نظرة عامة إلى آيات الحجاب

الآيات الكريمة التي تتطرّق إلى موضوع لباس وحجاب المرأة نزلت في سورتي الأحزاب والنور.

ويجب الالتفات في هذا المجال إلى أنّه على أساس ترتيب التجميع وتدوين السور في المصحف الشريف، فإنّ سورة النور متقدّمة على سورة الأحزاب، ولكن من حيث ترتيب النزول، فإن سورة الأحزاب متقدّمة على سورة النور(1).

إنّ الالتفات إلى ترتيب النزول له دور مهمّ في دراسة آيات السورتين، وسنصل إلى نقاط مهمّة في هذا الصدد  سنشير إلى بعضها في المباحث الآتية.

ويجب التذكير أنّ السورتين مدنيّتان، ونستنتج أنّ كلّ الآيات المتعلّقة بالحجاب نزلت بعد الهجرة، وفي المدينة المنوّرة.

أمّا في موضوع بحثنا، فإنّه بادىء الأمر نبحث آيات الحجاب في السورتين بصورة إجمالية، وثمّ بمناقشتها على أساس ترتيب النزول  من المنظور الفقهي.

أ) آيات الحجاب في سورة الأحزاب

الآيات 53، 54، 55 و59 من هذه السورة المباركة تتعلّق بالحجاب، وهنا نبحثها بصورة ملخصة:

الآيات 53 و54:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا * إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}

هاتان الآيتان الشريفتان نزلتا بعد زواج الرسول الأكرم(ص) مع زينب بنت جحش، وفي وليمة أعدّها بنفس المناسبة(2).

ظاهر الآية يُفهم منها أنّ الله سبحانه وتعالى يقول للمؤمنين: إذا دعاكم الرسول(ص) إلى بيته، وإذا احتجتم شيئاً من بيته فأخبروا الرسول(ص) بذلك، وإذا حدث لكم أمر ضروري ولا يمكنكم إلّا أن تسألوا زوجات الرسول(ص)، فسألوهن من وراء حجاب، ويجب أن يكون بينكم وبين زوجات الرسول ستار أو حجاب عند أخذ ما تريدون.

ويقول الله عزّ وجل بعد ذلك: هذا النوع من الارتباط هو أطهر لقلوبكم وقلوب زوجات النبي، يعني أنّه يسبّب الطهارة لقلوبكم وقلوبهن.

الآية 55:

{لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}.

بعدما حذّر الله سبحانه في الآيتين السابقتين المؤمنين من المواجهة المباشرة مع زوجات الرسول(ص)، يستثني هنا سبعة فرق، ويسمح لزوجات النبي(ص) ملاقاتهم، ولا يُلزمهن التحدّث من وراء الستار والحجاب، وهذه الأصناف السبعة هي: الآباء، الأبناء، الإخوان، أبناء الإخوان، أبناء الأخوات، النساء ، وسنشير في المباحث الآتية إلى مقصود الآية من وما ملكت أيمانهنّ.

وعند تفصيل الآية، نبحث وندرس موضوعين بصورة مركّزة أكثر:

أوّلاً: هل أنّ الآية تختصّ بنساء زوجات النبي، أو أنّها لكلّ النساء المسلمات، وأنّ الرجال يجب أن يجعلوا بينهم وبين كلّ النساء غير المحارم ستاراً وحجاباً عندما يريدون منهنّ شيئاً، كالتحدّث وغيرها من الأُمور.

ثانياً: البحث اللغوي في الآية، سيّما البحث في لفظ >وراء<.

الآية 59:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}.

يأمر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة النبي(ص) أن يقول لزوجاته وبناته ونساء المؤمنين: أنّهن لو أردن الظهور بين الرجال، فيجب أن يُدنين عليهنّ من جلابيبهنّ.

المسألة المهمّة في هذه الآية معنى (الجلباب)، فبعضهم يقول أنّها بمعنى الوشّاح، وبعضهم يقول أنّها تعني القناع، وبعضهم فسّرها بأنّها العباءة، وسنبحث ذلك لاحقاً.

ب) آيات الحجاب في سورة النور

في هذه السورة توجد آيتان في الحجاب، وهما الآية 30 و31.

الآية 30:

{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}

الآية 31:

{وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

ــــــــــــــــــــ

بناءاً على الدراسات الخاصّة بترتيب نزول القرآن، فإنّ سورة الأحزاب هي السورة الثامنة والثمانين أو التاسعة والثمانين في القرآن الكريم، وسورة النور هي السورة الخامسة والتسعين أو مائة وواحد.

2ـ تفسير القمّي 2: 195.

بقلم: الشيخ محمد جواد الفاضل اللنكراني