المتفرقة » المقالات » العقائد »

نظرية الشورى ـ قراءة تحليلية

تمهيد :لقد جاء النبي ليخرج الناس من الجهل والضلال وظلمات الشرك الى نور العلم والهداية والايمان قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلوا عليهم اياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين )[۱] وقال تعالى ( الر كتاب انزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور باذن ربهم الى صراط العزيز الحميد )[۲] .

وقد كان عنصر المحبة وقانون الاخاء يشكل محورية مهمة في حركة النبي (ص) وسعيه لبناء المجتمع الاسلامي، وبهذا نطقت العديد من الايات والروايات الشريفة التي تؤكد على ضرورة تقوية أواصر الإخاء والمحبة بين المسلمين قال تعالى (انما المؤمنون اخوة) وورد عن النبي (ص) قوله (لايؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه) . فقد استمر هذا العمل الدؤوب طوال السنين التي عاشها النبي (ص) بين المسلمين .

لم يدخر النبي (ص) اي جهد يمكن ان يساهم في استمرار عملية البناء والحفاظ على المكتسبات التي حصل عليها المسلمون في صراعهم ضد قوى الظلم والشرك والالحاد، لذلك فانه لم يخرج من بين صفوف المسلمين ملتحقا بالرفيق الاعلى الا بعد ان ابلغهم باكمال الدين واتمام النعمة قال تعالى (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) [۳] مما يعني ان خارطة الطريق التي وضعتها السماء لبناء المجتمع الاسلامي لن تتوقف عند نقطة رحيل النبي (ص) ، وانما قد انتخب لها من يكمل مشوارها وفق هذه الخارطة .

الا ان بعض اطراف المجتمع الاسلامي وخصوصا تلك التي فقدت مكانتها بسبب قانون العدالة السماوي كانت تنظر الى مشروع النبي (ص) انه مشروع دولة وملك اكثر منه مشروع وحي منزل من الله سبحانه وتعالى . وهذا ما جرت به السن البعض منهم انذاك حيث ردد قائلا ( لعبت هاشم بالملك فلا…. خبر جاء ولا وحي نزل ) .

لذلك كان رحيل النبي (ص) بالنسبة الى هذه المجموعة ساعة الصفر التي طال انتظارها لتنطلق في تنفيذ مخططها الانقلابي خصوصا بعد فشل كل المحاولات والمؤامرات على طول فترة حياة النبي (ص) . لقد وثق القران الكريم هذا اليوم توثيقا صريحا لا لبس فيه معبرا عنه بيوم الانقلاب فقال تعالى (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم)[۴].

لم تكتف هذه الأطراف بالانقلاب على السلطة السياسية فقط ، وانما تجاوزت ذلك الى السلطة الدينية لتعلن نفسها وريثة للنبي في جميع صلاحياته التي كان يمارسها خلال حياته الشريفة بمعنى انها جعلت نفسها جزءا من منظومة التشريع الاسلامي، ولذلك جاء الخليفة الثالث حاكما يحكم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين .

ومن اجل اعطاء الشرعية لهذا الانقلاب فقد ذهبوا الى القران الكريم بحثا عما يمكن ان يتم اسقاطه من الايات الشريفة على حركتها الانقلابية هذه فكانت الشورى هي المستند الذي يتمسكون به في مجال التاسيس النظري لسياسة الحكم واختيار الحاكم . لذلك اوحوا الى المسلمين وهم يعيشون صدمة الرحيل وفراق النبي (ص) بان هذا الفراق قد خلف فراغا في منطقة القمة والقيادة السياسية والدينية ، وان هذا الفراغ لابد من ملأه بصورة سريعة .

وان املاء هذا الفراغ انما يكون بالشورى، بدعوى ان النبي (ص) لم ينص على احد من بعده، في قبال نظرية النص وهي النظرية التي يستند عليها أتباع أهل البيت (ع) حيث يذهبون إلى ان انتهاء مرحلة النبوة يعني انطلاق مرحلة الامامة، والتي تم اسنادها الى علي (ع ) و احد عشر اماما من بعده . وقد جاء على ذلك من الله سبحانه وتعالى [۵] .

مفهوم الشورى
اولا : في اللغة

عندما نتابع قواميس اللغة لاستبيان المعنى الموضوع له هذا اللفظ نجد ما يلي :

۱٫ “الشورى وكذلك المشورة بضم الشين تقول منه : شاورته في الامر واستشرته”[۶] .

۲٫ “اشار عليه بكذا ، امره به ، وهي الشورى ، بالضم ، وترك عمر …. الخلافة شورى ، والناس فيه شورى “[۷]

۳٫ “ما يلفت الانظار بحيث انه يتميز عما حوله فيمكن الايحاء اليه “[۸]

فهو من باب المشاركة في التفكير لاستيحاء شيء من راي الاخر . وهو امر حسن في نفسه وبمعزل عن موضوعه . الا ان ما يمكن ان يطرح من تساؤل في المقام هو هل ان الشورى مفهوم عام يستوعب التشريع الاسلامي ، ام انه محدد في مجالات دون اخرى ؟ هذا ما سيظهر الاجابة عليه لاحقا .

ثانيا : في الاصطلاح القراني

من خلال الرجوع الى المرجع الاساسي لمصطلح الشورى ـ القران الكريم ـ وكلمات المفسرين نجد بان هذا المفهوم قد جاء في موردين فقط هما :

۱٫ قوله تعالى ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على الله ) [۹].

۲٫ قوله تعالى ( والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون )[۱۰]

و هاتان الايتان هما عمدة ما يستند اليه اصحاب نظرية الشورى في اثبات شرعية نظريتهم السياسية وتصحيح نظرية الحكم .

مناقشة الجانب النظري لمفهوم الشورى

ان مناقشة الجانب النظري لمفهوم الشورى تقوم على تحليل عملية الاستدلال بالايتين المتقدمتين ، حيث يمكن النقاش في كلتيهما :

اما بالنسبة الى الاية الاولى فان من يستدل بها يريد ان يقول “بانه سبحانه امر نبيه بالمشاورة تعليما للامة ، بان يتشاوروا في مهام الامور ومنها الخلافة “[۱۱]والمناقشة فيها من جهات متعددة :

الاولى : ان الاية لم تتحدث عن الية تنصيب الحاكم ، وانما هي بصدد رسم الحدود العامة لادارة شؤون الامة من قبل الحاكم . أي انها تتحدث في مرحلة لاحقة ( ما بعد التنصيب ) ومن استدل بها يحاول ان يجعلها تتحدث عن مرحلة سابقة ( قبل التنصيب ) وخطأ التطبيق بين الدليل والمدعى واضح.

الثانية : على فرض التنازل عن الجواب الاول والالتزام بصلاحية الاية للاستدلال على تنصيب الحاكم بها فانه يستلزم التناقض .

بيان ذلك: ان هنالك اجتزاء وتقطيعا للاية الشريفة فان صدر الاية يلزم النبي (ص) بالتشاور مع الامة في مقام الحكم . ولاجل ان يكون هذا التشاور موضوعيا وبعيدا عن اللغوية والعبثية فلابد للنبي (ص) من الالتزام بما تشير عليه الامة . الا ان اخر الاية يخاطب النبي (ص) بقوله ( فاذا عزمت فتوكل على الله ) فلو كان للاستشارة موضوعية لقال تعالى فاذا عزمتم . ولما كان منطوق الاية فاذا عزمت فان هذا المعنى يدور بين امرين اما التناقض او لغوية الاستشارة والعياذ بالله وكلا المحذورين لايمكن الالتزام بهما

مناقشة الاية الثانية

واما الاية الثانية فانها تتحدث عن مشورة المسلمين في امورهم ولاشك في حسن هذا الامر ذاتا وان من شاور الناس ملك عقولها . الا ان ما يرد على الاستدلال هو ان الامامة والخلافة هي امر من امور الله وليست من امور الناس بشهادة قوله تعالى ( اني جاعلك للناس اماما ) [۱۲]. وقوله تعالى ( ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين )[۱۳] ولم نجد اية او رواية تشير الى تنازل الباري جل وعلى عن هذا الحق الى الناس .

مناقشة الجانب التطبيقي لنظرية الشورى

عندما نعود الى التجربة السياسية التي خاضتها الامة حسب نظرية الشورى نجد انها قد قدمت لنا نظرية تتسم بسمات متعددة .

الاولى : الضبابية في تفسير الشورى

ان هذه الضبابية قد كشف عنها التطبيق العملي لهذه النظرية من خلال تعدد اليات اختيار الخليفة في العهد القريب والبعيد من عهد النبوة ، فمن شورى كما يدعى على الاول الى تعيين في الثاني ثم الى اهل الحل والعقد في الثالث خلال فترة لم تتجاوز العقد الثاني من عمر الدولة الاسلامية الا بقليل . لتنتهي الى ملك وتوريث وانقلابات في عهد الدولتين الاموية و العباسية .

الثانية : الاختلاف في تحديد المستشار كما وكيفا

ان تجاوز البحث في اصل الشورى برغم ما فيه من ضبابية واشكال سوف لن يساهم في اتضاح معالم هذه النظرية ، بل ان الالتزام بها يقودنا الى اشكالية تحديد مساحة الشورى بين المسلمين . فهل هي مختصة ببعض المسلمين دون بعض ام انها عامة ؟ .

فا قلنا بانها مختصة ببعض دون بعض فهنا نسال عن وجه اختصاص هذا البعض دون غيره بالشورى ، اضافة الى ان التجربة تكشف عدم اتفاق هذا البعض على شخص واحد كما حصل في تنصيب الثالث .

واما اذا قلنا بان الشورى عامة فان واقع الحال يبطل هذا المقال ، حيث يكفي ان نطالع احد الابواب الفقهية لنستكشف الاختلاف الواضح في العديد من مسائل الباب ، ولعل الوضوء من اشهرها فهي مسالة جديرة بالاستغراب في وقوع الاختلاف فيها لانها عبارة عن فعل كان يمارسه رسول الله (ص) امام المسلمين اكثر من مرة في اليوم الواحد الا انه مع هذا نجد الاختلاف واضحا فيها .

ومع التسليم بوجود هذه النخبة التي تمتلك هذه الرؤية الصائبة في تشخيص الافضل في هذا المجال ، كان الاولى تسليم مقاليد الحكم اليها وليس الى من يقع الاختيار عليه .

ثالثا : عدم الاستقرار السياسي

ان نجاح اي نظرية يكون مقترن بالاثار المترتبة عليها . ونحن عندما نطالع هذه النظرية السياسية من خلال تطبيقاتها نجد بان الامة لم تحصد من ثمارها الا الاذى والحرمان ومصادرة الحقوق والحريات التي كان يتمتع بها المسلمون في حياة النبي (ص) . بل وفقدان الدولة الاسلامية لوجودها في التاريخ المعاصر
لقد كان الخليفة الثاني يدرك فشل هذه النظرية في تحقيق العدالة ونشر الامن والاستقرار في مجتمع المسلمين فقد قال لعثمان في اخر حياته وهو يهيئ اجواء نظرية الشورى لخلافته “ولسوف تولي شرار ابناء عمومتك من بني امية وال بني معيط على رقاب المسلمين ، وتفرغ في جيوبهم خزائن المسلمين حتى يهبوا عليك ويقتلوك”[۱۴] . وفعلا كانت نهاية هذا الرجل كما قراها عمر فقد انتفض المسلمون عليه وقتلوه شر قتلة في داره .

الخاتمة

وفي نهاية هذا التحليل المختصر لنظرية الشورى يمكن الخروج بالنقاط التالية :

۱- مقولة الشورى تمثل تيارا من تيارات المسلمين التي كانت جزءا من المجتمع في حياة النبي (ص) ، الا انها كانت تنتظر الوقت المناسب للانقلاب على السلطة ، وهناك جملة من الوقائع التي تؤيد ذلك وصفهم للنبي (ص) بالابتر . أي مقطوع الذرية . فضلا عن صريح القران في اية الانقلاب .

۲- حاول هذا التيار ان يجعل نظرية الشورى ـ على فرض التسليم بها ـ في عرض نظرية النص الالهي ، مع ان مقتضى التنازل والتسليم بها ان تكون في طولها .

۳- لجوء اصحاب هذه النظرية الى سياسة تعمية الامة واضطهادها من خلال تحديد الحريات الشخصية لاجل الاقرار بالواقع الجديد ، كمنع كتابة الحديث ، وصادرة نسخ القران الموجودة لدى المسلمين والمثبت فيها تفسير الايات ومن ثم احراقها ، كذلك سياسة الابعاد والنفي لبعض اصحاب الذين يمتلكون الادلة على زيف دعوى الشورى مثل ابي ذر الغفاري ،اضافة الى تجريد من نطق النص باحقيته في الامرة من اسباب القوة ـ غصب فدك ـ وغيرها من الامور اساليب القمع الاخرى .

واخيرا نقول ان اسقط الشورى على البعد السياسي انما كان يهدف الى تضييق مساحة الاستفادة منها والتعمية على ابعادها المتعددة [۱۵] والتي منها ما يتعلق بالامور التنظيمية والادارية للمجتمع ، ومنها ما يتعلق بتنظيم العلاقات الاجتماعية . حيث تهدف الشورى الى تعميق حالة الاخوة بين المؤمنين وترسيخها في نفوسهم لان فيها نظم امرهم وصلاح شؤونهم .ولذا يذكرها بعض العلماء في اداب المعاشرة . ومنها ما يتعلق بتنظيم العلاقات الاقتصادية ، حيث تلعب المشورة في هذا الجانب دورا كبيرا في تنمية الاقتصاد وتنظيم الحالة للاقتصادية للمجتمع .

ولايخفى ان ترسيخ جذور هذه النظرية كان يقوم على العديد من الممارسات التي اعقبت العمل بها ، وهذا ما سنتعرض اليه في البحث القادم ان شاء الله .

والحمد لله رب العالمين

المصادر

۱- الشيخ جعفر السبحاني ……… بحوث في الملل والنحل

۲- الشيخ جعفر السبحاني ……… مفاهيم القران

۳- سعد الدين التفتازاني ……….. شرح المقاصد

۴- الجوهري …………… الصحاح

۵- الزبيدي ……………. تاج العروس

۶- جعفر جواد الخليلي …………. محاكمات الخلفاء واتباعهم

۷- محسن باقر الموسوي ……….. الشورى والديمقراطية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[۱] – سورة ال عمران ، الاية ۱۴۳ .

[۲] – سورة ابراهيم ، الاية ۱

[۳] – سورة المائدة ، الاية ۳

[۴] – سورة ال عمران ، الاية ۱۴۴

[۵] – ينظر الشيخ جعفر السبحاني . بحوث في الملل والنحل . مط مؤسسة الامام الصادق ع . ط ۲ . قم . ج ۶ ص ۴۹۶

[۶] – الجوهري ، الصحاح . مط دار العلم للملايين . بيروت ۱۴۰۷ . هـ . ج۲ ص ۷۰۴

[۷] – الزبيدي . تاج العروس . مط . دار الفكر . بيروت . ۱۹۹۴ . ج ۷ ص ۶۱

[۸] – المصدر السابق ص ۴۴

[۹] – سورة ال عمران . الاية ۱۵۹ .

[۱۰] – سورة الشورى . الاية ۳۸ .

[۱۱] – الشيخ جعفر السبحاني . مفاهيم القران . مط ، مؤسسة الامام الصادق ع . قم . ط ۳ . قم . ۱۴۲۸ هـ . ج ۱۰ . ص ۹۹ .

[۱۲] – سورة البقرة الاية ۱۲۴ .

[۱۳] – سورة القصص . الاية ۵

[۱۴] – د . جواد جعفر الخليلي . محاكمات الخلفاء واتباعهم . ص ۲۱۸ .

[۱۵] – ينظر د . محسن باقر الموسوي . الشورى والديمقراطية . ص۵۶ .

الكاتب: السيد هاشم العوادي