المتفرقة » المقالات » العقائد »

موقف الحشوية من مصادر الفكر الإسلامي‏

تلك كانت الحشويّة ؟ كما عرفناها في الفصل الأوّل (۱) .

وتلك أراؤها الشاذّة ، في أبواب الفكر الإسلامي! كما عرفناها في الفصل الثاني (۲) .

والآن: لماذا كلّ هذا الانحراف؟ ومن أين نشأ؟ وكيف استمرّ ؟

بالرغم من:

۱ـ وضوح المخالفات ، وظهورها للعيان ، وليس الإنسان المسلم بحاجةٍ – لمعرفة مواضع الخطأ في ذلك – إلّا بمجرّد الالتفات والتوجّه ، من دون حاجةٍ إلى التعمّق والتوغّل في قضيّة عقليّة وحجّة علميّة.

۲ـ ولمخالفة تلك الآراء والتصرّفات ، مع آراء جميع العلماء والفقهاء ، بل العقلاء ، والفهم العرفيّ العامّ ، عند الناس ، وحسب أدوات الخطاب بينهم‏بما يجعل فهمهم شاذّاً ، ومثل هذا الشذوذ دليل واضح على بُطلان تلك المخالفات؛ لأنّ النصوص لم ترد إلّا للبيان للعموم ، لا لفئةٍ معيّنة محدودة بالحشوية فقط.

ولابدّ للمخالف للمجمع عليه من الرجوع إلى المتّفق عليه ، خصوصاً في المسائل التي تتعلّق بأُصول الدين التي لابدّ فيها للأُمّة من الرأي الواحد المميّز ، والمعرَّف بأدلّة العقل البيّنة ، والتي أرشدت إليها النصوص المقدّسة من القرآن الكريم والحديث الشريف الثابت.

إنّ الحشويّة ، إنّما هَوَتْ في مهاوي تلك المخالفات لموقفها من نصوص القرآن والحديث ، على خلاف سائر العلماء والعقلاء والأعراف ، في أمرين:

الأوّل: في موقفهم من الحديث الشريف

۱ـ بالالتزام بكلّ ما سمّي حديثاً ، وحسب موازين حدّدوها تخصّهم ، ولا تعتمد على الحقّ ولا الحقيقة ، بل لمجرّد التعصّب المذهبيّ.

۲ـ بالالتزام بظواهر ما تدلّ عليه ، من دون التأمّل في مداليلها ومخالفاتها للاستعمالات العرفيّة ، أو أدلّة العقل ، أو مداليل النصوص الأُخرى.

الثاني: موقفهم من القرآن الكريم

۱ـ في الحجز على دلالته ، والقول بعدم إمكان الاستفادة منه، حسب استعمالات الشرع والعرف.

۲ـ في القول بقدم القرآن الموجود.

۳ـ في نسبة التحريف إلى نصّه ، تبعاً لظاهر ما روي في الصحاح والمسانيد من الأحاديث.

ولاستيعاب البحث حول هذين الموقفين ، عقدنا هذا الفصل الثالث بعون اللَّه.

وإنّما قدّمنا البحث عمّا يتعلّق بالحديث ، لمحدوديّته – أوّلاً – بالنسبة إلى ما يرتبط بالقرآن ، ولكون المخالفات – عند الحشويّة – حول القرآن تبتني أساساً على أحاديث دوّنوها واعتبروها أدلّةً ، ثمّ اعتمدوها.

فكان البحث الحديثيّ ، كالمقدّمة لبحث القرآن ، واللَّه المستعان.

تمهيد

إنّ الحقّ لابدّ أن يكون معلوماً ، لا ريبَ فيه ، ولا يكتفى‏ فيه بالظنّ والوهم ، لأنّ التصديق به يتوقّف على القناعة ، والقناعة إنّما تكون بنفي الاحتمال الآخر ، وهذا التصديق المستتبع لعقد القلب والالتزام المطلق ، وكلّ هذا لا يحصل إلّا باليقين والعلم ، لا بالظنّ والشكّ والوهم!

والدين الإسلاميّ هو الحقّ ، بأُصوله وأحكامه ، بعقيدته وشريعته ، فلابدّ أن يكون معلوماً يقينيّاً ، كي ينعقد القلب عليه ويجزم به وينفي غيره ، ولا يمكن أن يتديّن المسلم بما هو ظنّيّ أو وهميّ ، لا في مجال العقيدة وأُصول الدين؛ كما هو رأي المسلمين كافّة ، سوى الحشوية ، كما أسلفنا في مسألة «التقليد» في الفصل الثاني.

وكذلك في مسائل الشريعة ، وفروع الدين عند الشيعة الإماميّة ، وكثير من العلماء المحقّقين ، كما سنبيّن في البحث عن «الخبر الواحد» في هذا الفصل.

وكما قلنا في بحث سابق: إنّ: «الشريعة الإسلامية المتلقّاة من القرآن والرسول‏ صلى الله عليه وآله هي إحدى أهداف الرسالة المحمّدية العظمى ، فلابدّ أن يكون الدليل عليها في وجودها واستمرارها من سنخ الدليل على نفس الرسالة – التي هي من أُصول الدين – من الدليل القطعيّ ، لا من الدليل الظنّيّ» (۳) .

وأدلّة الشريعة هي عند عامّة المسلمين :

۱ـ القرآن الكريم:

ووجوب كونه مقطوعاً عليه ، يقينيّ الورود ، ومعلوماً ، أمرٌ لا يختلف فيه المسلمون – عدا الحشويّة – وسيأتي بيان ذلك.

۲ـ السنّة الشريفة:

وهي ما أخذ من الرسول‏ صلى الله عليه وآله من تعاليم الإسلام ممّا لم يرد به الكتابُ الكريمُ، لكن «وَ مَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى‏ » (النجم:۵۳/۳) بنصّ القرآن ، فيكون ما جاء به مستنداً إلى الوحي ومأخوذاً منه.

وطريق الوصول إليها ، لابدّ أن يكون كذلك معلوماً ، ثابتاً ، كي تترتّب عليها الأحكام الثابتة ، وإلّا لكانت النتيجة تابعة للطريق ، فلو كان ظنّياً كان الحكم المأخوذ منها ظنّياً كذلك ، لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين كما ثبت في محلّه.

ومن المصادرة على المطلوب القول: بأنّ قطعيّة الحكم لا تنافي ظنّية الطريق ، لأنّ لازم ذلك حصول القطع عن أمر ظنّي وهو محال ، كما أنّ ذلك يبتني على نظرية تصويب المجتهد ، وهي نظرية غير ثابتة.

وأمّا قولنا بلزوم كون الطريق على الحكم مجزوماً به ، فمبني على لزوم العلم بما هو «دينٌ» لأنّ الإسلام حقٌّ ، والحقّ لا يثبت إلّا بالعلم ، كما أسلفنا.

نعم لا ينافي هذا الرأي القول بمعذورية من لم يتمكّن من العلم في بعض المسائل ، لبعده عن مراكزه ، أو لقصورٍ في المدارك والمداليل ، أو لوجود شبهة عنده ، كما هو الحال بالنسبة إلى المجتهد الذي يبذل جهده في تحصيل الأدلّة وتنقيح المداليل ، ولا يصل إلّا إلى ما يظنّه من الحكم.

فإنّ المعذّرية ، يتساوى فيها هذا والجاهل المطلق بالتكليف ، ولو امتاز المجتهد بسقوط التكليف والإجزاء ، بالنصوص الخاصّة ، لكن هذا لا يمثّل «الحقّ» الذي هو الدين ، الذي ينسب إلى اللَّه والرسول ، بالقطع واليقين.

نعم هو وسيلة للخروج عن الحيرة في العمل فعلاً ، وهو أمر ضروري لملئ الفراغ في الذمّة من الحكم لا إثبات له واقعاً ، ولعلّ هذا هو المراد من قطعية الحكم عند القائلين بأنّ ظنّية الطريق لا تنافي قطعية الحكم ، يعني تعيّن الحكم كتكليف فعليّ ، وإلّا فإنّ من غير الجائز الحكم بكونه حكماً إلهياً قطعياً.

وقد التزم الإمامية ، بهذا الأصل ، فقالوا في ما لا يفيد اليقين من الروايات والأحاديث – كخبر الواحد – إنّه لا يُفيد علماً ولا عملاً (۴) .

ووافقهم على هذا بعض العامّة ، حيث لم يعتمدوا إلّا على الأحاديث المعلومة الثبوت ، دون الظنّية.

والحاصل: إنّ أدلّة الدين ، لابدّ أن تكون قطعية ، كما هو الدين في وجوده واستمراره ، ولا يمكن أن يعتمد القطعي على أساس الظنّ وغير العلم.

وإلّا؛ لعاد ظنّاً مثل دليله ، وهو باطل بالإجماع.

مع أنّ الشريعة ، تثبت من القرآن – في أُصولها العامّة – وهو كما سبق قطعيّ ، فما يثبت من السنّة – وهي وحيٌ أيضاً – لابدّ أن يكون مثله ، حتّى تتكافأ الأدلّة على الموضوع الواحد.

وأمّا ما يقال من كون الدلالة في كلا النصّين: القرآن والسنّة ، أمراً ظنّياً ، لوجود الاختلاف الواسع فيها بين الأعلام .

فالجواب عنه: إنّ هذا يدخل في مسألة القصور عن الوصول إلى الواقع ، وهو موجب للعذر قطعاً ، لكنّه لا يوجب كون ما يصل إلى المستدلّ هو الدين الإلهي الواقعي.

بينما المفروض وجود الإسلام ، ديناً إلهياً واقعياً ، مستمرّاً خالداً ، في القرآن والسنّة.

فإن دلّ هذا على شي‏ء فإنّما يدلّ على نقصٍ في الطرق الملتزمة ، والمبتناة على غير العلم ، ممّا أدّى إلى الوقوف على ساحل الظنّ وغير العلم.

فلابدّ من الالتزام بما عيّنه اللَّه والرسول ، لهداية الأمّة أبدياً ، وبما لا ينقطع منذ عهده إلى يوم القيامة ، وذلك ما أعلنه في حديث الثقلين المتواتر بين المسلمين (۵) .

والحاصل: إنّ المصادر للفكر الإسلامي – عقيدة وشريعة – لابدّ أن تكون علمية موثوقة ، كما هو أصل الدين ، معتمداً على اليقين.

وقد خالف الحشويّة في هذا ، في ما يرتبط بالحديث ، وبالقرآن.

فما هي مواقفهم

موقفهم من الحديث الشريف : ما هو الخبر الواحد ؟

قال الباقلّاني: إنّ الفقهاء والمتكلّمين قد تواضعوا على تسمية كلّ خبرٍ قَصُرَ عن إيجاب العلم بأنّه «خبرٌ واحدٌ » .

وسواءٌ عندهم قول الواحد أو الجماعة التي تروي ذلك الواحد (۶) .

فالوحدة المأخوذة في اسم «الخبر الواحد» ليست قيداً في مقابل الكثرة للرواة ، إذن ، وإنّما هي لمجرّد التسمية فقط ، والمهم في الخبر الواحد ، هو قصوره عن إفادة العلم ، كما سنعرف في حكمه.

فما كان من الخبر موصوفاً بعدم إفادة العلم ، والقصور عنه ، فهو خبر واحد ، حتّى لو كان له رواة أكثر من واحد.

والسبب في عدم إفادته العلم أنّ احتمال الصدق والكذب ، الذي يلازم الخبر لذاته ، موجود في ما يسمّى خبراً واحداً في طرفي وجوده وعدمه ، ومع هذا الاحتمال لا تنتفي الشبهة ، فلا يرتفع الخبر إلى مرحلة العلم الذي يقتضي الجزم بطرف ما – وهو المعلوم – ونفي سائر الاحتمالات.

وهذا المعنى هو الذي صرّح به أبو حنيفة في قوله: إنّ خبر الواحد لا يوجب علم اليقين ، وإنّما يوجب العمل تحسيناً للظنّ بالراوي ، فلا تنتفي الشبهة به (۷) .

فحتّى القول بالعمل بالواحد تعبّداً ، فإنّ ذلك لا يرفع الواحد إلى مرتبة العلم واليقين ، لبقاء الاحتمال.

ولهذا القيد يخرج عن الواحد كلّ الأخبار التي تقترن بما يوجب العلم واليقين ، كالمعجزة في كلام الأنبياء عليهم السلام والحجّية القطعية في الخبر المجمع عليه دلالة ومضموناً ، فليست من الواحد المبحوث عنه اصطلاحاً ، وإن كانت مرويّة عن واحد من الرواة.

حكم الخبر الواحد

وقد اختلف العلماء في حكم الخبر الواحد ، بعد الاتّفاق على تعريفه السابق؛ بين من أبقاه على أصل عدم إيجابه العلم ، ويتبع ذلك عدم إيجابه العمل ، لأنّ العمل في الشريعة لابدّ أن يركن إلى ركن وثيق وعماد من العلم واليقين ، لأنّه الدين ، كما أصّلنا في الأصل السابق (۸) .

وهذا الرأي هو الذي عليه علماء الشيعة ، الذين أعلنوا في كتب الكلام والأُصول والفقه عن مقولة: « إنّ الخبرَ الواحد لايُوجبُ عِلْماً ولا عَمَلاً » (۹) .

أمّا في باب ما يلزمه العلم ، كالعقائد والموضوعات الخارجية ، كالتاريخ وغيره ، فإنّ من الواضح عدم إمكان اعتماد غير العلم طريقاً للوصول إليها ، إذ الآثار المترتّبة إنّما تترتّب على واقعها ، الذي لا يمكن الوصول إليه إلّا بانكشافه وثبوته بنحو قطعيّ ، فالنار – مثلاً – لا تُحرقُ إلّا بواقعها ، لا بمجرّد فرضها أو الظنّ بها أو تخيّلها ، فكذلك ترتيب آثارها الواقعيّة لا يمكن إلّا بالعلم واليقين بها.

والمطلوب في العقائد هو الواقع ، لا التعبّد ولا التصوّر الظنّي ، كما ثبت في محلّه في علم الكلام.

وأمّا الأخبار الواردة في مجال العقائد ، والمروية عن الرسول صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام ممّا يحتوي على أدلّة العقائد بشكل مفصّل: فالاعتماد عليها وتناقلها ، لا يعني إطلاقاً الاستدلال بها ، كأخبار آحاد ، وإنّما هي للاسترشاد بها إلى ما فيها من الأدلّة والجهود الموصلة إلى القناعة العقلية للمطّلع عليها ، وليس استناداً إلى ما فيها من دون اقتناع أو تفكير ، لا بمجرّد التعبّد والتقليد والتبعيّة.

وهي – مع ذلك – كنزٌ فكريّ ، يدلّ على عمق العملية العقلية الاستدلالية في القِدَم ، بشهادة التراث العقيدي العظيم.

فليس الاستناد إليها ، استناداً إلى أخبار الآحاد ، كما قد يتخيّل.

وكذلك في مقام العمل ، وأحكام الشريعة التي يقصد منها العمل والتطبيق: فبناءً على ما يراه الشيعة: فإنّ أدلّتها لابدّ أن تكون علمية ، ولا يجوز الاعتماد فيها على خبر واحد ظنّي ، لما ذكرناه من أنّ الحقّ ، لابدّ أن يكون معلوماً ، حتّى يتعلّق به التصديق القطعيّ ، وإلّا لم يكن إلّا ظنّاً لا يغني من الحقّ شيئاً، كما نصّ عليه القرآن.

وأمّا الأخبار المعتمدة في الفقه ، والتي ظاهرها أنّها آحاد ، لكنّها ليست إلّا أخباراً موجبةً للعلم ، لما تحفّ بها من القرائن التي ترفع حكمها إلى ذلك ، فهي خارجة عن كونها «آحاداً» ظنّية ، وإنّما هي بحكم التواتر ، لما لحقها من التسالم والاتّفاق عليها ، باعتبارها الدين الموجود ، المتّصل النقل المجمع عليه بين أهل العلم والفقه ، إلى الشارع.

ولذلك اشترطوا في قبول الخبر أن يكون «مجمَعاً على نقله» وذلك يتمّ في صورة «عدم وجود معارضٍ أقوى منه» مع قبوله، وحينئذٍ لا يفرّق في ما يُقبل أن يجي‏ء من طريق واحد ، ولا في المرفوض قبوله أن يكون مرويّاً بطريقٍ أكثر من واحد.

كما لا يعتبرون في هذا الأمر النظر إلى أحوال الرواة ، لأنّ الاعتماد ليس على روايتهم الوحيدة ، وإنّما على الاتّفاق المذكور،كما هو الحال في الخبر المتواتر الذي لا عبرةَ – في الأخذ به – بحال الرواة واحداً واحداً.

وعلى هذا الأساس يعتمدون «المراسيل» المتّفق على الأخذ بها، لأنّ الإسناد مطويّ – حينئذٍ – في الاتّفاق المذكور، بل هو أساس العمل بها.

الموافقة مع هذا المبنى

وقد وافق بعض العامّة على هذا المبنى – وإن كان الرأي عند جمهورهم على خلافه -: فقد روي عن واصل بن عطاء (۱۳۱هـ) قوله: الحقّ يُعرف من وجوهٍ أربعة: كتاب ناطقٌ ، وخبرٌ مجتمع عليه ، وحجّة عقل ، وإجماع (۱۰) .

فهنا قد أدخل عنصر «الاجتماع على الخبر» قيداً لقبوله.

وقد ذكر القاسمي من المذاهب العامّية في خبر الواحد ما نصّه: مذهب يرى أنّ سنّة الآحاد قطعية الثبوت في «كلّ ما تلقّته الأُمّة بالقبول» وهو ما رجّحه الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (۱۱) .

أقول: وقد نقله ابن حزم عن أحمد ، والمحاسبي ، والكرابيسي ، والخطابي (۱۲) .

ونقله ابن كثير عن النووي قال: وقفت على كلام ابن تيمية مضمونه: أنّه نقل «القطع» بالحديث الذي «تلقّتْه الأُمّة بالقبول» عن جماعات من الأئمّة منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي. وأبي حامد الاسفراييني. والقاضي أبي الطيّب الطبري. وأبي إسحاق الشيرازي. وأبي صاعد. وأبي يعلى ابن الفرّاء. وأبي الخطّاب. وابن الزاغوني ، وأمثالهم من الحنابلة. والسرخسي من الحنفيّة.

قال: وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعريّة، وغيرهم.

قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف عامّة (۱۳) .

أقول: فقد جعلوا الآحاد موجباً «للقطع» بشرط «إجماع الأُمّة» عليه ، وهو أمر مسلّم لا خلاف فيه.

وذكر الباقلّاني – ذيل كلامه السابق – ما نصّه: وهذا الخبر الواحد لا يوجب العلم على ما وصفناه أوّلاً ، ولكن يوجب العمل إن كان ناقله عدلاً ، ولم يعارضه ما هو أقوى منه (۱۴) .

أقول: وهنا ترى اشتراط عدم المعارضة.

وقال أيضاً: إنّا نعمل بخبر الواحد في الشريعة إذا لم يُعارضه خبر يضدّ موجبه (۱۵) .

وقيّد «عدم وجود المعارض الأقوى» ينتهي إلى الاتّفاق على العمل بهذا الخبر الواحد ، وحينئذ يكون تسميته «واحداً» مخالفاً لما وصفه من كونه قاصراً عن إيجاب العلم ، لأنّ المفروض بعد تحقّق الاتّفاق عليه أنّه يوجب القطع كما ذهب إليه المحدّثون، حسب نقل القاسمي وابن حزم.

وحينئذٍ، يكون اشتراط عدالة الرواة وسائر أحوالهم ، أمراً مستدرَكاً لا حاجة إليه ، إلّا عند المعارضة، لغرض ترجيح أحد الخبرين، وإثبات كونه حجّةً بسقوط المعارِض سنديّاً ، وبقاء الآخر سالماً يدخل في ملاك المتّفق عليه .

وبهذا تبقى الحاجة إلى علم الرجال ، ماسّةً ، كما شرحنا في مباحثنا الرجاليّة.

موقف جمهور العامّة من خبر الواحد

وقد وافق جمهور العامّة على أنّ خبر الواحد لا يوجب العلم ، فلا يحتجّ به على ما يجب فيه العلم من الاعتقاد وغيره.

ولكنّهم خالفوا في إيجابه العمل ، فقال جمهورهم بذلك وأنّه موجب للعمل: قال ابن عبدالبرّ: أُصول العلم ، الكتاب والسنّة. وتنقسم السنّة قسمين:

أحدهما: إجماع ، تنقله الكافّة عن الكافّة ، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار ، إذا لم يوجد هناك خلاف.

ومَن ردّ إجماعهم فقد ردّ نصّاً من نصوص اللَّه ، يجب استتابته عليه ، ولإراقة دمه إن لم يتب ، لخروجه عمّا أجمع عليه المسلمون بسلوكه غير سبيل جميعهم .

والضرب الثاني من السنّة: خبر الآحاد ، الثقات الأثبات المتّصل الإسناد ، فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأُمّة ، الذين هم الحجّة والقدوة .

ومنهم من يقول: إنّه يوجب العلم والعمل جميعاً (۱۶) .

فالخبر المجمع عليه – وليس مراده المتواتر كما هو واضح – موجب عنده للقطع ، وهنا يتّفق مع الإماميّة.

وأمّا غيره فقد أوجب عنده العمل ، لا العلم.

ومعنى إيجابه العمل: أنّه متعبّد به شرعاً ، والمسلم مكلّف بالتزامه.

وقد أشبعوا البحث عن حجّية الخبر الواحد ، بالتفصيل في كتب الأُصول ، و أقدمهم تفصيلاً في الاستدلال لذلك هو الشافعيّ في‏كتاب «اختلاف الحديث » (۱۷) .

وقد تناقل عنه القوم استدلالاته تلك.

فقال الخطيب: استدلّ بالوقائع التي حدثت في زمان الرسول صلى الله عليه وآله حين كان يُرسل واحداً في قضيّةٍ ، فيُقبل قوله بلا نزاعٍ، كما أرسل عليّاً عليه السلام بتبليغ سورة براءة فقُبِلَ منه ، ولم يقل له أحدٌ: «أنتَ واحدٌ ، ولا تقوم عليَّ الحجّة بأنّ رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله بعثك إليّ…» وما يجوز هذا في شي‏ء قطعه عليه عليٌّ برسالة النبي‏ صلى الله عليه وآله بأن يقول: «لم أسمعه من رسول اللَّه ‏رحمهما الله ولم ينقله إليّ عددٌ ، أو لا أقبل فيه خبرك وأنتَ واحد» (۱۸) .

أقول: لاريبَ أنّ استدلاله إنّما ينصبُّ على إيجاب الخبر الواحد للتعبّد به ، لا أنّه موجب للقطع والعلم ، والتعبّد لا يتوقّف على القطع، بل قد يُنجّز فيه الاحتمال ، كما لو كان في الأُمور المهمّة ، كالأموال والأنفس والأعراض ، وما يوافق الاحتياط والحذر ، كما أنّ البحث ليس في ما تحتفّ به القرائن الخاصّة الدالّة على الحجّية ، فضلاً عن العلم ، كما أسلفنا ، فإنّ ذلك يخرجه عن كونه خبراً واحداً ، وقد يكون ذلك في المحتوى‏ والمؤدّى‏ والمضمون، الموجب لنفي الاحتمال.

وما كان يحمله رُسُل النبيّ صلى الله عليه وآله ما كان يخلو من واحدٍ أو أكثر من هذه القرائن.

والدليل على إرادة الشافعيّ الاستدلال بذلك على التعبّد لا على القطع: استدلالُه بتبليغ الإمام عليه السلام لسورة براءة من القرآن ، مع أنّ القرآن لا يثبت بخبر الواحد الخالي من القرائن.

فمقتضى استدلاله: إمّا التعبّد ، مجرّداً عن القطع ، أو القطع بما جاء به ، باعتبار عدم كونه خبراً واحداً لاحتفافه بالقرائن ، لإجماعهم على عدم ثبوت القرآن بالواحد المجرّد الظنّي ، كما سيجي‏ء.

وبما أنّ الشافعي بصدد إثبات حجّية خبر الواحد ، فمراده مجرّد التعبّد.

والحاصل: أنّ جمهور العامّة إنّما يقولون بحجّية خبر الواحد تعبّداً ، لإثبات الشرع به ، مع الإقرار بكون الطريق ظنّياً لا يوجب العلم ، ولا يرفع أصل الاحتمال ، كما قال أبو حنيفة: إنّ خبر الواحد لا يوجب علم اليقين ، وإنّما يوجب العمل تحسيناً للظنّ بالراوي ، فلا تنتفي الشبهة به (۱۹) .

ولهذا اشترطوا في حجّية الخبر الواحد شروطاً ترتبط بالرواة في سلسلة السند.

قال الخطيب: لا يقبل خبر الواحد حتّى تثبت عدالة رجاله ، واتّصال إسناده ، وثبوت العدالة أن يكون الراوي: بعد بلوغه ، وصحّة عقله ، ثقةً مأموناً ، جميل الاعتقاد غير مبتدع ، مجتنباً للكبائر ، متنزّهاً عن كلّ ما يُسقط المروءة من المجون والسخف والأفعال الدنيئة .

وينبغي أن لا يكون مدلّساً في رواية ، ويكون ضابطاً حال الرواية، محصّلاً لما يرويه.

ويكون شيخه الذي سمع منه على هذه الصفة ، وكذلك حال شيخ شيخه ، ومن بعده من رجال الإسناد إلى الصحابيّ الذي روى الحديث عن رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله.

فإذا كان في الإسناد رجلٌ ثبت فسقه ، أو جُهل حاله ، فلم يعرف بالعدالة ولا بالفسق؛ لم يصحّ الاحتجاج بذلك الحديث.

هذا الكلام في الحديث الذي اتّصل بسنده (۲۰) .

أقول: ولا شكّ أنّ الالتزام بهذه الشروط أو بعضها ، إنّما طريقها الظنّ وليس العلم ، فلا تكون حجّية الخبر الواحد ، إلّا أمراً ظنّياً لابتنائه على الأُمور الظنّية ، وهو على فرض صحّة التعبّد به ، ووقوعه ، ليس موجباً للعلم، وإنّما هو موجب لقطع العذر عند عدم العلم .

وبما أنّا أصّلنا أنّ الدين هو الحقّ ، فلابدّ أن يعتمد على العلم ، فليس هذا طريقاً للوصول إليه .

بل طريقه القطع والعلم الحاصل من الكتاب والسنّة المجمع عليها ودليل العقل والإجماع ، وهي الأُصول الأربعة المعروفة عند الأُصوليين ، والتي سلف أنّ بعض العامّة قد وافقوا عليها ، أو تنتهي كلماتهم إليها.

موافقة الكتاب

ويمكن أن نستدلّ – على أنّ الخبر الواحد بما هو لا يفيد العلم – بما ورد من أحاديث مستفيضة ، بل مجمعٌ عليها بين المسلمين ، وهي الدالّة على «عرض الحديث على الكتاب» والاعتبار في القبول بموافقته له وفي الردّ بمخالفته إيّاه (۲۱) .

والحديث المرفوع «فما أتاكم عنّي يوافق القرآن؛ فهو عنّي ، وما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس عنّي» قد رواه الشافعي في الأمّ (۲۲) وابن حزم (۲۳) .

وبالرغم من كثرة طرقه ونصوصه ، التي يعضد بعضها بعضاً ، فإنّهم قد تهافتوا عليه وحكموا بضعفه بل بوضعه (۲۴) وأنّه لم يثبت (۲۵) بل عن الخطابي: أنّه وضعته الزنادقة (۲۶) .

وظنّهم في الهجوم عليه أنّه يؤدّي إلى إبطال الحديث الذي تعتمد عليه شريعة الإسلام ، حيث أنّ أكثره غير موافق للقرآن ، إمّا من حيث التفصيل والإجمال، أو العموم والخصوص ، أو الإطلاق والتقييد ، وكثير منه ما لا ذكر له فيه ، فلو التزم بحديث العرض ، لما بقي من الحديث إلّا أقلّه ، ويبطل أكثره، وذلك هدم للدين !!.

وأنّ الموافقة لو كانت شرطاً والمخالفة مانعاً ، لما كانت حاجة إلى الحديث ، ولكان القرآن مغنياً عن الحديث ، وهذا يوافق مقولة: «حسبُنا كتابُ اللَّه» وهو من قول الزنادقة المريدين هدم هذا الدين.

نقول:

أوّلاً: إنّ الهدف من حديث العرض – المتّفق على روايته – هو رفع مقام السنّة إلى مقام العلم ، لا معارضتها ، وذلك؛ لأنّ السنّة بذلك ترتفع عن كونها ظنّية إلى مستوى الكتاب القطعيّ ، وإلّا لم يكن معنى للجمع والعرض والمقارنة بينهما؛ وهما من مستويين متفاوتين.

وثانياً: إنّ القرآن – كما هو معلوم لأهل العلم – إنّما بُيّن فيه كلّ شي‏ء ، بشكل القواعد العامّة ، والسنن الجامعة ، ولم يتعرّض للتفاصيل الجزئية ، وإنّما بيّن الأُصول الكبرى للدين عقيدة وشريعة، وأوكل البيان إلى الرسول صلى الله عليه وآله ولابدّ أن تكون البيانات موافقة للكلّيات القطعية الواضحة في القرآن ، لا معارضة أو منافية لها.

فما ورد في الحديث إذا كان داخلاً في الكلّيات ، فهو موافق للقرآن ، وإن احتوى على بيان وتفصيل ، ولا يعدّ منافياً ، والجزئيات التي لم ترد في القرآن ، لا تسمّى مخالفة ، بل هي موافقة لكونها من بيان الرسول صلى الله عليه وآله للقرآن ، وطاعته في ذلك هو ممّا أمر به القرآن .

والحديث المخالف لما ورد في القرآن – من الكلّيات – فهو معارضٌ مطرودْ مردودٌ ، لا يمكن الحكم بصدوره من الرسول صلى الله عليه وآله.

فلا توجب أحاديث العرض الاستغناء عن الحديث ولا إبطاله ، وإذا كان التفاوت بذلك الشكل لا يسمّى مخالفةً ، فالعامّ لا يخالف الخاصّ ، ولا المطلق يخالف المقيّد.

وأمّا مقولة: «حسبُنا كتابُ اللَّه » فهي شنشنة معروفة من أخزم ، وقد قالها مَنْ مَنَعَ تدوين السنّة بكلّ قوّة وشدّة ، حتّى أدّى إلى الريب فيه من قبل الملحدين (۲۷) .

فأحاديث العرض هذه ، قاعدة إسلامية هامّة ، تدلّ على أنّ الحديث والسنّة المأخوذة منه ، لابدّ أن تكون في الثبوت بمستوى القرآن الكريم في إيجاب العلم ، حتّى تعرض عليه وتقارن به ، لتصحّ كونها مصدراً للتشريع في امتداده وعرضه ، ولا يكون الحديث بهذا المستوى إلّا إذا كان موجباً للقطع والعلم ، وليس هو إلّا المجمع عليه ، والمتسالم على قبوله ووروده ، وليس مجرّد الخبر الواحد الظنّي الذي لا يغني عن الحقّ شيئاً.

والعجب من العامّة ، الذين يهاجمون أحاديث العرض هذه ، مع أنّ كبراءهم قد أُثر عنهم مثل ما احتوته: فعن مالك بن أنس أنّه قال: إنّما أنا بشر أُخطئ وأُصيب ، فانظروا في رأيي ، فكلّما وافق الكتاب والسنّة فخذوا به ، وكلّ ما لم يوافق الكتاب والسنّة فاتركوه (۲۸) .

وعن الشافعي أنّه قال في اختلاف أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله: أصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنّة أو الإجماع … (۲۹) .

وعن أحمد بن حنبل أنّه قال في اختلاف أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والتابعين: فإذا اختلفوا: نظر في الكتاب ، فأيّ قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به ، أو كان أشبه بالسنّة أي بقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أُخذ به ، وترك ما أحدث الناس من بعدهم (۳۰) .

فما هو تفسير الموافقة والمخالفة هنا ؟.

وما هو معنى الأخذ والترك هنا ؟.

لابدّ أن يفسّر بما لا يخرج صاحبه عن أصل الدين ، ولا نسبة هؤلاء إلى الزندقة ؟

وكذلك ما ورد من أنّ الخبرين إذا اختلفا ، فلابدّ أن يكون أحدهما موافقاً للحقّ والآخر مخالفاً ، فالميزان في الترجيح هو العرض على كتاب اللَّه فما وافق أُصوله فهو الحقّ الذي تأخذونه ، وما خالفه فاطرحوه ، أو اتركوه ، أو ردّوه.

إنّ هذا الميزان من أقوم الطرق للخلاص من الريب الموجود في أخبار الآحاد ، ورفع للخبر الواحد الموافق ، إلى مستوى العلم الموجود في الكتاب ، فهو دعم وتأييد للخبر والحديث والسنّة ، لا كما يوهمه الحشوية ! .

وهذا الميزان العادل ، بعد فهم معناه ، والتأكّد من صدقه وعدله ، يجري على كلّ حديث حتّى لو كان متفرّداً ولوحده ، فإنّ الحقّ واحد.

موقف الحشوية من الخبر الواحد

لقد خالف الحشوية – على طريقتهم – جميع العقلاء في هذه المسألة أيضاً ، فقالوا: إنّ الخبر الواحد يفيد العلم والعمل.

فذهب بعضهم إلى أنّه يفيد العلم اليقينيّ ، وهو مذهب داود الظاهري، والحسين بن عليّ الكرابيسي ، والحارث بن أسد المحاسبي ، وحكاه بعضهم عن مالك.

وهو الذي اختاره وذهب إليه ابن حزم ، فقال في الإحكام: إنّ خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يوجب العلم والعمل معاً (۳۱)

قال ابن كثير: وقد خالف في هذه المسألة النووي في التقريب (۳۲) .

وسبق أنّ هؤلاء وغيرهم إنّما قالوا بإيجاب الخبر الواحد للعلم في صورة واحدة وهي «أن تكون الأُمّة قد تلقّته بالقبول » .

وقد علّقنا هناك أنّ الخبر بهذا القيد يخرج عن كونه واحداً ، ويلحق بالمتواتر حكماً ، لخروجه عن تعريف الواحد المقيّد بكونه « لا يفيد العلم » .

ونسب إفادة الخبر الواحد للعلم إلى جماعة:

قال القاسمي: ومنهم من قال: «إنّه يفيد العلم اليقيني» كابن الصلاح في علوم الحديث (۳۳) وابن كثير في مختصر علوم الحديث (۳۴) وابن تيمية في مختصر الصواعق (۳۵). نقل القاسمي ذلك عن إعلام الموقعين عن ربّ العالمين (۳۶) .

ولو صحّت النسبة المذكورة ، فنقول:

أوّلاً: إنّ هذا الرأي ، مع مخالفته لجمهور المسلمين من الشيعة والعامّة ، فإنّه دليل على بُعد الحشوية عن الفهم ، لأنّ المراد بالعلم واليقين ، هو كون الأمر معلوماً لا يحتمل خلافه ، والخبر الواحد ليس كذلك ؛ لأنّ احتمال الصدق والكذب فيه مأخوذ في حقيقته وتعريفه ، ولو فرض كون خبرٍ ما خالياً عن هذا الاحتمال فهو خارج عن كونه خبراً واحداً.

فجمعهم بين الأمرين: – كونه خبراً واحداً ، وكونه موجباً للعلم – تناقض واضح يفهمه كلّ عاقل ملتفت إلى ما يقول؛ ولو كان من صغار الطلبة.

وثانياً: إنّ المعلوم اليقيني يتوقّف على مقدّمات كلّها علمية ، وليس الخبر الواحد كذلك ، لتدخّل عوامل كثيرة وشروط عديدة ، أكثرها بل كلّها لا تأتي بطريق العلم ، ويكفي واحد منها لكون النتيجة ظنّية ، فكيف يأتي العلم ، ومن أين ؟

وثالثاً: إنّ الظاهر أنّ الحشوية ، وكعادتهم ، لا يريدون بهذه الكلمات ما هو المتعارف والمصطلح لدى أهل العلم والعقلاء والفقهاء ، وإنّما يقصدون إلى أشياء أُخرى ، ولكنّهم يجادلون في هذه الأسماء لعدم الفهم والمعرفة بطرق البحث العلمي.

فإن كان مرادهم بالعلم مطلق المعرفة الشرعية ، والمسائل المأخوذة من الشرع والتي يتمّ بها العذر للمسلم في سقوط تكليفه وأدائه ، ومرادهم بالخبر الواحد هذا المرويّ في تراث المسلمين ، ممّا تمّ اتّفاق المسلمين ، أو الطوائف عليه ، واتّخذوه ديناً وشرعاً .

فمن المعلوم أنّ البحث في كلا المجالين المذكورين خارجٌ من الخبر الواحد المصطلح .

وإلّا ، فلو كان مرادهم الخبر الواحد المصطلح ، فدعواهم حصول العلم بها مجازفة بيّنة ومنافية للوجدان ، ومخالفة للعقل البالغ ، إذ لا يمكن دفع احتمال الخطأ عن الخبر ، ولا نفي مخالفه ، إلّا إذا قلنا بعصمة الرواة!.

ومن المعلوم أنّ الحشوية لا يقولون بعصمة الأنبياء، فكيف يقولون بعصمة الرواة؟.

فإن تأبّوا عن عصمة الرواة ، فهو ما لا يريدون الاعتراف به من كون أخبارهم محتملة للصدق والكذب والخطأ والوهم ، أو الصحّة ؟ فهي ليست من المعلوم اليقيني ، إذا كان خبراً واحداً ! كما يدّعون.

وقد أوغل في التعنّت المقبليّ في قوله: وما أحسن جواب بعض المحدّثين – وقد سئل عن أحاديث الصفات – فقال: رواها الذين رووا لنا الصلاة والزكاة وسائر الشريعة ، والواجب تسليم ما صحّ ، وما اشتبه معناه رددناه إلى اللَّه سبحانه.

يقول: ولا يغرنّك قولهم: «آحادي فلا تقبله في مقابلة العقل» لأنّ ما رواه الثقات مقبول ، وإلّا أطرحنا أكثر الشريعة.

ويقول: والدليل على قبول الآحاد شامل لكلّ الدين ، والتفرقة جاءت من قبلهم ، لا من قبل اللَّه ورسوله ، إذ العقل قد فرضنا أنّه لم يدرك حقيقة ذلك ، فكيف يقال: إنّه مصادم (۳۷) .

أقول: ما أقبح هذا الجواب ، لأنّه مبنيّ على المصادرة :

إذ قوله: «والواجب تسليم ما صحّ» وقوله «لأنّ ما رواه الثقات مقبول» هما شي‏ء واحد .

وكذلك قوله: «رواها الذين رووا لنا… سائر الشريعة» وقوله: «والدليل على قبول الآحاد شامل لكلّ الدين» تكرار واضح.

وأمّا قوله: «والتفرقة جاءت من قبلهم ، لا من قبل اللَّه ورسوله..» إلى آخره:

فجوابه:

أمّا أنّ العقل لا يدرك الشريعة ولا يحدّدها ، بل هي أُمور تعبّدية تعتمد على الورود من الشارع ؛ فصحيح ، ولذلك لا طريق لها إلّا النقل الثابت .

ولكن العقيدة ، لا يمكن صدقها بدون القناعة العقلية ، وإلّا لم ينعقد عليها القلب ، ولم يتعلّق بها التصديق ، لأنّ التقليد أمر ظنّي .

وكذلك الخبر – وإن وجب الالتزام به في الشرعيات – لكنّه لا ينتفي منه الاحتمال والشبهة ، لأنّه ظنّي ، وليس بموجب للعلم ، فلم يثبت به شي‏ء في ما طريقه العلم ، ولا يعني هذا بطلانه ، بل هو إذا صحّ يكون مرشداً إلى ما يحتويه من الأدلّة العقلية ، كما في الاستدلالات القرآنية المحكمة على المعارف الحقّة ، ممّا لم يحصل المراد منها إلّا بالاقتناع العقلي بها لا بمجرّد التسليم من دون فهم وتدبّر ، كيف وقد أمرت الآيات هي بالتعقّل والتدبّر ، فالقول بعدم إدراك العقل لمحتواها ، ولزوم الاتّباع لها ولو بغير اقتناع مناف لواقعها ومدلولها وأهدافها.

هذه مقالة حشوية العامّة.

ومثلهم حشوية الشيعة:

فقد اعتمدوا على أخبار الآحاد اعتماداً مطلقاً ، فقالوا: «إنّه ينبغي أن يُروى الحديث على ما جاء وإن كان مختلّ المعنى » .

وردّ عليهم الشيخ الطوسي بقوله: إنّ اللَّه تعالى دعا إلى التدبّر والتفقّه ، وذلك منافٍ للتجاهل والتعامي (۳۸) .

ومعنى قولهم: «على ما جاء» هو المنقول من العامّة من قولهم «ردّ الأحاديث إلى اللَّه سبحانه » .

وهؤلاء هم الذين نقل العلّامة الحلّي حولهم: الإجماع على أنّ الأخباريين من الإمامية لم يُعوّلوا في أُصول الدين وفروعه إلّا على أخبار الآحاد (۳۹) .

وقال المحقّق الحلّي: أفرط الحشوية في العمل بخبر الواحد ، حتّى انقادوا لكلّ خبر وما فطنوا ما تحته من التناقض.

فإنّ من جملة الأخبار قول النبي صلى الله عليه وآله: «ستكثر بعدي القالة عليَّ» وقول الصادق‏ عليه السلام: «إنّ لكلّ رجل منّا رجلٌ يكذب عليه».

واقتصر بعض عن هذا الإفراط ، فقال: «كلّ سليم السند يعمل به » .

وما علم: أنّ الكاذب قد يلصق ، والفاسق قد يصدق !

ولم ينتبه: أنّ ذلك طعن في علماء الشيعة ، وقدح في المذهب ، إذ لا مصنّف إلّا وهو قد يعمل بخبر المجروح، كما يعمل بخبر الواحد المعدّل.

وأفرط آخرون في طرف ردّ الخبر.

وقصّر آخرون.

وكلّ هذه الأقوال منحرفة عن السنن ، والتوسّط أصوب الآراء .

فما قبله الأصحاب أو دلّت القرائن على صحّته عمل به ، وما أغمض الأصحاب عنه ، أو شذّ ، يجب اطّراحه (۴۰) .

وعلى الأساس المذكور – في اعتبار الحديث عند الإمامية – رفض المحقّق ما نقل عن الحشوية في الالتزام بعدد معيّن لأيّام شهر رمضان ، وهو ثلاثون يوماً، فقال : إنّ قوماً من الحشوية يزعمون أنّ شهور السنة قسمان: ثلاثون يوماً ، وتسعة وعشرون يوماً ، فرمضان لا ينقصُ أبداً ، وشعبان لا يتمّ أبداً ، محتجّين بأخبار منسوبة إلى أهل البيت‏ عليهم السلام.

يصادمها عمل المسلمين في الإفطار بالرؤية ، وروايات صريحة لا يتطرّق إليها الاحتمال (۴۱) .

قال الشيخ المفيد: وأصحاب الحديث ينقلون الغثّ والسمين، ولا يقتصرون في النقل على المعلوم ، وليسوا بأصحاب نظر وتفتيش ، ولا فكر في ما يروونه وتمييز ، فأخبارهم مختلطة لا يتميّز منها الصحيح من السقيم إلّا بنظر في الأُصول ، واعتمادٍ على النظر الذي يوصل إلى العلم بصحّة المنقول.

وقال: وإن كان في جملة ما نقل أصحاب الحديث ما هو معلوم ، لم يتميّز لهم ذلك ، لعدولهم عن طريق النظر فيه ، وتعويلهم على النقل خاصّة ، والسماع من الرجال ، والتقليد ، دون النظر والاعتبار (۴۲) .

وأوغل كذلك في القول الفيض الكاشاني ، إذ قال: كانوا لا يعتقدون في شي‏ء من تفاصيل الأُصول الدينية ، ولا يعملون في شي‏ء من الأحكام الشرعية إلّا بالنصوص المسموعة من أئمّتهم عليهم الصلوات ، ولو بواسطة ثقة أو وسائط ثقات ، وكانوا مأمورين بذلك من قبل أُولئك السادات.

ولا يستندون في شي‏ء منها إلى تخريج الرأي بتأويل المتشابهات ، وتحصيل الظنّ باستعانة الأُصول المخترعات الذي يسمّى بالاجتهاد.

ولا إلى اتّفاق آراء الناس الذي يسمّى بالإجماع ، كما يفعل ذلك كلّه الجمهور من العامّة (۴۳) .

أقول: فكلّ هذه الدعاوي من المجازفات:

فاعتماد علماء الشيعة منذ عصور الأئمّة عليهم السلام في مسائل العقيدة ليس إلّا على أدلّة العقول، مع الاسترشاد بما ورد في النصوص من الأدلّة المحكمة ، من دون أن يعتمدوا على مجرّد النصّ والتعبّد به للاعتقاد بأصل اعتقادي ، سوى ما لا يعرف له واقع إلّا من خلال النصّ ، كتفاصيل يوم المعاد والآخرة ممّا لا طريق لمعرفته إلّا الغيب ، ولا طريق للعقل إلى دركه ، لأنّه جزئيات خاصّة ، وهو لا يدرك إلّا الكلّيات .

ومثل ذلك الشريعة والأحكام الفرعية الإلهية، حيث أنّ طريق معرفتها هو التعبّد وحده ، ولا مدخل للعقل في دركه.

فتسويته بين الأُصول الدينية ، وبين الأحكام الشرعية ، غير صحيحة ، للفرق الواضح بما ذكرنا.

وقوله: «بتأويل المتشابهات » :

إن أراد ما يرتبط بالاعتقاد ، فالاستدلال العقلي والالتزام بلوازمه وما يوصل إليه هو الطريق الوحيد للمعرفة فيها ، فتسميته ذلك (رأياً) غير مضرّ .

وإن كان مراده ما يرتبط بالشريعة ، بقرينة تسميته (رأياً) وتسميته الاستعانة بالأُصول (اجتهاداً) فالرأي وإن كان فيها باطلاً ، لأنّ دين اللَّه لا يقاس بالعقول ولا يلتزم بالآراء ، إلّا أنّ الاعتماد على الأُصول المقرّرة لا يسمّى تأويلاً ، وليس من الرأي الباطل ، بل هو تعيين للوظيفة المقرّرة شرعاً من خلال طيّ المسالك ، وطرق المدارك .

والأُصول المذكورة ليست إلّا مأخوذة من الأعراف في التعامل مع النصوص، وليس في اتّباعها إلّا سيراً على المألوف بين أهل اللغة والتفاهم.

وأمّا الإجماع ، فلو كان كاشفاً عن وجود المعصوم عليه السلام كإجماع الأُمّة من دون مخالفٍ فهو حجّة لاريبَ فيه ، بل ليس الخبرُ الواحد حجّة – عندنا – إلّا إذا تحقّق الإجماع على نقله وتداوله ، ليخرج من كونه واحداً ، ويكون بحكم المتواتر الموجب للقطع.

وقد فصّل واحد من كبار القدماء الرأي الواضح في ذلك ، في ردّه على العامّة ، وهو أبو القاسم الكوفي ، فقال:

إنّ الحشوية يزعمون: إنّ الحديث يثبت لهم من جهة ناقليه ، ويفسد عندهم كذلك من جهة ناقليه ، على قدر تزكيتهم الناقل وانحرافهم عنه ، من غير نظرٍ في معانيه ، ولا طلب لشواهد تصديقه وعلامات بطلانه.

وهذه حالة لا يرضاها إلّا قليل البصيرة ، ناقص التمييز والمعرفة ، زائل الفهم.

فأمّا نحن: فلا نعوّل على ذلك ولا نقتصر عليه دون الشواهد والعلامات والدلائل الواضحات الدالّة على تحقيقها أو بطلانها، إذ كان من يَظُنُّ به أمثالُنا الصدقَ قد يجوز أن يكذب بحالٍ من الأحوال الحقيقية ، وكذلك من يظنُّ به أمثالُنا الكذبَ قد يجوز أن يصدق بحال تقوم له في ذلك.

فلهذا – أو شبهه – لم نثق بإخراج خبرٍ ، ولا بحقيقةٍ ، من عدوٍّ ولا وليٍّ ، حتّى نعلم صحّته أو بطلانه ، بالشواهد اللائحة والأعلام الواضحة.

واتّبعنا في ذلك تأديب اللَّه عزّوجلّ من قائل ، إذ يقول: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا» وقال: «وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً » .

فأمرَ اللَّهُ أن يتدبّروا لكتابه ليتحقّق حقّه ، ويزول الخلاف فيه وعنه.

وإذا كان جميع أبواب الحقّ ووجوهه متّفقةً متّسقةً كان جميع أبواب الباطل وسبله متضادّةً مختلفةً.

وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله: «سيُكذب عليَّ ، فاعرضوا ما تحدّثوا به عنّي على كتاب ربّي ، فما وافق كتاب اللَّه فخذوه ، وما خالف كتاب اللَّه فانبذوه » .

والخبر: إنّ كتاب اللَّه مع أهل بيته مقروناً بهم لا يُفارقهم ، ولا يفارقونه ، فدلّ ذلك على أنّهم علماؤه، فوجب الرجوع إلى أهل بيته‏ عليهم السلام في تحقيق الأشياء .

إذ كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أمرنا أن نحقّق أخباره بكتاب اللَّه ، ولسنا نحيط بكتاب اللَّه علماً ، ولاشكّ في‏إحاطة أهل بيت رسول اللَّه‏ عليهم السلام بعلمه ،إذ قرنهم رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله به ، فأوجبنا عند ذلك: في كلّ ما نقل إلينا من أخباره رسول اللَّه صلى الله عليه وآله النظر والتمييز ، ليتحقّق لنا حقّها ويتّضح لنا باطلها.

ولو عوّلنا في ذلك على ما تذهب إليه الحشوية في الأخبار ، لقلنا: إنّ بلالاً مولى أبي بكر ، وعائشة ابنته ، ويجوز أن يُتّهم بلال في الميل إلى مولاه ، وتتّهم عائشة في الميل إلى أبيها ، ويبطل الحديث من هذه الجهة.

ولكن هذه الحالة لا نرضاها لأنفسنا (۴۴) .

ردود الفعل

لقد كان نتيجة هذا الإفراط من الحشوية في قبول الأخبار ، وعلى نهج الاعتماد على الإسناد فقط دون النظر إلى المتن ونقده ، ردود فعل عنيفة عند طوائف من العامّة قديماً وحديثاً ، أدّت إلى التفريط بالحديث الشريف بالإعراض عنه ، جزئياً ، أو كلّياً: فكان قديماً تفريط الحنفية – أتباع الإمام أبي حنيفة – في ترك الاعتماد على الأحاديث والاستناد إليها.

ولقد وجّه أهل المخالفون عامّةً ، والحشوية خاصّةً ، انتقادات عنيفةً على أبي حنيفة وأتباعه، في مسألة الحديث ، خلطوا فيها بين الحقّ والباطل ، على عادتهم في تجاوز الحدود والحقوق ضدّ من يعارضونه.

ومن قرأ ترجمة أبي حنيفة في كتاب «تاريخ بغداد» (۴۵) للخطيب البغدادي؛ يجد فيه العُجاب ممّا ملأه من التّهم والسُباب!.

ونقل عن مالك – إمام المذهب – قوله: ما ولد في الإسلام مولود أضرّ على أهل الإسلام من أبي حنيفة ، ونحوه عن الأوزاعي – رئيس المذهب البائد – (۴۶) .

وقال: كانت فتنة أبي حنيفة أضرّ على هذه الأُمّة من فتنة إبليس (۴۷) .

قال ابن خلّكان: ذكر [ الخطيب ] ما كان الأليق تركه والإضراب عنه (۴۸) والخطيب الذي أقدم على هذا هو شافعي المذهب.

وأمّا الحنابلة ، فقد كانوا ولا يزالون أشدّ وطأة وأقبح قيلاً في أبي حنيفة وأصحاب الرأي ، بل في أتباع المذهب الحنفي قاطبةً.

واتّهموه بردّ السنّة ، لعدم اعتماده على جلّ أخبار الآحاد ، حَذَراً من ضعف الآحاديّ ، لاحتمال الكذب فيه ، وهو ظنّي لا يصل إلى مرتبة العلم ، فكيف يكون مستنداً في علم الدين والشريعة ، الذي هو حقٌ معلوم فاتّهم بالزندقة ، بناءً على أنّ رفض تلك الأحاديث يؤدّي إلى ترك الدين وهدم أُسسه وأركانه.

وأجاب أبو حنيفة على هذه التّهم بما نصّه: أكُذّبُ هؤلاء!.

ولا يكون تكذيبي لهؤلاء وردّي عليهم تكذيباً للنبي صلى الله عليه وآله ، وإنّما يكون التكذيب لقول النبي صلى الله عليه وآله أن يقول الرجل: «أنا مكذّب لقول نبي اللَّه صلى الله عليه وآله».

فأمّا إذا قال الرجل: «أنا مؤمن بكلّ شي‏ء تكلّم به النبي ، غير أنّ النبي لا يتكلّم بالجور ، ولا يخالف القرآن » .

فإنّ هذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن ، وتنزيه له عن الخلاف على القرآن (۴۹) .

كما سبق نقل كلامه حول الخبر الواحد من أنّه لا يوجب العلم ، وأمّا التعبّد به فهو تحسيناً للظنّ برواته ولا ينتفي بذلك الشبهة عن الخبر ، فيبقى الخبر مشكوكاً في صدقه ، وإذا شكّ في الراوي ، لم يجز التعبّد به أيضاً.

واشتهر أبو حنيفة وأصحابه بأهل الرأي ، في مقابل أهل الحديث.

وقد تصدّى أصحاب أبي حنيفة للردّ على المزاعم التي تدّعي قلّة عناية أبي حنيفة بالحديث ، علماً ، وعملاً ، وأنّه لم يستند في الفقه إلى الحديث مع وجوده ، وإنّما اعتمد على الرأي ؛ فعملوا «مسانيد أبي حنيفة» (۵۰) جمع كلٌّ منهم الأحاديث التي رواها أبو حنيفة ، واستند إليها في فقهه.

قال فريد وجدي: المتأمّل في مدى الخلاف بين أهل الرأي بالقياس ، وبين أهل الحديث يرى البون شاسعاً.

ومع هذا فقد رضي المسلمون هذا الخلاف الجوهريّ بين الفريقين ، وخصّوا صاحب المذهب الأوّل – وهو فارسيّ الجنس ، وقليل الحظّ من العربية – بلقب: «الإمام الأعظم» واتّبعه أكثر المسلمين (۵۱) .

والمحيّر للعقل أنّ المسلمين اتّبعوا مذهب أبي حنيفة في القرن الثاني للهجرة ، ودعي هذا الإمام ليتولّى رئاسة القضاء في الدولة ! فأبى ، فتولّاها صاحبه أبو يوسف ، والمملكة الإسلامية في أوج عظمتها وسعتها !

ولمّا نبغ أهل الحديث في القرن الثالث بظهور مالك والشافعي وابن حنبل احترموا رأي أبي حنيفة ، ولم يرموه بما يرمي به المخالفون خصومهم (۵۲) .

لقد استولت عظمة أبي حنيفة – وكثرة الجمهور الذي اتّبعه من المسلمين في شرق بلاد الإسلام وغربه ، وميل الدولة إليه – على عقول مخالفيه ، وليس كما قال: «لم يرموه !» بل رموه ، لكن لم يصيبوه .

وهذا الخطيب البغدادي – وهو شافعي المذهب ويسكن في مركز الحنفيّة بغداد ، لم يقصّر في نقل ما يندى‏ له الجبينُ!.

لكن اتّباع الجمهور الأعظم لأبي حنيفة وقولهم برأيه جعل خصومه يخضعون للواقع المُرّ!.

فهل باستطاعتهم تكفير جمهور المسلمين الحنفيّة ! مع تصريحهم بالقول: الأوّلون ، وعلى رأسهم أبو حنيفة النعمان (ت ۱۵۰هـ) كانوا يرون الرأي والقياس الصحيح ، أولى بالاتّباع من الأحاديث التي رواتها آحاد ، ولم يصحّ عندهم من الأحاديث التي رواها جماعة – أي المتواترة التي لا عذر لأحد في الشكّ فيها – إلّا بضعة عشر حديثاً (۵۳) .

وبالرغم من أنّ هذا الرأي قد أثار كبار المحدّثين – أصحاب الصحاح والسنن – فتهجّموا عليه وعلى أصحابه ، كما يعرف من قراءة ترجمته في تاريخ بغداد للخطيب.

مثل ما فعل الترمذي في كتابه: قال الشيخ سراج أحمد السرهندي في شرحه لجامع الترمذي: ما ترجمته: في ذكر المصنّف لفظ: «بعض أهل الكوفة»: يريد به الإمام أبا حنيفة رحمة اللَّه عليه ، وهذا غاية التعصّب منه في شأن الإمام‏الأعظم.

ذكر هذا الدكتور نور الدين عتر ، ثمّ علّق: لا يمنع ميله عن الحنفية ، وهذا أمر طبيعي بعد ما عرفنا وصف الحالة العامّة بين مدارس الاجتهاد ، وما كان بينهم من خلاف ، فمن الطبيعي جدّاً أن يظهر في فقهه (أي: فقه الترمذي) أثر مسلك شيوخه ، وعلماء الحديث – إجمالاً – لا يرتاحون إلى مسلك الكوفيين ، ومنهم الحنفية ، لإيغالهم في القياس والرأي ، ولشدّة تعمّقهم في الاستنباط وتفريع الفروع ممّا لم يألفه المحدّثون ، ولأنّهم كثيراً ما يكون عندهم في الحكم حديث يدلّ على ما ذهبوا إليه فلا يذكرونه في معرض الاحتجاج لتشدّدهم في الحديث ، ويبرزون الاستدلال بالرأي ، فيظنّ أنّه ليس عندهم حديث في المسألة.

فذلك ما يجعل الترمذيّ وغيره من المحدّثين ينحرفون عن الحنفية ومن سار على طريقتهم من أهل الرأي، ممّا جعل عناية الترمذي بفقهه أدنى وأقلّ من عنايته بفقه المجتهدين المنسوبين لأهل الحديث (۵۴) .

وقال الحجوي (۵۵): إنّ الخلاف في التحقيق إنّما هو في بعض الجزئيات ، يثبت بها الأثر عند الحجازيين دون العراقيين ، فيأخذون به ويتركه الآخرون ، لعدم اطّلاعهم عليه ، أو لوجود قادحٍ عندهم، ولقلّة بضاعتهم في الحديث، وبعدهم عن موطنه ، وتحرّجهم من الأخذ بأحاديث الآحاد خشية أن تكون موضوعة ، اتّجهوا إلى الرأي ، فقدّموا القياس على خبر الواحد – أحياناً ! – وكان من منهج فقهاء هذه المدرسة أنّهم كانوا يتهيّبون رواية الحديث ورفع سنده للرسول ، مخافة أن يكون من الأحاديث الموضوعة.

وكانوا مع هذا لا يتهيّبون الفتيا ، فيفتون في كلّ ما يوجّه إليهم ، دون نظر إلى أنّها مسألة واقعية أو افتراضية (۵۶) .

ومهما كانت هذه التبريرات حقيقية ، أم تزلّفاً إلى ملايين الحنفية في العالم؟.

وبقطع النظر عمّا بينها من التهافت والتنافي ، أو ما فيها من رائحة الاعتراض والتهديد أو الإهانة ؛ فإنّ الحنفيّة لم يأبهوا بشي‏ءٍ من ذلك .

يقول اللكهنوي: إنّ كثرة الرأي والقياس دالّة على نباهة الرجل ، ووفور عقله عند الأكياس ، ولا يفيد العقل بدون النقل ، ولا النقل بدون العقل (۵۷) .

وهذا تعريض بالحشويّة الذين حصروا الأمر بالنقل المجرّد عن كلّ إدراك عقليّ أو جهدٍ فكريّ.

وبين هذه المهاترات والاتّهامات والتعريضات ، نجد الموقف الحميد لدى الأمجاد من الشيعة الإمامية ، فتراهم يرفضون كلّ تلك التصرّفات المخالفة للذوق والوجدان والأخلاق .

فهذا السيّد ابن طاوس الحلّي (ت‏۶۶۴هـ) يقول: وأمّا أصحاب أبي حنيفة وأتباعه ، ومن تقدّم منهم أو تأخّر من المعتزلة ، فقد ذكر أبو منصور ، عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي ، في كتاب «فضائح المعتزلة» وكتاب «الفرق بين الفرق» (۵۸) عنهم أُموراً عظيمة. فإن كانت كما ذكره فهي من أعظم الفضائح في الإسلام ، وأتمّ القبائح عند اللَّه وعند الأنام.

وذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» من طعون أبي حنيفة وفضائحه ما هتك مستورات مذهبه (۵۹) .

وذكر – أيضاً – الجويني في كتاب «مُغيث الخلق في معرفة الأحقّ» طعوناً كثيرة على أبي حنيفة المذكور ، مَن أراد الوقوف عليها فليراجع الكتاب المذكور (۶۰) .

ثمّ عبّر السيّد ابن طاوس عن موقفه ، فقال: وأمّا أنا ، فلا أشهد عليهم بها جميعاً ، لأنّني وقفت على كتبهم ، ولقيت علماءهم فرأيتهم يذكرون من صفات اللَّه وتوحيده ، وتنزيهه ما تشهد به العقول الصحيحة ، لكن ذكروا عن الأنبياء وأئمّتهم أُموراً قبيحة (۶۱). فبالرغم من اختلاف المذهب والمشرب والمنهج ، فإنّ السيّد ابن طاوس من كبار علماء الشيعة الإمامية يقف هذا الموقف المشرّف من كلّ التّهم والنسب غير اللائقة التي يكيلها علماء المذاهب السنّية المالكية والشافعية والحنبلية على أبي حنيفة ومذهبه وتابعيه.

ومع ذلك ، فإنّ الدكتور محمّد سلام مدكور يجعل لائِمَةَ إنكار الاحتجاج بالسنّة على الرافضة ، فيقول: إنّ من غلاة الرافضة مَن ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنّة غير المتواترة بسبب الشكّ في طريقها ، وقد هاجمهم الشافعي هجوماً قوياً في كتاباته (۶۲). فهذا تحريف في الكلام:

فإنّ ما لم يتواتر ، وبالخصوص ما كان وارداً بالخبر الواحد ، لم يثبت كونه سُنّةً فليس عدم الاحتجاج بذلك ، إنكاراً للاحتجاج بالسنّة ! .

ثمّ إنّ الشافعي لم يُهاجم خصوص الرافضة ، بل هاجم كلّ من أنكر حجّية الخبر الواحد ، وفي مقدّمتهم أبو حنيفة وأتباعه ؟ فلماذا هذا التعبير ، وهذا التحريف.

ثمّ إنّ نسبة هذا الأمر إلى الرافضة ، نسبة باطلة ، ناشئة من عدم فهم منهجهم ورأيهم ، وهو: أنّ الحديث إذا لم يبلغ إلى درجة اليقين ، فإنّه لا يثبت به الدين ، والخبر الواحد المجرّد عن القرائن ظنّي لا يغني عن العلم ، نعم لو تمّ الاتّفاق على نقله ، وثبت على مدلوله الإجماع ، كان حجّةً لاريبَ فيها ، وهو بحكم المتواتر في قبوله.

وقد ثبت عندهم الاتّفاق على ما نقل بطرق الثقات – من رواة صحابة الرسول‏ صلى الله عليه وآله وأصحاب الأئمّة المعصومين‏ عليهم السلام – عندهم ، الآلاف المؤلَّفة من الأحاديث التي توافروا على نقلها وضبطوها في كتبهم منذ صدورها ، فإنّهم أوجبوا تدوينها ، ودوّنوها ، وهي عندهم مأثورة ، فكانت متّفقاً عليها ، ومعها قرائن الثبوت المؤدّية إلى خروجها عن كونها خبراً واحداً ، وأصبحت بحكم المتواتر.

ولذا يحتجّ الفقهاء الإمامية في كتبهم ب «إجماع الطائفة وأخبارهم» والعمدة في التزامهم ذلك: أنّ الشريعة دين لابدّ أن يستند إلى اليقين دون الظنون والأوهام والآراء ، كما أصّلنا في تمهيدنا لهذا الباب.

فمن أولى بالهجوم القويّ الذي كتبه الشافعي في كتاباته ؟ هؤلاء ؟ أم الذين لم يحتجّوا في كلّ الفقه إلّا ب (۱۷) حديثاً ؟ فقط (۶۳)؟.

أم الحشوية الذين اعتمدوا على ما هبّ ودبّ من أحاديث رويت بطرقهم المعلومة الحال ؟ وهل تظنّ أنّ الشافعي نجا بما فعل وقال ، من هجوم الحشوية عليه ؟.

إنّهم – ولاحتكارهم الدين والتوحيد والحديث لمذهبهم – لم يكتفوا بالهجوم على أبي حنيفة كما عرفت ، ولا على الشيعة ، بل قالوا في الشافعي ما نصّه: قال أبو حاتم الرازي: كان الشافعي فقيهاً ، ولم تكن له معرفة بالحديث (۶۴) .

ولعلّ هذا هو الذي ألجأ الشافعي أن يؤلّف هو – أو يؤلّف له أصحابُه – كتاباً باسم «مسند الشافعي». فليدافع عن نفسه قبل أن يهاجم الرافضة ! وما أصدق عليه قول الشاعر: «وما ظالمٌ إلّا سيُبلى‏ بأظلمِ » !

والمردود الثاني من فعل الحشوية وإفراطهم: هو تفريط العلمانية المعاصرة ، بالحديث الشريف ، كأصل معتمد في تحديد الشريعة. فقد شكّكوا في حجّية أخبار الآحاد على أساس: أنّها إذا كانت تشريعاً فهي مخالفة لأُصول التشريع ، إذ من بديهيات الأُمور في كلّ العصور ، وفي عصرنا هذا -: أنّ كلّ تشريع لكي يكتسب صفة الإلزام يجب أن يعلن على الناس لكي يلتزموا به ويعملوا بأحكامه ، ولا نفع في التشريع أن يبقى سرّاً ، لأنّ الغرض من كلّ تشريع هو إلزام الناس بما نصّ عليه من أوامر ونواهٍ ، وتحمّلهم المسؤولية في مخالفة أحكامه (۶۵) .

ومع أنّ هذا الكلام يحتوي على ثغرات ، فإنّه كلمة حقّ يراد به باطل: فكون الشريعة عامّة مستمرّة دائمة خالدة ، يقتضي أن تكون مفرداتها معلومة عامّة ، لا خاصّة مظنونة ، وهذه هي الحقيقة التي أصّلناها في التمهيد السابق.

والخبر الواحد إذا كان غير مقترن بقرائن تدعمه ، وتبلغ به حدّ العلم ، كان كذلك غير مفيد لإثبات الشريعة ، لكن أخبار الآحاد في التراث الإسلامي ليست كلّها مجرّدة ، بل أكثرها مقترنةٌ بقرائن الإجماع بين الأُمّة تارةً ، أو الاتّفاق تارةً أُخرى ، ثمّ دعم‏إحداها بالأُخرى ممّا يشكّل كتلةً صالحة للعلم والاستدلال على‏التشريع والعمل. وعلى هذه الحال، فلا تبقى أخبار الآحاد خاصّةً ، ولا سرّاً ، بل هي عامّة معلنة ، لتؤدّي المطلوب من التشريع في تحمّل المسؤوليات. ثمّ إنّ شأن التشريعات – حتّى في العصر الحاضر – ليس الثبوت إلّا في مجالاتها الخاصّة وعند أهلها الخاصّين ، من أصحاب القانون والقوّة المقنّنة ، لا كلّ من هبّ ودبّ ، ولا في كلّ مكان، بل في محلّها الخاصّ وكتبها الخاصّة وجرائدها المخصوصة.

فوجود الأخبار عند أهل العلم بالشريعة ، ورواة الفقه ، وتدوينهم لها في كتبهم ، يفي بتحقّق ما يلزم من الإثبات الذي يساوي الإعلان بالشريعة.

وقد نهض بمشروع الحفاظ على ما يلزم من أدلّة الدين في أحاديثه نقلاً وتدويناً مَنْ نذر نفسه لذلك من طلبة العلم وحماة الدين من الصحابة والتابعين والأئمّة والفقهاء على طول التاريخ ، حتّى حرسوا هذا التراث الضخم الفخم من الحديث الشريف ، الذي يعتبر كنزاً عظيماً في عالم التشريع والفكر.

إنّ إغفال العلمانية لكلّ هذه الحقائق ، وضربهم على أوتار معيّنة في دراساتهم إنّما هي أساليب فاشلة ومفضوحة لضرب الشريعة الإسلامية وتزييفها ، وإخلاء العالم الإسلامي منها ، لإدخال التشريع الغربي وإحلاله محلّها.

ولقد كشفنا عن جانب من أغراض هؤلاء في ردّنا على كتاب (تدوين السنّة) لإبراهيم فوزي بعنوان: «تدوين السنّة أم تزييف الشريعة ؟» وهو منشور.

إنّ موقف الحشوية من الحديث أدّى إلى:

۱ـ إقحام مجموعة من الأفكار الخاطئة إلى الساحة الإسلامية ، ممّا أشغل الآخرين بالردّ عليها وتفنيدها ، وضياع الجهود الجبّارة حولها ، ولولا ذلك المنهج الخاطئ ، لكان المسلمون في غنىً عن كلّ ذلك.

۲ـ تشويه سمعة الدين ، ممّا أدّى إلى ردود فعل عنيفة عند جماعات من داخل الأُمّة ، أو تجرّؤ الأعداء من خارجها.

والتفريط بالحديث الشريف الذي هو وحيٌ إلهيٌّ وذخيرة نبويّة لهداية الأُمّة ، ودليل ساطع على أحقّية الإسلام في عالم الفكر والتشريع. للبحث صلة.

الهوامش :

۱ـ في العدد (۷) من هذه المجلّة ( علوم الحديث) (ص ۱۱ – ۶۵) بعنوان «الحشوية نشأةً وتاريخاً » .

۲ـ في العدد (۱۰) من هذه المجلّة ( علوم الحديث) (ص ۷ – ۷۵) بعنوان «الحشويّة آراء وملتزمات» وفي العدد (۱۲) (ص ۱۳ – ۹۴) بعنوان «الحشوية الأميريّون » .

۳ـ لاحظ مقال: «الثَقلان ودعمهما لحجيّة السنّة» في مجلة «علوم الحديث» العدد (۱) (ص‏۱ – ۳۷) بتصرّف .

۴ـ لاحظ مصادر هذه المقولة ، في المقال السابق «الثَقلان ودعمهما لحجيّة السنّة» في مجلة «علوم الحديث» العدد (۱) (ص‏۱ – ۳۷) .

۵ـ لاحظ المقالة السابقة.

۶ـ التمهيد للباقلّاني (ص‏۴۴۲) طبع مؤسّسة الكتب الثقافية.

۷ـ المبسوط للسرخسي (۳ / ۸۰) .

۸ـ لاحظ التمهيد في بداية هذا المقال.

۹ـ لاحظ مقال: «الثَقلان ودعمهما لحجيّة السنّة» في مجلة «علوم الحديث» العدد (۱) (ص‏۱ – ۳۷) .

۱۰ـ الأوائل للعسكري (۲ / ۱۲۴) قارن بفضل الاعتزال وطبقات المعتزلة (ص‏۲۳۴) .

۱۱ـ نقله القاسمي في (قواعد التحديث) (ص‏۸۷) عن (شرح النخبة) لابن حجر (ص‏۷) .

۱۲ـ الأحكام لابن حزم (۱ / ۱۰۸) .

۱۳ـ الباعث الحثيث (ص‏۳۴) .

۱۴ـ التمهيد للباقلّاني (ص‏۴۴۲) .

۱۵ـ التمهيد (ص‏۴۵۰) .

۱۶ـ جامع بيان العلم وفضله (۲ / ۳۴) .

۱۷ـ كتاب مطبوع مكرّراً ، ومنه طبعة في نهاية كتاب الأُمّ (الجزء۷) .

۱۸ـ الفقيه والمتفقّه) للخطيب (۱ / ۱۰۰ – ۱۰۱) .

۱۹ـ المبسوط للسرخسي (۳ / ۸۰) .

۲۰ـ الفقيه والمتفّقه) (۱ / ۱۰۳) .

۲۱ـ أحاديث العرض كثيرة جدّاً، إليك بعض مصادرها:

فرواه الإماميّة ، فلاحظ وسائل الشيعة (۲۷ / ۱۲ – ۱۲۰) وجامع أحاديث الشيعة (۱ / ۲۵۴) .

ورواه الزيديّة في: مسند شمس الأخبار (۱ / ۱۲۲) عن النبيّ‏ صلى الله عليه وآله: «إذا ورد لكم خبران مختلفان ، فما وافق كتاب اللَّه وسنّتي فخذوه وما خالف الكتاب والسنّة فاطرحوه». وقال الإمام يحيى الهادي إلى الحقّ: أجمعوا أنّ رسول اللَّه‏ صلى الله عليه وآله قال لهم: «فما جاءكم عنّي فاعرضوه على كتاب اللَّه ، فما وافق كتاب اللَّه فهو منّي وأنا قلتُه؛ وإن قالوا: لم يقله». تثبيت الإمامة (ص‏۴۹۴) من المطبوعة مع (المنتخب) لمحمد بن سليمان و(ص ۹) من طبعتنا في بيروت دار الإمام السجّاد عليه السلام عام ۱۴۱۹هـ .

ونحوه عن الطبراني في الكبير: «فما أتاكم من حديثي فاقرأوا كتاب اللَّه واعتبروه، فما وافق كتاب اللَّه؛ فأنا قلتُه ، وما لم يوافق كتاب اللَّه؛ فلم أقله» رواه الجلال في (كشف الأستار هامش شمس الأخبار) (۱ / ۲۲۲) ونحوه عن أُمّ ثوبان.

وعن ابن عساكر عن عليّ عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله : «ستكون عليَّ رواةٌ يروون الحديث ، فاعرضوه على القرآن ، فإن وافقت القرآن فخذوها ، وإلّا فدعوها » (كشف الأستار) (۱ / ۲۲۲) .

وقد ألّف الحجّة السيّد مجد الدين المويّدي كتاب (فصل الخطاب في حديث العرض على الكتاب) أوردناه في هذا العدد في ذخائر التراث الحديثي، لابدّ من مطالعته.

وأمّا العامّة ، فبالرغم من أنّهم ضعّفوه؛ فقد رووه ، وجمع السيّد الباحث الأديب عليّ حسن مطر الهاشمي ما ورد في طرقهم من ذلك، مع مناقشةٍ علميّة جادّة، في مقاله «المنشور في العدد (۱۷) من مجلّتنا هذه، كما كتب الأُستاذ المولوي داد كريم رسولي مقالاً طريفاً في هذا العدد بعنوان: «عرض الحديث على الكتاب والسنّة من قواعد الحديث و أُصول الاجتهاد» فراجع.

۲۲ـ الأمّ للشافعي (۷ / ۳۰۸) ولاحظ الرسالة (ص ۴ – ۲۲۵) تحقيق شاكر .

۲۳ـ لاحظ الإحكام لابن حزم (۲ / ۱۶ – ۸۲) .

۲۴ـ كشف الخفاء للعجلوني (۱ / ۸۶) .

۲۵ـ كشف الخفاء للعجلوني (۲ / ۴۲۳) .

۲۶ـ تذكرة الموضوعات؛ للفتني (ص ۲۸) طبع أمين دمج – بيروت .

۲۷ـ لاحظ التفصيل في كتابنا (تدوين السنّة الشريفة ) .

۲۸ـ جامع بيان العلم (۲ / ۳۲) .

۲۹ـ جامع بيان العلم (۲ / ۸۲) .

۳۰ـ طبقات الحنابلة (۲ / ۱۶) .

۳۱ـ الإحكام (۱ / ۱۱۹ – ۱۲۷) .

۳۲ـ الباعث الحثيث ( ص‏۳۳) .

۳۳ـ علوم الحديث لأبن الصلاح (ص‏۲۸) .

۳۴ـ الباعث الحثيث (ص‏۲۸) .

۳۵ـ مختصر الصواعق (۲ / ۳۸۳) .

۳۶ـ قواعد التحديث (ص‏۸۷) .

۳۷ـ تاريخ الجهمية للقاسمي (ص‏۴۹ – ۵۰) .

۳۸ـ التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي (۹ / ۳۰۱) .

۳۹ـ نقله (جامع المقال) للطريحي (ص‏۱۲) .

۴۰ـ المعتبر) (ص‏۲) والطبعة الحديثة (۱ / ۲۹) و(جامع المقال) (ص‏۱۴ – ۱۵) .

۴۱ـ المعتبر) ، كتاب الصوم، الطبعة الحديثة (۲ / ۱۸۸) .

۴۲ـ المسائل السروية) للشيخ المفيد (ص‏۷۳) المسألة الثامنة ، طبع مع المصنّفات (۷) .

۴۳ـ الوافي) (۱ / ۱۴) ط أصفهان .

۴۴ـ الاستغاثة) (ص‏۱۳ – ۱۴) والحديث الذي رواه بلال وعائشة هو حديث «صلاة أبي بكر» ، فراجع .

۴۵ـ في الجزء (۱۳) من طبعة مصر الأُولى .

۴۶ـ تاريخ بغداد) (۱۳ / ۴۱۵) وبداية الترجمة (ص‏۳۲۳) ورقمها ۹۲۹۷ .

۴۷ـ تاريخ بغداد) (۱۳ / ۴۱۶) .

۴۸ـ وفيّات الأعيان (۵ / ۴۰۵ – ۴۱۴) .

۴۹ـ العالم والمتعلّم) لأبي حنيفة (ص‏۱۰۰) تحقيق محمّد رواس قلعةجي وعبدالوهاب الهندي الندوي ، طبع حلب ، مكتبة الهدى عام ۱۳۹۲هـ .

۵۰ـ وهو يحتوي على (۱۷) مسنداً ، لسبعة عشر شخصاً ، طبعت في مجلّد واحد .

۵۱ـ وفعلاً أنّ الغالبية العظمى من العامّة يتمذهبون بالمذهب الحنفيّ مذهب أبي حنيفة. في الهند والباكستان والأتراك مطلقاً والعراق وقسم من أهل الشام وغيرهم من العلماء .

۵۲ـ الإسلام دين الهداية والإصلاح) (ص‏۷۱) ط ۱۳۸۹هـ مكتبة الكلّيات الأزهرية – القاهرة .

۵۳ـ المصدر السابق ، (ص‏۶۸) و(مقدّمة ابن خلدون) (ص‏۴۴۴) .

۵۴ـ الإمام الترمذي والموازنة…) (ص‏۳۴۴) نقلاً عن (شرح الترمذي) للسرهندي (ص‏۳۲۰) .

۵۵ـ الفكر السامي) (ص‏۹۵) .

۵۶ـ مناهج الاجتهاد) لمدكور (ص‏۱۲۱) .

۵۷ـ التعليق الممجّد على الموطّأ برواية محمّد) (ص‏۲۴) بنقل (مناهج الاجتهاد) (ص‏۱۲۵) .

۵۸ـ المطبوع من هذا الكتاب مفرّغٌ من هذا المعنى‏، ولعله اجتهاد لسدّ الذرائع .

۵۹ـ تاريخ بغداد) (۱۳) من (ص‏۳۲۵ – ص‏۴۲۶) رقم الترجمة (۷۲۹۶) .

۶۰ـ لاحظ (المصنَّف) لابن أبي شيبة ، الجزء (۶ /۲۷۱ – ۳۲۶) .

۶۱ـ الطرائف إلى مذاهب الطوائف) (۲ / ۵) ط بيروت .

۶۲ـ مناهج الاجتهاد (ص‏۲۲۷) .

۶۳ـ مقدّمة ابن خلدون (ص‏۴۴۴) .

۶۴ـ طبقات الحنابلة (۱ / ۲۸۱) رقم ۳۸۹ .

۶۵ـ تدوين السنّة لإبراهيم فوزي (ص‏۱۸۳) .