نهج البلاغة مرفأ الإنسانية المعذبة

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله على آلائه ونعمائه ، والصلاة على محمّد وآله ، ولعنة الله على أعدائهم أعدائه .

قبل أكثر من ألف عام عندما قدّم الشريف الرضي ( رضوان الله تعالى عليه ) هذه الكلمات إلى الرأي العام كتاباً بين دفتين ؛ اختلف حولها ناس كثيرون ، ولا يزالون فيها يختلفون .

ومهما تناقضت الدوافع والنتائج ، فالذي لا يتناقض فيه المختلفون هو : المدى التصاعدي الذي أحدثه هذا الكتاب في الفكر الإنساني ، ولمّا يزل آخذاً في التصاعد دون أن يبلغ مداه .

أولا يكفي أنّ الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ـ بجميع أضوائه وآفاقه التي تتجاوز كل الأساطير مجتمعة ـ لا يذكر إلاّ ويذكر معه هذا الكتاب ، أو شيء من هذا الكتاب ؟!

لقد تموّج المقطع الأخير من السنين من عمر التاريخ بأمجاد وفتوحات واسعة وحادّة ، كانت ـ بالنسبة إلى الأولين ـ أحلاماً تذهل من فرط خيالها الأحلام ، ولا زالت ـ بالنسبة إلى المعاصرين ـ أشبه بأساطير الأولين .

وفي هذا الطوفان العارم من غليان التاريخ : لم يتصل بنا ـ من الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) ـ إلاّ نفر معدود بالأصابع نعدّهم في الغابرين ، وثبت أنّهم أجدر منّا بقيادتنا في نهاية القرن العشرين كما كانوا أجدر بقيادة آبائنا من قبل ، ولا زال بعدهم الواقعي أمامنا أكثر من بعدهم التاريخي ورائنا ، وأحد هؤلاء الإمام ، ولم يتصل بمناهلنا ـ من منابع الماضين ـ إلاّ روافد معدودة بالأصابع كذلك لم تتسنّه ، أحدها : ( نهج البلاغة ) .

إنّ كل شيء في عالم المادّة ـ ابتداء من الذرّة وما هو أصغر من الذرّة ، وانتهاء بالسديم وما هو أكبر من السديم ـ يتحرّك تحرّكاً دورياً ، وفي كل دورة يفرغ طاقة ويجمع طاقة ، وكل شيء في عالم المعنى يتحرّك تحرّكاً دورياً كذلك للانسجام الكامل بين المادّة والمعنى ، قد تختلف الدوائر ولكنّها تبقى دوائر ، والإنسانية ـ كشيء ـ تتحرّك التحرّك ذاته : فمحطّة المستقبل هي قاعدة الماضي ، ونقطة المحطّة ـ القاعدة هي نقطة اللا أمام واللا وراء ، وهي نقطة سقوط الماضي والمستقبل .

وهذا هو سر رحلة الإنسانية نحو ( نهج البلاغة ) باعتباره كتاب حياة ، بعد رحلتها عن ( نهج البلاغة ) باعتباره كتاب تراث ، لأنّ ( نهج البلاغة ) من نقاط التقاء الماضي بالمستقبل ، فهو من المأثور المسطور الذي وفد إلينا من وراء أربعة عشر قرناً ، ولكن لا يمكن أن يعيش عليه ضباب القدم ، لأنّه ـ كالفجر ، كالربيع ، كنجوم الأبد … ـ يزرع الضوء في الطرق الملغمة بالهوى والهوان ، إنّه كالكون : قديم بإطاره ، وجديد بما تكتشف فيه من أفكار وتدجن منه من طاقات .

أنا لا أعلم كم ـ بالضبط ـ كان مدى صوت الإمام ، ولكنّي أسمع صوته ـ بوضوح ـ يشجّع ضمير الإنسان على الانتشار وتغطية كل تصرّفاته .

وأنا لا أعلم كم ـ بالضبط ـ كان حجم قلب الإمام ، ولكنّي ألمسه ـ بوضوح ـ يضخ الحياة في شرايين الخانعين .

وأنا لا أعلم كم ـ بالضبط ـ كان مدى سيف الإمام ، ولكنّي لا تغزوني سكرة الهموم إلا وأجد أنّي أرفأ إليه ، فيغسل عنّي الويلات ؛ تماماً .. كما كان المعذّبون يلجأون إلى الإمام ، فيمسح عنهم الرهق ، ويفرغ عليهم صحوة الأمان .

إذن : فـ( نهج البلاغة ) جزء من الإمام ، وجناح من أجنحته العريضة : يمنح الدفء للمتجمّد من الجهل ، ويفرش الظل للمحترقين بالظلم ، صحيح : إنّه يحتمل الصدمات بمقدار ما يحمي ؛ ولكنّه الفداء المستمر ، الذي يعيش بخلوده لا بوجوده .

فإذا استطاع ( أن لا يقار على كظة ظالم أو سغب مظلوم ) ، فلا يهمّه ( أوقع على الموت أو وقع الموت عليه ) ، بل يفضّل أن يقع ـ هو ـ على الموت ، فيضع حدّاً لحياته بموت يحيي أموات الأحياء ، فـ( ألف ضربة بالسيف أهون عليّ من ميتة على فراش ) قال هو ( عليه السلام ) .

ولولا أنّ الإمام أبى إلاّ أن يكون الفداء المستمر : لكان ( أدهى العرب ) ـ كما قال ـ ، ولعرف ( فيم علاجهم ) ـ كما قال ـ ، ولاهتدى ( الطريق إلى مصفى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ) (۱) .

ولاستطاع ـ أخيراً ـ أن يكون أمبراطور العرب بل العالم ، ولكنّه لم يستطع ـ عندئذ ـ أن يكون ( أمير المؤمنين ) و( سيّد الوصيين ) ، وهل يرضى القلب الكبير والعقل العظيم أن يلخص اهتمام ( العالم الأكبر ) (۲) في ( سجن المؤمن ) (۳) ، ويختصره ( بين نثيله ومعتلفه ) (۴) ؟! لقد رضي الإمام ( من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه ) (۵) ، ليقيم الحق ويدفع الباطل ، وليكون مقاس الحق الذي يدور معه كيفما دار .

لكل ذلك : الحياة تطارد الإنسان نحو مصادره الأصيلة ، ليقتبس منها وسيلة جديدة لفتح طريق لم يعركه صِدام أو خصام ، فالتدافع الاجتماعي يمتص الإنسان ويستهلك وقوده ، فإذا أصبح هشا ينفيه عن الصميم إلى المخابئ والمجاهل مع النفايات : كما تكتسح الأمواج إلى الساحل ما لا يستطيع الغوص في اللجج ، وكما يدفع البدن زوائده من شبكة الجلد … فلابد من موانئ يرفأ إليها الإنسان كلّما أضناه الرهق ، ليستمد منها الطاقة على استعادة التجربة .

وموانئ الإنسانية عديدة ، ولكن ـ لعل ـ ( نهج البلاغة ) ثاني أعظم ميناء للطاقة الإنسانية ، يتساقط إليها المتعبون ، فإذا نفخ فيهم نشطوا نحو الأجواء العالية لمزاحمة السحاب .

فالقرآن الكريم ـ ولا شك ـ أغنى رصيد للإنسانية ، وقد نظر إلى الكون والحياة والإنسان باستيعاب مركّز وعمق معجز ، ولكنّه ألقى عليها نظرة تطل من ارتفاع شاهق ، فتستجلي كل شيء ، متجاوزاً عقبات الطبيعة وحواجز البشر ، فأعطى درساً دستورياً مكثّفاً ، بعيد الآفاق والأعماق ، فكان كخلاصة الفيتامينات : لا يمكن تناولها في جرعة ، ولا يمكن الاكتفاء بها لإقامة جسم .

والرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ـ ولا شك ـ أبلغ من جرّب الضاد ، ولكن دورة التأسيس لم تكن تسمح إلاّ بطرح القضايا المبدئية ، وخلع نفسه على سطح المجتمع لإقامة قواعد الإيمان وشعائره ؛ كلّما تراخى الصراع الدائر حول مبدأ التوحيد واصل الرسالة ، فلم يكن في وسع الرسول ـ ولو في يوم واحد ـ أن يحدّث الناس بكنه عقله ، وإنّما كان يحدّثهم بمقدار عقولهم (۶) .

فكان في مقدور الإمام أن يقف تحت مظلّة القرآن والرسول ، ويعمّق المفاهيم الجديدة ويركّز المقاييس الجديدة التي أتى بها القرآن والرسول .

ووقف الإمام يعمّق ويركّز ـ في وفرة هائلة ـ الأحكام : ابتداء من أوّل الدين ، وتوحيد الله ، وصفاته تعالى ، ومروراً بفلسفة الرسالات ، وتقييم الإسلام ومفاهيمه وأحكامه ، وشرح مواقف الرسول ، وأبعاد القيادة ، والحقوق المتكافئة بين الأطراف الكونية والبشرية ، وانتهاء بوصف السماء ، والأرض ، والطاووس ، والنملة ، وأشياء كثيرة ، وبحوث متنوّعة … ؛ لولاها لكان في الإسلام فراغ كبير وغموض شديد .

وهو عندما يعمل في موضوع ـ أي موضوع : وضيع أو رفيع ـ لا يسرد سرداً ولا يجتر اجتراراً ـ كما نفعل نحن ، أو حتّى كما يفعل الفلاسفة والمفكّرون ـ وإنّما يجسّد شيئاً حاق به ، ويفرغ شحنةً ضاق بها ، فلا تأخذه كيف شئت وإنّما يأخذك كيف شاء ، حتّى كأنّك في مشهد أو محراب لا أمام خطيب أو كتاب .

ثمّ : التسلسل المنطقي المتين وتولّد الأفكار من الأفكار ، فكل فكرة نتيجة طبيعية لما قبلها ومقدّمة طبيعية لما بعدها ، فلا فكرة إلاّ وتمسّك بك للتأمّل ، ولا جملة إلاّ وتطلّك على آفاق تطل على آفاق ، بدون أي تلكّأ ، أو تكلّف ، أو جهاد ، أو لهاث … ؛ بل كما ينفجر الفجر ، وينسرح العطر ، وتهرب المياه في الأنهار ، وتفرز القطوف من الأشجار …

وهذه المقدرة الذكية مظهر لواقع الإمام المعجز في كل ما قال أو كتب ، حتّى وهو يتناول أعتى الأشياء على القلم واللسان .

فاستمع إليه وهو يتحدّث عن الدين وعن التوحيد وعن الله : ( أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه : لشهادة كل صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة ) .

( فمن وصف الله ـ سبحانه ـ فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّاه ، ومن جزّاه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال : ( فيم ) ؟ فقد ضمّنه ، ومن قال : ( علام ) ؟ فقد أخلى منه ) .

( كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزايلة ، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحّد إذ لا سكن يُستأنس به ولا يستوحش لفقده ) (۷) .

فالأصل الأوّل للدين هو ( معرفة الله ) ، ولا يمكن معرفة الله إلاّ بـ( التصديق ) فمجرد ( التصوّر ) ليس ديناً ، وإنّما الدين هو الإذعان المطلق ، ولا يكمل ( التصديق ) إلاّ بالإله الواحد ، فالتصديق بالآلهة المتعدّدة بدائي يزول بالتأمّل ، لأنّ الإله لو كان متعدّداً لتناقضوا وعلا بعضهم على بعض ففسدت السماوات والأرض (۸) ، هكذا تنبسط الأفكار الجليلة الماورائية لمدى الإمام ، فتتولّد وتتناسق بمثل هذه الجزالة وهذا العمق .

ويقول قبل ذلك : ( ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود ) (۹) .

فالله ( مطلق ) غير متناه ، فلا تطوّقه دائرة الأبدية التي طوّق بها خلقه ، وإنّما هو فوق هذه الدوائر ومعها وبعدها .

والوقت هو وليد حركة الأجرام الكونية ، فلا يرقى إلى الله ، فبالنسبة إلى المقهورين بالزمان يوجد شيء اسمه ( الأبد ) ، أمّا بالنسبة إلى قاهر الزمان فلا يلغي مولدات الزمان إلاّ ويكون ( الأبد ) قد رحل .

وسئل الإمام عن التوحيد والعدل ، فكان الجواب : ( التوحيد : أن لا تتوهمه ، والعدل : أن لا تتهمه ) (۱۰) .

فالصور الذهنية مخلوقة لأصحاب الأذهان ، وليست خالقة لهم ، والإله المتهم ليس عادلاً ، أمّا الله فهو : خالق الأوهام ، وبعيد من الاتهام .

وفي كل ما قرأت عن الله لم أجد جملتين بهذا الجلاء والمضاء : كل جملة تتضمّن مدلولاً واضحاً يرفض أي احتمال ، ودليلاً مكيناً لا يترك مجالاً لجدال ، وهل يمكن أن يوجد إنسان يتحدّث عن صفات الله بمثل هذه السيطرة على التفكير والتعبير ؟!

ويمضي ـ متابعاً خطوه ـ في دائرة المعارف التي نهجها لتعميق المفاهيم وتركيز المقاييس الجديدة ، ويقف على فلسفة الرسالات ، فيلخصّها في بندين :

۱ـ إنّ الله أخذ الميثاق من بني آدم ـ قبل أن ينقلهم إلى هذا العالم ـ على أنّ الله ربّهم ، فأعطوا الميثاق من أنفسهم : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ـ مِن ظُهُورِهِمْ ـ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) ؟! قَالُواْ : ( بَلَى شَهِدْنَا ) … ) الأعراف : ۱۷۲ .

وأخذ نفس الميثاق من الأنبياء ـ بصورة أكيدة ـ : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ) الأحزاب : ۷ .

ثمّ تمرّد بنو آدم على الميثاق الذي أعطوه من أنفسهم ـ لما انتقلوا إلى هذه الدنيا ـ فكفروا بالله ، فبعث الله الأنبياء ليطلبوا من بني آدم العمل بذلك الميثاق .

۲ـ إنّ الله أرسل إلى كل إنسان رسولاً هو ضميره ، وهذا الرسول يقول للإنسان كل شيء ، يقول : هذا حق ، وذاك باطل ، ولماذا فعلت الشر وتركت الخير ؟! ففي بعض الحديث : ( إنّ لله على الناس حجّتين : حجّة ظاهرة ، وحجّة باطنة ، فأمّا الظاهرة : فالرسل والأنبياء والأئمّة ( عليهم السلام ) ، وأمّا الباطنة : فالعقول ) (۱۱) .

ومحكمة الضمير تبقى مفتوحة ليل نهار ، وتدأب في أعمالها وإصدار أحكامها حتّى في حالات النوم ، فتصوّر الأحكام بالأحلام ، ولكن الضمير قد يضعف بكثرة تسفيهه وتقريعه ، وقد يدفن تحت ركام من الشهوات والعادات ، فأرسل الله الأنبياء لتحرير الضمائر المكبّلة ، وتفجير الضمائر المهلهلة : ( واصطفى ـ سبحانه ـ من ولده ( آدم ) أنبياء : أخذ على الوحي ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم ؛ لمّا بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم … فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبيائه ؛ ليستأدوهم ميثاق فطرته … ويثيروا لهم دفائن العقول … ) (۱۲) .

فالأنبياء ما جاءوا ليناقضوا الإنسان ، وإنّما جاءوا ليشجّعوه على الالتحاق بواقعه ، ويفجّروا طاقاته الدفينة تحت أنقاض التخلّف والإجرام ، أو لم يفسّر القرآن فلسفة بعثة الرسول بقوله : ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ … ) الأعراف : ۱۵۷ ؟!

من هنا ، من مصدر الوجود ومبعث الرسالات ، يبدأ الإمام في فلسفة الوجود ، ولا يحاول ـ مطلقاً ـ أن يبرك فلسفة مستقلة ، وإنّما يتابع الرحلة التي صدح بها القرآن منذ بدأ القرآن رحلته إلى الأرض إلى أن بلغ ختامه ، ويواكب سير الرسالة منذ أن دثر الله رسوله بالوحي إلى أن خلع الحياة ، وإن كان ـ في بعض الأحيان ـ يبدو أنّه ينسج من جديد ، ولكن ـ لدى التحقيق والمقارنة ـ يظهر أنّه يستقي من الضمير القرآني المجيد ، والعمق الرسالي الرشيد .

وإن يكن ـ هناك ـ أي زهوق أو مروق ، ففلسفة الوجود واحدة : عبّر عنها القرآن بأسلوبه الدستوري ، وعبّر عنها الرسول بأسلوبه التأسيسي ، وعبّر عنها الإمام بأسلوبه التركيزي ، أمّا سائر الفلسفات الأخر : فإنّها تعاني من التخلّف أو التجاوز ، وفي كلتا الحالتين لا تطابق بينها وبين الواقع .

وفلسفة الوجود الصحيحة ـ التي عبّر عنها الإمام ـ هي التي انبثقت عن الله ، ولكنّها ما انفصلت عنه بالمزايلة ـ حسب تعبير الإمام ـ ، فكل شيء ـ مهما كان صغيراً أو كبيراً ـ جزء من الكون ، اندفع إلى الوجود وفق فلسفته العامّة ، فهو يعطي للحياة ويأخذ من الحياة ، فلا ينظر إليه باعتبار حجمه ، وإنّما ينظر إليه باعتباره طرفاً متعاملاً مع الكل ، فله احترام الكل ، أو لم يقل القرآن : ( مَن قَتَلَ نَفْسًا ـ بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ ـ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) ؟! المائدة : ۳۲ .

فقوّة الوجود تمنح لكل صغير نصيبه من الرعاية بنفس الاهتمام الذي تعطي به نصيب الكبير : فللنبتة الزاحفة من الاهتمام بقدر ما للدوح العتي ، ولصغار الحشرات وزغب الطيور ما لسباع الصحراء ونسور الفضاء ، أو ليس الله ( أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) طه : ۵۰ ، و( أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) النمل : ۸۸ .

وأقل حق يوفّر على المخلوق ـ وخاصّة : إذا كان ذا حياة ـ أن يوفّر له حق الحياة ، فلا ينازع في ما يمسك عليه حياته ، فـ( لكل ذي رمق قوت ) و( لكل حبّة آكل … ) .

وعندما تكون الجناية على ضعيف لا يقاوم ، وعندما تكون الجناية من أجل شيء بخس لا يغري ؛ تنقلب الجناية الصغيرة خيانة عظمى ، لأنّها تشويه لعدالة الله في الوجود ، واعتداء على العدالة الكونية : ( والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها ، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ، ما فعلته ) .

فلا يؤخذ الكون بعين الشاعر التي تظهره في وحدة وجودية ، ولا يؤخذ بمعمل العالم الذي يجزء كل شيء ويفرده لتكبيله وتحليله ، وإنّما يؤخذ الكون ـ كما هو ـ أجزاء متباينة متعاونة ، فعناصره المختلفة مترابطة مع بعضها ، ولبعضها على البعض حقوق متكافئة : فإذا كانت الشمس تمنح الوجود دفأ ، فهي تأخذ منه ما يعوض استهلاكها ، فلا يصغر حجمها ، وإذا كان البحر يرطّب الجو غيوماً ، فهو يسترجع روافده عيوناً وأنهاراً ، فلا ينضب .

وإذا أخذت الوردة من الهواء والنور ، فهي تدفع إليهما من عطرها ولونها بمقدار ما أخذت منهما ؛ فـ( بالحق قامت السماوات والأرض ) ـ قال الإمام ـ ، ولكل شيء دور لابد له من القيام به ، وإلاّ كان ميتاً استهلكته الأحياء بسرعة كبيرة ، في عمليات التطهير الدائبة في الكون .

وبين البشر ـ الذين هم من عناصر هذا الكون ـ نفس الحقوق المتكافئة بين جميع عناصره ، القائمة على وحدة هي ( الحق ) : ثمّ جعل ـ من حقوقه ـ حقوقاً لبعض الناس على بعض ، فجعلها تتكافأ في وجوهها ، ويوجب بعضها بعضاً ، ولا يستوجب بعضها إلاّ ببعض .

فمن يعطي من نفسه الحق يأخذ الحق من نفوس الآخرين ، ومن يرفض الاعتراف بحقوق الآخرين لا يكون له في الحق من نصيب ، ومن أخذ أكثر ممّا أعطي فهو ظالم ، ومن دفع أكثر ممّا أخذ فهو مظلوم ، فإذا تزاحمت النعم على فرد فهو لم يجمعها بقدرة قادر ، وإنّما هي حصيلة عناصر أخرى بشرية وغير بشرية ، فعليه أن يرتفع ـ في تعامله مع سائر عناصر الكون ـ إلى ذلك المستوى ، وإلاّ انسحبت عناصر الكون عن التعامل معه إلى مقدار تعامله معها : ( من قبض يده عن الناس قبض عنهم يداً واحدة وقبضت عنه أيد كثيرة ، وإذا قبضت عنه أيدٍ كثيرة ، يبقى وحيداً لا يجيد إلاّ القليل ) .

( من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه : فمن قام لله فيها بما يجب عرّضها للدوام والبقاء ، ومن لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال والفناء ) (۱۳) .

فعدالة الله جارية في نواميس الكون ، وهي ( الحق ) الذي به قامت السماوات والأرض ، ولا يحيد عنه شيء إلاّ لينهار هو ويستهلك في غيره .

الناس لا يوجهون طاقتهم القتالية إلى الأموات ، ولا يضربونها حتّى بالحجارة ، لأنّهم بحاجة إلى طاقتهم وجهدهم ، فلا يوجهونها إلاّ إلى من يخافون منه ، وهم لا يخافون من الأموات ، فلا يهدرون شيئاً من طاقتهم وجهدهم إلى هدمها ، وإنّما يتركون الأموات يهدمها الزمان ويأكلها التراب .

ولكنّهم يحاربون العمالقة بعد موتهم ، لأنّ العمالقة لا يموتون ، وإنّما يعيشون ـ بعد غيابهم في التراب ـ حقباً مختلفة ، يثيرون الهلع والفزع في قلوب الأقزام ، والإمام من العمالقة الذين ما ماتوا ، وإنّما استمروا يحرّكون الحياة وهم راقدون مع الأموات .

لقد استشهد الإمام في المحراب ، ودفن ليلاً ـ لا يحمل جثمانه إلاّ اثنان من أبنائه ـ كما يدفن الغرباء ، رغم أنّه خليفة المسلمين ، وبقي الناس يرهبونه ، والخوارج ينبشون القبور في ظهر الكوفة بحثاً عن جثمانه ، خشية أن تعود إليه الروح ، وجنّدوا كل أجهزة العالم الإسلامي للتشكيك : في كفائته كخليفة ، وفي سعته كإمام ، وفي إنسانيته وإسلامه ، واتهموه بكل التهم المتوفّرة في مختلف عصورهم ؛ فلم تنجح في اقتلاعه من قلوب البشر ـ مسلمين وغير مسلمين ـ الذين : عرفوه بشراً بين الخالق والمخلوق ، وعرفوا كلامه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق ، ثم نهض من تحت كل هذا الركام من الأنقاض ، يقود الناس ، عجيب أمر هذا العملاق الذي يرفض أن يموت !

لقد ظهر أن سيل النار الذي يتدفّق نحوه ـ على امتداد أربعة عشر قرناً ـ لإحراقه ، ينصب في دمائه ، ليزيد في مقدرته على قيادة البشر ، وتجاوز كل الحواجز التي تفصل بين الأمم .

عاطفة الإمام الحادّة ما طافت فوقه كالطوفان ، وإنّما كان عقله الجبّار ينظّم عاطفته ، فهي تجيش ولا تجرف ولا تغرق .

عينه على كل حركة ، وسمعه على كل همسة : فلا يسمع أنيناً إلاّ خف بالنجدة ، ولا سؤالاً إلاّ سارع بالجواب ، ولا عثرة إلاّ بادر بالهدى يتتبع آلام الناس فيفنّدها ، وجراحاتهم فيضمّدها ، ومشاكلهم فيضع لها حلاً بليغاً .

في قلبه إيمان يخصب الأفئدة ، وفي عينيه أسى عذب يتوهّج كلّما رأى العذاب في العيون ، وعلى جبهته السموح نفار عزم رشيد .

ويسير ـ على الزمان ـ مكدوداً ، تمر ساعاته ـ كالدهور ـ بطيئة مثقلة بالمتاعب والمصاعب ، فقد سلّطت الدنيا عليه الأضغان والأحقاد بكل وسائل التعذيب والاضطهاد :

فهذا يعذّب حتّى تفيض روحه ، وذاك يعذّب وأقصى أمانيه أن تفيض روحه ولا تفيض ؛ وهو لا يملك أن يدرأ ، فحوله أنصار كالأعداء ، فيغضب ، ولابد من الغضب .

الأديب يتصوّر ، ولا يهمه أن يصوّر تصويراً جميلاً ، بينما الإمام يكرّس الواقع في تصوير جميل ، ثمّ يفرغ الواقع والصورة في ما يهدي ويرشد ، فالأدب ليس ترفاً والواقع ليس قرفاً ، إنّما هما جزءان من الوجود لتكميل الجزء الثالث الذي هو الإنسان .

كان للإمام من روعة الأدب الجاهلي وسحر الواقع الإسلامي ، ما حدا ببعضهم إلى أن يقول ـ في كلامه ـ : ( فوق كلام المخلوق ، ودون كلام الخالق ) .

فقد نشأ في المحيط الذي تصفو فيه الفطرة ، وعايش أحكم الناس الرسول ، وتلقّى رسالته قبل أن يجري عليها نفس ، بالإضافة إلى مواهبه العظيمة ، فتلاقت : الفطرة ، والتوجيه ، والبيئة .

الإمام ذلك الإنسان الشامل ، الذي وظّف البحث والوصف للتعبير عن فلسفة الوجود : فيتحدّث عن أحوال الدنيا وشؤون الناس ، ويعرّف البرق والرعد ، ويوجّه إلى خفايا النمل والخفاش ، ويقنّن الأخلاق ، ويصوغ النظم ، أو ليس كل شيء وجد لحكمة ، والله أتقن كل شيء ، وله في كل شيء آية ؛ لا فرق بين صغير وكبير ؟! فالكل مضموم برباط ، طرفاه الأزل والأبد .

الفلاسفة يحولون الواقع الملموس بالمشاعر ، إلى فلسفة لا تلمس إلاّ بالأفكار ، والقادة يحولون الفلسفة التي لا تلمس بالأفكار إلى واقع ملموس بالمشاعر ، ثمّ يوظّفونه في تحريك الجماهير في الطريق الذي يشقّونه لها ، نحو الهدف الذي يحدّدونه لها ، فالجماهير لا تسير خلف الكلام ، ولكن الفلاسفة والجماهير معاً يسيرون خلف الواقع ، فالقائد ـ دائماً ـ أمام الفيلسوف .

والإمام استطاع أن يحتضن الأفكار المجهضة ، ويربيها ، ويجعلها خلقاً حياً يسير بين الأحياء ويحرّك الأحياء ، فكان ذلك القائد الذي يحلق في الأعالي ـ كموكب ملائكي ، كقاعدة النور يغيّر ويطوّر ، وأجيال الفلاسفة يقبعون في كل زاوية ومنعطف ، في انتظار : أية لفتة أو كلمة ، وأية نبضة فكر أو فتكة سيف ليجتمعوا حولها : فيفسّروها ، ويكبّروها ، ويبنوا بها شخصياتهم الفلسفية .

يرى الإمام ، فيشعر ، فيعبّر بمقدار الموقف ، فيجتمع لديه الصدق ، بالموافقة لمقتضى الحال ، اجتماعاً عفوياً ، فيسجع بمقدار ما في الموقف من سجع ، ويصنع بمقدار ما في الموقف من صنعة ، فيكون ـ مع المنافقين والمنتفخين على حساب المستضعفين وأصحاب الحقوق المهدورة ـ ثائراً هادراً ، يصعق : فتنخلع القلوب ، وتزيغ الأبصار .

ويبدو كل شيء ـ أمامه ـ هيّناً تافهاً : ( ما هي إلاّ الكوفة ، أقبضها وأبسطها ) حتّى كأنّك أمام البركان إذ يتفجّر ، والزلزال إذ يدمّر ، أو أي مظهر من مظاهر الطبيعة لا يطال ، فما لك إلاّ أن تعترف وتخشع ، ويميّز أسلوبه ـ في مثل هذا الموقف ـ بالتكرار بغية الإقرار ، وباستخدام المترادفات من الكلمات ، وتهويل التعبير ، لمزيد من التأثير ، وينتقل من استعظام إلى استفهام ، إلى إخبار ، إلى إنكار …

وإذا كان ( نهج البلاغة ) بعض التعبير الشفوي من قشرة حياة الإمام ، فما هو عمق حياة الإمام ؟ إنّه ( الإمامة ) بمعناها الدقيق العميق .

وإذا كان ما وصل إلينا بعض ما كان بينه وبين الناس ، فما كان بينه وبين الرسول أروع ، وما كان بينه وبين الله أوسع وأجمع .

وكما تبكر الغزلان إلى الماء ، لتنال ريّاً يساعدها على رقصة الصحراء ، وكما تقذف أعالي الصخور ما في ثقوبها من الطيور ـ مع ذرّات النور ـ إلى السهول ، لتلتقط زادها على مسح الفضاء ، وكما ترمي البحار ما على ظهورها من السفن إلى الضفاف ، لتأخذ قسطها من الاطمئنان والنشاط على مناورة الأمواج … ؛ كتلك يكون الإنسان عندما يقترب من ( نهج البلاغة ) ، لينهل من نميره العذب ، ويتزوّد من عطائه السخي ، ويستلهم منه الاطمئنان والنشاط على الإبحار في محيط الحياة .

ولا أريد أن اسبق الكتاب إلى مواضع المتعة فيه : فالبحر هو البحر أجئته حينما تنزو موجاته على شرفة الشمس مع الصباح ، أو حينما يسجو على صفحاته الليل ، ونور الشمس هو نور الشمس ، من أي جانب تأخذه ، ولكن قد يرتفع الإنسان إلى قمّته ، فيفهم بعض شيء من كلام الإمام ، فيتباهى بأنّه فهم هذا الشيء ، وكفاه عبقريةً وشرفاً .
______________

۱ـ نهج البلاغة / كتاب الإمام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري .

۲ـ إشارة إلى الشعر المنسوب إلى الإمام :

أتزعم أنّك جرم صغير ** وفيك انطوى العالم الأكبر ؟!

۳ـ إشارة إلى الحديث الشريف : ( الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر ) .

۴ـ إشارة إلى كلام الإمام حول عثمان : ( إلى أن قام ثالث القوم : نافجاً حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه ) نهج البلاغة / الخطبة الشقشقية .

۵ـ نهج البلاغة / كتاب الإمام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري .

۶ـ إشارة إلى الحديث الشريف : ( إنا أمرنا ـ معاشر الأنبياء ـ أن نكلّم الناس بقدر عقولهم ) بحار الأنوار ج۲ ، ب۱۳ ، ح۲۳

۷ـ نهج البلاغة / الخطبة الأولى .

۸ـ إشارة إلى الآية الكريمة : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ ـ رَبِّ الْعَرْشِ ـ عَمَّا يَصِفُونَ ) الأنبياء : ۲۲

۹ـ نهج البلاغة / الخطبة الأولى .

۱۰ ـ نهج البلاغة / حكمة ۴۶۲ .

۱۱ـ بحار الأنوار ج۱ ، ب۴ ، ح۳۰ ، فقرة ۱۶ .

۱۲ـ نهج البلاغة / الخطبة الأولى .

۱۳ـ نهج البلاغة / حكمة رقم ۳۶۴ .

الكاتب: السيد حسن الشيرازي