مهدی

نظرة في أحاديث المهدي(ع)

وردت احاديث تنبىء بظهور رجل في آخر الزمان يقيم العدل ويحكم الناس بالشريعة، وسمي في بعض هذه الاحاديث بالمهدي، وكثيراً ما يتشوف الناس الى ان يقفوا على حقيقية هذه حقيقة هذه الاحاديث الواردة في شأنه، ويعرفوا موقعها من الصحة، ولا سيما عندما يقوم شخص يدعي المهدوية، او تحدث حادثة غريبة كحادثة هذه الايام، تدعو الناس الى اني يجعلوا لها نصيبا من الحديث في مجالسهم.

ذلك ما دعاني ـ بصفة اني كنت مدرساً للحديث وعلوم الحديث في كلية اصول الدين ـ الى ان اعرض في هذه المحاضرة ما وصل اليه بحثي، واستقر عليه نظري في هذه القضية، مستنداً الى القواعد الصحيحة التي تضع كل حديث موضعه، غير قابل عما يترتب على بعض الاعتقادات من فساد في العلم، او يجول في النفس من شبه يثيرها الوهم، فأقول:

الأحاديث النبوية في العلم، ما يسمى بالحديث المتواتر، وهو ما يرويه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، ومنها خبر الآحاد، وهو ما يرويه الثقة العدل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وما يدعو اليه الدين الحق: اما ان يكون أصلاً من أصول الدين، أي لا تتم حقيقة الايمان الا به، وهذا لا يحتج عليه الا بالحديث المتواتر ؛ واما أن يكون حكما عملياً، كأن يقال هذا واجب او حرام او جائز. وهذا موضع الاحتجاج بخبر الآحاد. ويلحق بالأحكام العملية في صحة الاحتجاج عليه بخبر الآحاد اشياء يخبر بها الشارع ليعلمها الناس من غير ان يتوقف صحة ايمانهم على معرفتها.

ومن هذا القبيل حديث المهدي، فاذا ورد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه واله وسلم بأنه سيقع في آخر الزمان كذا، حصل به العلم، ووجب الوقوف عنده من غير حاجة الى ان يكثر رواة هذا الحديث حتى يبلغ مبلغ التواتر.

والاحاديث الواردة في شأن المهدي على وجهين: احاديث صرح فيها بأسم المهدي كحديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه: ( المهدي مني أجلى الجبهة اقنى الأنف يملأ الارض قسطاً وعدلاً )، واحاديث لم يصرح فيها بهذا الاسم، وانما اشير اليه فيها بصفات خاصة كحديث: ( لو لم يبق من الدهر الا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً ).

ولم يرو في الجامع الصحيح للامام البخاري حديث في شأن المهدي، وانما ورد في صحيح مسلم حديث لم يصرح فيه باسمه، وحمله بعضهم على ان المراد منه المهدي المصرح به في غيره من كتب السنة ؛ وهو حديث جابر بن عبد الله الانصاري اذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ( يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعده عداً )، وفي رواية عن جابر وابي سعيد الخدري في مسلم ايضا: ( يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده ).

وقد روى احاديث المهدي المصرح فيها باسم المهدي او المشار فيها الى بعض صفاته بقية كتب الحديث، فرواها: الامام احمد بن حنبل والحاكم وابو داود والترمذي وابن ماجه والطبراني وابو نعيم وابن ابي شيبة وابو يعلى والدار قطني والبيهقي ونعيم بن حماد وغيرهم. وجمعت هذه الاحاديث في رسائل مستقلة، مثل: « العرف الوردي في اخبار المهدي » للسيوطي و« القول المختصر في علامات المهدي المنتظر » لابن حجر الهيتمي و « المورد الوردي في حقيقة المهذي » لملا علي قاري و « التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح » للشوكاني…

وأول من اتجه الى نقد احاديث المهدي فيما عرفنا ابو زيد عبد الرحمن بن خلدون، فقد ذكر في مقدمة تاريخه ان في الناس من انكروا احاديث المهدي وتكلموا فيها، واورد منها ثمانية وعشرين حديثاً.

وقد منعه ما اعتاده من تحقيق البحث في القضايا العلمية ان يحكم عليها كما يفعل غير اهل العلم بأنها غير ثابتة، بل تصدى الى نقدها بنقل ما قدح به اهل الفن في بعض رواتها، واورد من بينها حديث ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ( لا تقوم الساعة حتى تملأ الارض جوراً وظلماً وعدواناً، ثم يخرج من اهل بيتي رجل يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً )، وقال: هذا الحديث رواه الحاكم، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين ـ يعني البخاري ومسلماً ـ ولم يخرجاه، واورد فيها ما رواه الحاكم ايضا عن ابي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال: ( يخرج في آخر امتي المهدي يسقيه الله الغيث، وتخرج الارض من نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الامة، يعيش سبعاً او ثمانياً ) يعني حججاً. وقال الحاكم في هذا الحديث: صحيح الاسناد ولم يخرجاه، يعني البخاري ومسلماً.

ثم اعترف ابن خلدون بعد بأن بعض الاحاديث خلص من النقد اذ قال: فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان كما رأيت، لم يخلص منها من النقد الا القليل والاقل منه.

ونحن نقول: متى تثبت حديث واحد من هذه الاحاديث وسلم من النقد، كفى في العلم بما تضمنه من ظهور رجل في آخر الزمان يسوس الناس بالشرع، ويحكمهم بالعدل، اذ أريناك ان مسألة المهدي لم تكن من قبيل العقائد التي لا تثبت الا بالادلة القاطعة.

والصحابة الذين رويت من طريقهم احاديث المهدي نحو ( ۲۷) صحابياً رضي الله عنهم منه ابو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن ابي طالب، وابو هريرة، وانس بن مالك، وجابر بن عبد الله الانصاري، وام سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمار بن ياسر، والعباس بن عبد المطلب، وتميم الداري، وابن عباس.

والواقع ان احاديث المهدي بعد تنقيتها من الموضوع والضعيف القريب منه، فان الباقي منها لا يستطيع العالم الباحث على بصيرة ان يصرف عنه نظره، كما يصرفه عن الاحاديث الموضوعة.

وقد صرح الشوكاني في رسالته المشار اليها آنفاً بأن هذه الاحاديث بلغت مبلغ التواتر فقال: ( والاحاديث الواردة في المهدي التي امكن الوقوف عليها، منها خمسون فيها الصحيح والحسن والضعيف المتجبر، وهي متواترة بلا شك، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الاصول ».

يقول بعض المنكرين لاحاديث المهدي جملة: ان هذه الاحاديث من وضع الشيعة لا محالة، ويرد هذا بأن هذه الاحاديث مروية بأسانيدها. منها ما تقصينا رجال سنده، فوجدناه ممن عرفوا بالعدالة والضبط، ولم يتهم احد من رجال التعديل والتجريح بتشيع مع شهرة نقدهم للرجال.

وقال ابن خلدون: وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما رواه محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن البصري عن انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه قال ( لا مهدي الا عيسى ).

وهذا حديث مصنوع فقد قال نقاد الاسانيد كالحاكم: ان محمد بن خالد رجل مجهول. وقال ابن عبد البر: انه متروك. وقال الازدي: منكر الحديث، وآخذ في مثل هذا بقول ابن حزم: اذا كان في سند الحديث رجل مجروح بكذب، او غفلة، او مجهول الحال، لا يحل عندنا القول به، ولا تصديقه، ولا الاخذ بشيء منه.

وقد اتخذ مسألة المهدي كثير من القائمين لانشاء دول، وسيلة الى الوصول الى غاياتهم، فادعوا المهدوية ليتهافت الناس على الالتفاف حولهم، فالدولة الفاطمية قامت على هذه الدعوة، اذ زعم مؤسسها عبيد الله انه المهدي.

ودولة الموحدين جرت على هذه الدعوة، فان مؤسسها محمد بن تومرت اقام امره على هذه الدعوة.

وظهر في ايام الدولة المرينية بفاس رجل يدعى التوزري، واجتمع حوله رؤساء صنهاجة وقتله المصامدة.
وقام رجل اسمه العباس سنة ۶۹۰ هـ، في نواحي الريف من المغرب وزعم انه المهدي، واتبعه جماعة، وآل امره الى ان قتل وانقطت دعوته.

وبعد ثورة احمد عرابي بمصر ظهر في السودان رجل يسمى محمد احمد ادعى انه المهدي، واتبعته قبيلة البقارة عن جهينة على انه المهدي سنة ۱۳۰۰ هـ، وهو الذي خلفه بعد موته التعايشي احد زعماء قبيلة البقارة.
والفرقة الكيسانية يجعلون المهدي محمد بن الحنفية، ويزعمون انه مختف في جبل رضوى بين المدينة وينبع.

والشيعة الامامية يقولون: ان محمد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر، ويزعمون انه اختفى في سرداب بالحلة من بلاد العراق في اواخر القرن الخامس الهجري.

واذا اساء الناس فهم حديث نبوي، او لم يحسنوا تطبيقه على وجهه الصحيح، حتى وقعت وراء ذلك مفاسد، فلا ينبغي ان يكون ذل داعيا الى الشك في صحة الحديث، او المبادرة الى انكاره، فان النبوة واقعة بلا شبهة، وقد ادعاها اناس كذباً وافتراء، وأخلوا بدعواهم كثيراً من الناس، مثل ما يفعل طائفة القاديانية اليوم.

والالهية ثابتة بأوضح من الشمس في كبد السماء، وقد ادعاها قوم لزعمائهم على معنى ان الله ـ جل شأنه ـ يحل فيهم، مثلما يفعل طائفة البهائية في هذا العهد فليس من الصواب انكار الحق من اجل ما الصق به من باطل.

والخلاصة: ان احاديث المهدي ما يعد في الحديث الصحيح، وبما اني درست علم الحديث، ووقفت على ما يميز به الطيب من الخبيث اراني ملجأ الى ان اقول كما قال رجال الحديث من قبلي: ان قضية المهدي ليست بقضية مصطنعة.

ولا اترك مكاني هذا حتى انبه على انه لم يرد، ولو في الاحاديث الموضوعة، ان المهدي يولد من غير اب. وانبه على ان الحديث الذي ذكره ابو بكر الاسكافي في كتاب ( فوائد الاخبار ) موضوع، وهو حديث: ( من كفر بالمهدي فقد كفر ) وابو بكر الاسكافي من المتهمين بوضع الاحاديث: « سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم ».

الكاتب: الشيخ محمد الخضر حسين