حتّى تُعاد على السكك الإسلاميّة.

ففعل عبدالملك ذلك وردّ رسولَ ملكِ الروم إليه يُعْلُمه بذلك ويقول: إنّ الله عزّوجلّ مانعُك ممّا قدرتَ أن تفعله، وقد تقدّمتُ إلى عمّالي في أقطار الأرض بكذا وبإبطال السكك والطراز الروميّة.

فقيل لملك الروم: افعلْ ما كنتَ تهدّدتَ به ملكَ العرب.

فقال: إنّما أردتُ أن أُغيظه بما كتبتُ به إليه؛ لأنّي كنتُ قادراً عليه والمال وغيره برسوم الروم، فأمّا الآنَ فلا أفعل؛ لأنّ ذلك لا يتعامل به أهلُ الإسلام!

وامتنع ملكُ الروم مِن الذي قال، وثبتَ ما أشار به محمّدُ بن عليّ بن الحسين إلى اليوم. ( المحاسن والمساوئ للبيهقيّ 129:2 ).

المصدر: شبكة الإمام الرضا(ع)