نعم-الزوجة-المواسية

نعم الزوجة المواسية

روي في کتاب أسد الغابة في معرفة الصحابة، بسنده أن رسول الله (صلی الله عليه وآله) دخل علی خديجة في مرضها الذي ماتت فيه فقال: بالکره منی ما أتی عليك يا خديجة!

أجل، فلم ينقل المؤرخون تفجع رسول الله (صلی الله عليه وآله) علی فقدان أحدٍ مثلما تفجّع علی فقدان زوجته الطاهرة المطهرة خديجة الکبری (سلام الله عليه).

قال ابن إسحاق کما في السيرة الهشامية: آمنت خديجة برسول الله وصدقت بما جاء به من الله ووازرته علی أمره وکانت أول من آمن بالله وبرسوله وصدق بما جاء به (صلی الله عليه وآله) من الله.

فقد خفف الله بذلك عن نبيه (صلی الله عليه وآله) لا يسمع شيئاً يکرهه من رد عليه وتکذيب له فيحزنه إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، فتخفف عنه وتهون عليه من أمر الناس.

روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالی «وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى» قال: يعني وجدک فقيراً فأغناک بمال خديجة.

فقد کان لخديجة (سلام الله عليها) مالٌ کثيرٌ بذلته جميعاً لرسول الله (صلی الله عليه وآله) ينفقه في سبيل الله حتی بقيت تنام هي ورسول الله في کساء واحد لم يکن لها غيره ولذلک کان مالها (عليها السلام) دحد الأعمدة التي قام عليها الإسلام.

روی عبيد الله بن أبي رافع خازن بيت مال المسلمين في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، روی عن أبيه قال: إن رسول الله (صلی الله عليه وآله) قال: ما نفعني مالٌ قط مثلما نفعني مال خديجة (عليها السلام).

قال ابو رافع: وکان رسول الله (صلی الله عليه وآله) يفك من مالها الغارم والعاني ويحمل الکل ويعطي في النائبة ويرفد فقراء أصحابه إذّ کان بمکة ويحمل [أي يجهز] من أراد منهم الهجرة وکانت خديجة أکثر قريش مالاً.

وکانت خديجة الطاهرة (سلام الله عليها) تقي رسول الله (صلی الله عليه وآله) بنفسها من أذی المشرکين وهجماتهم، فمثلاً ذکر المؤرخون أن مشکري قريش لاحقوا رسول الله بعد أن أدی صلاة العشاء في المسجد الحرام وأخذوا يرمونه بالحجارة، فدخلت به منزلها وقامت في وجهه تستره ببردها وإستمر المشرکون يرمونه بالحجارة وهي تقيه بنفسها من بين يديه ثم أخذت تنادي: يا معشر قريش ترمي الحرة في منزلها، فلما سمعوا قولها إنصرفوا مهطعين وأصبح رسول الله (صلی الله عليه وآله) وغدا الی المسجد يصلي.

فلا عزابة أن يشتد البلاء علی رسول الله (صلی الله عليه وآله) وتتراکم عليه الهموم والغموم بعد فقدانه لهذه الزوجة المواسية الحنون.

ولا غرابة أن يبقی وفياً لها الی آخر عمره وهو (صلی الله عليه وآله) سيد الأوفياء.

فقد روی أصحاب الحديث من مختلف فرق المسلمين أنه قال عنها: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ کفر الناس، وصدقتني إذ کذبني الناس وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء.

وکان (صلی الله عليه وآله) يکرر علی اسماع المسلمين قوله: ما إغتمهت بغمٍ أيام حياة أبي طالب وخديجة.

لما کان ابوطالب يدفعه عنه وخديجة تعزيه وتصبره وتهوّن عليه ما يلقاه في ذات الله عزوجل.

رواه المؤرخون في صحاح الأخبار من أنه (صلی الله عليه وآله) کان يبدأ بصديقات خديجة (سلام الله عليه) في کل طعام يوزعه علی المسلمين ويخصهن بأن يعده لهن بيده الشريفة فأعترضت عليه إحدی زوجاته فقال: إن خديجة أوصتني بها أو به أي من يرسل إليه أو إليها الطعام ثم ذکر خديجة وترحم عليها وذکر ومحاسن أفعالها، فأدرکت الغيرة زوجته تلك وقالت: کأن ليس في الأرض إمرأةٌ إلا خديجة! فخرج (صلی الله عليه وآله) غضباناً.

ثم قال لزوجته تلك: إني قد رزقت حبها لقد آمنت بي إذ کفر بي قومك، وقبلتني إذ رفضني قومك ورزقت مني الولد إذ حرمت مني.

نعم لقد کانت الصديقة الطاهرة الخديجة الکبری أحب أزواج رسول الله إليه وأکمهن عليه وأفضلهن عنده وأم بنيه وبناته ومسليته ومفرجة غمومه، ولم تخالفه طرفة عين حتی قبضت وهو عنها راضٍ ولها شاکرٌ فرحمة الله ورضوانه علی مولاتنا أم المؤمنين خديجة الکبری أنيسة رسول الله (صلی الله عليه وآله).