نقد المتن في التجربة الإماميّة

شهد النشاط الحديثيّ الشيعيّ الإماميّ، ومنذ القرون الأولى، حركةً في نقد المتن، تركّزت في النصوص العقديّة والتاريخيّة، ولم تشهد رواجاً كبيراً في النصوص الفقهيّة والشرعيّة والأخلاقيّة. وكانت مدرسة قم القديمة في القرنين الثالث والرابع الهجريّين تمثِّل أكثر المدارس نشاطاً في نقد المتن، من حيث تركيزها على رفض نصوص الغلوّ، واتّخاذها مواقف حادّة من الرواة الذين ينقلون الروايات المشتملة على الغلوّ وأمثاله.

وظلّ هذا المشهد متجلِّياً مع المدرسة العقليّة الإماميّة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجريّ والنصف الأوّل من القرن الخامس، وذلك مع كلٍّ من: الشيخ المفيد؛ والسيّد المرتضى؛ وابن الغضائريّ؛ وغيرهم. لكنْ سرعان ما تراجع حضور نقد المتن بعد عصر الشيخ الطوسيّ(۴۶۰هـ) ـ وعصره يمتدّ لقرن ونصف بعده ـ، لنشهد بدل ذلك تركيزاً على نقد السند، انطلاقاً من الكتب الرجاليّة، وكتب الجرح والتعديل، التي تركها العلماء في القرون الخمسة الهجريّة الأولى.

ولم يحظَ نقد المتن بنشاطٍ قويٍّ وفاعل في وسط المحدِّثين، لكنّ الفقهاء والأصوليّين كانوا الأكثر نشاطاً في مجال الدرس الحديثيّ عند الإماميّة. فالتعرُّف على علم الحديث عند الإماميّة في مجال نقد المتن قد يختلف عنه عند غيرهم؛ لأنّ الكثير من الدراسات النقديّة السنديّة والمتنيّة عندهم ظهرت في ثنايا كتبهم الفقهيّة والأصوليّة، أكثر من تصنيفهم مستقلاًّ في علم الحديث. وظلّ الوضع على هذه الحال حتّى بدايات القرن الرابع عشر الهجريّ، حيث ظهرت الاتّجاهات النقديّة في الحديث عند الإماميّة، لتعيد النظر مرّة جديدة في كتب الحديث ومرويّات هذه الطائفة المسلمة.

ولعلّ هناك أسباباً عديدة فرضت مسيراً خاصّاً لحركة نقد المتن عند الإماميّة، وأهمّها ما يلي:

أوّلاً: مسألة معارضة الحديث للقرآن الكريم. حيث كان الموقف العام متشدِّداً جدّاً في نقد الحديث انطلاقاً من مخالفته للقرآن؛ ليس لأنّ الإماميّة يرفضون روايات عرض الحديث على القرآن، بل على العكس، فهي عندهم بحسب رأيهم متواترة في المعنى، بل لأنّ معارضة القرآن عندهم لابدّ أن تكون بنحو التباين التامّ أو التباين الجزئيّ بالعامّ من وجه عند بعضهم، كأنْ يقول الحديث: لا تصلِّ، فيما يقول القرآن: صلِّ. ومن الواضح أنّ هذا النوع من المعارضة بهذه الطريقة والصراحة يقلّ توفُّره في النصوص الحديثيّة.

إلاّ أنّنا شهدنا في نصف القرن الأخير زحزحة مهمّة ـ إماميّاً ـ على هذا الصعيد، تفتح الأفق على إمكانيّاتٍ أكبر في نقد المتن الحديثيّ انطلاقاً من مبدأ مخالفة القرآن العزيز، ذهب إليها السيد محمّد باقر الصدر، وشاركه في الفكرة أمثال: السيّد محمد حسين فضل الله؛ والسيّد عليّ السيستانيّ. فقد اعتبر هؤلاء أنّ مخالفة القرآن تعني أيضاً مخالفة الروح العامّة له، وما لا يكون له شبيهٌ أو نظيرٌ فيه.

ومن باب المثال على ذلك: نظريّة العلاّمة محمّد حسين فضل الله في صفات الأنبياء والأئمّة وكمالاتهم، هذه القضيّة التي تمثِّل واحدةً من أهمّ المعالم العقديّة في الفكر الكلاميّ الإسلاميّ عامّة، والإماميّ خاصّة. لقد رفض العلاّمة فضل الله النظريّات الإماميّة التي تقول بأنّ الأنبياء والأئمّة من أهل البيت يعلمون الغيب، وأنّهم واسطة في الفيض الإلهيّ، وأنّ لهم الولاية التكوينيّة على العالم، بحيث يديرون شؤون الكون كلّه، وأنّ الإمامة جزءٌ من نظام العالم الوجوديّ، وليس فقط جزءاً من بنية الحياة الإنسانيّة في إطارها التنظيميّ والدينيّ، وأنّ الإمامة باطن النبوّة، وأنّهم تعبيرٌ آخر عن صورة الإنسان الكامل في عرفان محيى الدين ابن عربي، ذلك الإنسان الذي يحظى بالوجود في تمام النشآت… لقد رفض فضل الله بشدّة فكرة البعد الناسوتيّ واللاهوتيّ في شخصيّات الأنبياء والأئمّة، معتبراً ذلك شكلاً من أشكال الغلوّ، الذي وقعت فيه الشيعة والصوفيّة على السواء.

ولا يهمّنا هنا تحليل نظريّة فضل الله، وهل هي صحيحة أم لا؟ بقدر ما يعنينا تحليلها من زاوية الصناعة الحديثيّة في مجال النقد المتنيّ. فغالباً ما لم يأتِ العلاّمة فضل الله على الروايات والأحاديث المرويّة في الكتب الإماميّة في هذا الموضوع ليناقشها من الزاوية السنديّة، وإنّما اتَّخذ موقفه النقديّ منها على أساس معارضتها للقرآن، لكنْ لا لأنّ القرآن الكريم فيه آيةٌ تنفي بصراحة ـ ووفق نظرية التباين الكلّيّ ـ فكرة الإنسان الكامل أو الواسطة في الفيض، بل لأنّ الصورة العامّة التي يرسمها لنا القرآن الكريم في عشرات من الآيات عن الأنبياء والأولياء هي صورة الإنسان البشريّ الذي يعيش حياةً بشريّة، ولا يعلم أسرار كلّ شيء، وأنّه قد يشرف على الوقوع في المعصية. فالقرآن لم يقدِّم الأنبياء عللاً تكوينيّة للوجود بقدر ما قدَّمهم رجالاً من البشر، دفعتهم كمالاتهم الإنسانيّة والخلقيّة والروحيّة للانبعاث لهداية البشر كلّهم. إنّ هذه الصورة العامّة للأنبياء في القرآن شكَّلت أهمّ مستمسَكٍ للسيّد فضل الله في نقد مجمل الصورة اللاهوتيّة عن الأنبياء والأئمّة في العقل الشيعيّ الكلاميّ. وهذا الموضوع يرجع بالتحليل إلى تصوُّراته عن مسألة معارضة القرآن الكريم، ومَدَيات تفعيل نقد المتن وفق النظريّة الجديدة فيها.

إنّني أعتقد أنّ هذا المفهوم الجديد لمعارضة القرآن الكريم هو الأصحّ، وهو الذي يوفِّر المجال لنقد متن الحديث بطريقة علميّة متوازنة، بصرف النظر عن صحّة هذا التطبيق أو ذاك.

ثانياً: وإلى جانب مسألة معارضة القرآن، كانت هناك نظريّة التقيّة. حيث لا ينبغي الاستهانة بحجم التأثيرات التي تتركها نظريّة التقيّة عند الإماميّة في موضوع نقد المتن؛ إذ يذهب الكثير جدّاً من الشيعة إلى أنّ أئمّة أهل البيت النبويّ عاشوا ظروفاً صعبة في العصرين الأمويّ والعبّاسيّ، وأنّ هذه الظروف فرضت عليهم ممارسة التقيّة. لكنّ هذه التقيّة امتدّت في التصوُّر الإماميّ إلى أن يصدر أهل البيت في كثير من الأحيان تشريعاتٍ أو يبيِّنوا أحكام الدين بطريقة غير صحيحة، ولا مطابقة للواقع؛ وذلك بهدف رفع التهمة عنهم، أو حماية أنفسهم وجماعاتهم. وهذا معناه أنّه قد يصدر عن أهل البيت ما هو على خلاف الواقع ـ مع علمهم بأنّه على خلاف الواقع ـ لمصالح زمنيّة يرَوْنها. وهذا يعني أنّ مجرَّد مخالفة الحديث للواقع أو العقل أو غير ذلك لا يسمح بتكذيب الراوي؛ لاحتمال صدور الخبر تقيّةً. الأمر الذي يدفعنا إلى تصحيح صدور الخبر، وفي نفس الوقت عدم العمل بمضمونه. وهو ما يعيق في بعض الأحيان عند الإماميّة بالخصوص ادّعاء وضع الحديث؛ لأنّ الراوي هنا لم يضع الحديث، بل الإمام قاله حقّاً، غير أنّه لم يكن يريد مضمونه، بل اضطرّ إليه تقيّةً. وربما لهذا لم يكتب الإماميّة في الموضوعات، كما فعل أهل السنّة، وكان من الصعب عليهم ادّعاء الوضع، رغم أنّهم قد يردّون الرواية بأنّها صدرت بنحو التقيّة، والتي ـ أي التقيّة ـ لا تقف بالمناسبة عند الإماميّة على التقيّة من السلطان، بل تشمل التقيّة من الرأي العامّ أيضاً. ولهذا لا يجد الإماميّة في اختلاف الحديث عندهم ضرورةً لتكذيب الرواة، وتضعيف النصوص وأسانيدها؛ لأنّ كثيراً من أسباب هذا الاختلاف عندهم لا يعود لوضع الحديث، بل لظروف صدور الحديث. هذا ولي شخصيّاً موقف متحفِّظ من بعض امتدادات هذه النظريّة التي اختارها جمهور الإماميّة.

ثالثاً: القضيّة الأخرى المؤثِّرة عند الإماميّة في نقد المتن هي مسألة دور الأئمّة في التشريع. حيث حصل انقسامٌ عندهم في هذا الموضوع، ففيما أيّده جماعة رفضه آخرون. وتبعاً لهذا الانقسام إذا جاء حديثٌ عن أهل البيت، دون أن يسند إلى النبيّ(ص)، وكان مضمونه ممّا يبعد جدّاً أن يكون قد طرح في العصر النبويّ، فإنْ قلنا بحقّ أهل البيت في التشريع، ويكون تشريعهم هذا كتشريع النبيّ، لم يَعُدْ يمكن نقد هذا الحديث؛ لكنْ لو رفضنا حقّ التشريع لهم فإنّه إمّا أن نردّ هذا الحديث؛ أو يتمّ تأويله بافتراض أنّه مجرَّد حكم إداريّ زمنيّ تدبيريّ صدر منهم بوصفهم مديرين للجماعة المؤمنة الموالية لهم، تماماً كبعض الأحكام السلطانيّة الزمنيّة، التي لا تملك بُعداً تشريعيّاً في أصل الدين. وهذا يعني أنّ الموقف من حقّ التشريع يترك تأثيره الكبير على فهم جملةٍ وافرة من النصوص التي لا يعقل أن تكون قد صدرت في العصر النبويّ.

وقد بحثتُ في موضوع حقّ التشريع (راجع كتابي: حجية السنة في الفكر الإسلامي، قراءة وتقويم: ۵۱۷ ـ ۵۶۹)، وتبيَّن لي أنّه وفق الأصول الإماميّة لا يوجد دليلٌ على حقّ أهل البيت في التشريع المستقلّ عن القرآن والسنّة النبويّة. وقد وافقتُ في ذلك بعض العلماء الكبار، مثل: السيد محمد باقر الصدر؛ والسيد الكلبايكاني؛ والشيخ محمد جواد مغنيّة؛ وغيرهم. ولعلّه من هنا ذهب بعض علماء الشيعة المتأخِّرين إلى تفسير مسألة الخمس في أرباح المكاسب في الفقه الإماميّ بأنّه ليس تشريعاً موجوداً في أصل الدين، وإلاّ لجباه الرسول(ص) كما كان يجبي الزكاة، وإنّما هو ضريبةٌ فرضها الأئمّة على مواليهم؛ لأجل دعم بعضهم بعضاً، بعد أن كانت السلطات الرسميّة تستبعدهم من الأعطيات والزكوات وبيت مال المسلمين؛ بسبب مواقفهم السياسية، ممّا يضعهم في وضعٍ معيشيّ صعب.

رابعاً: العنصر الآخر من العناصر المؤثِّرة في موضوع نقد المتن في منظومة التفكير الإماميّ نظريّة بطون القرآن الكريم، التي يميل إليها الكثير من علماء الشيعة، بل يُتَّهم الشيعة بالترويج لهذه النظريّة بغية تمرير عقائدهم بعيداً عن القوانين الصارمة لظواهر الدلالات اللفظيّة. ولا نريد أن نناقش في هذا الاتّهام؛ لأنّه ليس موضوع بحثنا، لكن ما نريد التأكيد عليه أنّ نظريّة البطون لعبت دوراً نسبيّاً في تراجع حركة نقد المتن في التراث الإماميّ، ولا سيّما في القرون الخمسة الأخيرة.

وإلى جانب هذه النظريّة كانت هناك نظريّة أخرى لعبت الدور نفسه، وشهدت رواجاً عند الأخباريّين الشيعة، دون أصوليّيهم، وما زال لها حضور في العصر الراهن، ولو بشكلٍ ضعيف، وهي النظريّة التي تقول بأنّ فهم القرآن الكريم أمرٌ خاصّ بأهل البيت، وأنّهم الذين خوطبوا بهذا الكتاب العزيز، وأنّ أيّ تفسير للقرآن لابدّ أن ينطلق من نصوصهم، وأنّ المرجعيّة المعرفيّة في التفسير هي سنّة أهل البيت، لا الاجتهاد الشخصيّ، ولا أقلّ من أنّ الكثير من ألوان الاجتهاد الشخصيّ في التفسير يغدو محظوراً وفقاً لهذه النظريّة.

إذا أخذنا التقاء هاتين النظريّتين، أو كلّ واحدة منهما على حدة، سنجد لها تأثيراً في تعطيل بعض أشكال حركة نقد المتن؛ لأنّ نظريّة البطون بمعناها السائد تفرض ـ في أكثر من تفسيرٍ لها ـ وجود منطقة معتمة من النصّ لا يصحّ التعامل معها وفقاً لفهمنا الظاهريّ لمفردات اللغة وتراكيبها، ومن ثمّ فأيّ نصٍّ حديثيّ يقوم بتفسير نصٍّ قرآنيّ أو بمحاكاة موضوعه بطريقة غريبة… لا يمكن رفضه؛ لأنّه من الممكن أن يكون قد لامس بطون القرآن، التي لا دراية لنا بها؛ لأنّ اللغة العربيّة الظاهريّة ليست هي المعيار النهائيّ ـ وفقاً لنظريّة البطون السائدة ـ في فهم القرآن الكريم.

بالنسبة لي شخصيّاً فإنّني لا أنفي نظريّة بطون القرآن (راجع كتابي: دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر ۳: ۳۶۵ ـ ۴۲۹)، لكنّني أشرطها بأنْ تمرّ عبر الظواهر اللفظيّة، بحيث يكون هناك تناسبٌ ما بين الظاهر والباطن، أمّا لو فتحنا نظريّة البطون بالطريقة السائدة فإنّه لن يمكن التكهُّن بحال أيّ حديث أو رفضه بحجّة منافاته لظواهر اللغة الأوّليّة.

والأمر يغدو أوضح لو دخلنا على خطّ اختصاص فهم القرآن الكريم بأهل البيت^؛ ففي هذه الحال لا يبدو من اليسير الاحتكام إلى النصّ القرآنيّ في نقد المتن الحديثيّ؛ لأنّ المفروض أنّ النصّ القرآنيّ لم يَعُدْ فهمه بأيدينا حتّى نحاكم الحديث وفقه.

إنّ مثل هذه النظريّات ـ البطون والاختصاص ـ إذا لم تنضبط لقواعد صارمة سوف تعيق كثيراً جدّاً إمكانيّة نقد الروايات الكلاميّة والتاريخيّة والقصصيّة والتفسيريّة، وستحدّ من قدرة الباحث الإسلاميّ على الاحتكام إلى مرجعيّة القرآن الكريم في ممارسة نقدٍ متنيّ للحديث.

إنّني أعتقد أنّ نقد المتن الحديثيّ عمليّة تحتاج إلى تأمين أصول لها، وتوفير مناخ مناسبٍ لنموّها، كمرجعيّة القرآن، وإمكان فهمه، وغير ذلك. والجميع مدعوٌّ للنظر في منظومته العقائديّة والتاريخيّة والفكريّة، ليرى هل توفّر هذه المنظومة الجوّ المناسب لنشاطٍ فاعل في نقد المتن أم لا؟ وأعتقد أنّ هذه الدعوة لا تقف عند حدود المذهب الإماميّ، بل هي تطال سائر المذاهب، التي لم نتعرّض لها في هذه الوريقات؛ لخروجها عن محلّ البحث.

الكاتب: حيدر حبّ الله