نكاية بإيران وروسيا والصين

صار التاريخ خزانا ينهل منه اللاعبون في المجال العام القرائن أكثر فأكثر، خدمة لمصالحهم ودعما لشرعية نفوذهم» (Gérard Noiriel). لا شك في أننا نسطيع أن نستبدل في هذا الاقتباس كلمة التاريخ بكلمة الدين، دون أن نحرف المعنى ودون أن يتقلص مدى انطباقه على الأوضاع في بلادنا بشكل دقيق! كون علاقتنا الجمعية بالدين التي تكاد أن لا تتعدى الانتساب الاسمي، تختزل تاريخنا بصورة شبه كاملة!
في الواقع، لست هنا في معرض البحث في مفاهيم فقهية متعددة يرشق بها «ثوار» الولايات المتحدة الأميركية، الدولة السورية والسلطة تارة ويتراشقون بها فيما بينهم تارة أخرى. فما أنا بصدده هو محاولة استشفاف الرابط بين كل فريق من أفرقاء الحرب في سوريا من جهة وبين الكيان الوطني السوري من جهة ثانية. إذ من نافلة القول ان الثوار الذين أشرنا إليهم يستخدمون الدين كاداة للدعاية ضد الوطن وللتحريض والتجييش ضده.
إن الوطن يدل بحسب المعاجم، على الانتماء إلى جغرافيا وثقافة وعيش مشترك في حضن مجتمع يرتبط به المواطن بعلاقات مصلحة وعاطفة. لا يكفي الإنسان أن يلقى الحنان من ذويه. هو بحاجة أيضا للخبز والأمان والمدرسة والدواء والعمل. فإذا افتقد هذه الأمور حاول الهجرة بأي وسيلة ممكنة، حاملا معه ذكرياته ومشاعره.
ما حملني على مداورة هذه المسألة في ذهني، هي الدماء التي تخضب تراب سوريا والدمار الذي أصاب عمرانها. أوصلني ذلك إلى نقطة محورية يمكن تعريفها بالتالي: من هم بين أفرقاء الحرب الدائرة في سوريا، الذين بحاجة إلى سوريا كوطن؟! أعتقد انه يحق لنا في ضوء ما جرى وما يجري، أن ننظر في هذا الموضوع ونتلمس الفرضيات والمعطيات التي تتيح لنا معالجته بمنطق سليم .
لا حرج في القول إن السوريين الذين ظهروا في الخارج وادعوا أنهم يمثلون «الشعب السوري» لم يتضرروا من الحرب. ليس مستبعدا أن أعضاء المجلس الوطني، ثم الإئتلاف الوطني، استفادوا من هذه الحرب ماديا ومعنويا. رغم أن جلهم كانوا قد هجروا سوريا منذ ما يزيد من ثلاثة عقود. وبالتالي فإن درجة تمثيلهم للسوريين تضاءلت قطعا بموازاة تصاعد درجة انغماسهم في معاونة أعداء السوريين. إذن هؤلاء ليسوا بحاجة إلى وطن، كونهم وضعوا أيديهم بأيدي الولايات المتحدة الأميركية وأذنابها في أوروبا. الذين لا يريدون الخير للسوريين ويرسمون الخطط لتقسيم سوريا منذ أيام الانتداب الفرنسي!
لا شك في أن فئة من السوريين تجندوا في جماعات القاعدة، على اختلاف أسمائها وفروعها. التي تنادت إلى سوريا من جميع الأصقاع. هؤلاء السوريون هم بالتأكيد بحاجة إلى وطن، ولكنهم يعملون كمياومين في ثورة غايتها إلغاء الوطن الذي هم بحاجة إليه. هل يعرفون ذلك؟ هل هم بالخيار بين الثورة التخريبية وبين الدولة؟ التي فاتها أن تعلمهم أن المواطنين لا يكونوا مياومين في الوطن بل هم شركاء فيه ! للشريك حقوق وواجبات، فضلا عن أن الإدارة العادلة إلى جانب الإخلاص في العمل والأمانة في حساب الإنتاج والمساواة في توزيع الأرباح، هي جميعها من الشروط التي يـُوَقّى بها من الإفلاس والضياع.
تعساء هم الذين يقاتلون أبناء جلدتهم ويهدمون بلادهم. إن انتصر الوطن لفظهم ورمى بهم إلى المزابل، وإن أنجزوا ما طلبه منهم مشغلوهم، خاف منهم الأخرون وطاردوهم.. كما لو كانوا حشرات ضارة ! هذا ما حدث في الجزائر للذين قاتلوا في صفوف الجيش الفرنسي، وكانوا يعرفون (بالحركيين).
بالإضافة إلى ذلك، في سوريا اليوم فئة من نوع ثالث، أو جماعات تلتزم «العمليات الثورية» ضد المدنيين والمدارس ومولدات الكهرباء وقنوات جر مياه الشفة إلى ما هنالك من مرافق أخرى. يعرف أعضاء هذه الجماعات أنهم يبيعون وطنهم، مقابل مبالغ من المال، يأملون أن يجدوا بواسطتها منفى مخمليا.
تقف في المقابل الحكومة السورية وأجهزتها الأمنية، وجيشها. هؤلاء يدافعون عن الوطن الذي هم بحاجة إليه كمثل الذين تجندوا بملء إرادتهم أو مكرهين في جيوش الولايات المتحدة الأميركية الإسلامية. الفرق أن الدولة كانت أكثر كرما تجاه الأول، وأكثر إهمالا حيال الأخيرين. وكون الدولة معتوهة، لم يحصل تفاهم بين الفريقين فاستحال اللقاء والاندماج بينهما.
من المرجح أن أصل المشكلة السورية مرده إلى أزمة إجتماعية تحولت إلى شرّخِ في البنية الوطنية. بصرف النظر عن تقييم أداء السلطة الحالية، وصحته، والتناقضات التي اعترته، أغلب الظن أن في سوريا طبقة سياسية إجتماعية رفضت، بشكل قاطع ومسبق، الإعتراف بالسلطة التي جاء بها في ۸ آذار ۱۹۶۳، الإنقلاب العسكري ضد حكومة الإنفصال. بتعبير أكثر وضوحا وصراحة لم تقبل هذه الطبقة سلطة الذين دخلوا ميدان السياسة من بوابة حزب البعث، وغيره من الاحزاب العلمانية والقومية بالإضافة إلى بوابة الجيش.
لا جدال في أن الذين تسللوا من هذه الأبواب كانوا من الفقراء. أنا لا أقول أنهم كانوا أكفاء أو أنهم سلكوا نهج الاستقامة والنزاهة والعدالة. ولكن دلني على حكم تميز في بلاد العرب بمثل هذه المزايا. استخدم المعارضون لسلطة الجيش والأحزاب السياسية جميع الوسائل، بما فيها الاتهام بالزندقة والمُروق من الدين. فقابلتهم السلطة بدورها، دفاعا عن وجودها، بالقمع والقتل والاعتقال والتعذيب، وزايدتهم دينيا، فبنت المساجد بأعداد كبيرة وزرعت المدارس الدينية في كل مكان. بدأت الحرب في سوريا منذ ۱۹۶۳، و۱۹۷۰ بوجه خاص. كانت منذ البدء حربا وحشية، همجية. تخللتها المذابح والتصفيات، كمثل حروب لبنان. أن الذي تبدل هو سقوط الامبراطورية السوفياتية من ناحية ومن ناحية ثانية خوف الامبريالية من الصين ومن نهوض روسيا من جديد. لذا ترى هذه الأمبريالية وأذنابها، في حالة هياج دائم منذ ۱۹۹۰٫ كلما تمكنوا من حليف محتمل للثنائي الصيني الروسي، انقضوا عليه وقطعوه ومزقوه أربا. لعل الصينيين والروس يعتبرون. أنظروا ماذا فعلوا في العراق وليبيا.. وسوريا. الإسلاميون يهدمون سوريا نكاية بإيران. والأميركيون والفرنسيون يهدومونها نكاية بالروس والصينيين أما أردوغان فإنه يريد الخلافة!

الكاتبة: ثريا عاصي