نهج القيادة النبوية

لرسول الله منهجية عظيمة في القيادة، يحتاجها كل قائد في أي موقع من مواقع القيادة، كالزعيم في جماعة، والحاكم في شعب، والأب في أسرته. فكيف كان يمارس القيادة في أمته ومجتمعه؟ هناك منهجان بارزان يتخذهما القائد ليكسب طاعة من حوله، ويضمن انسجامهم وتآلفهم معه، وهما منهج الفرض، ومنهج الإقناع والجذب. إذا أخذنا الأب مثلًا كقائد في أسرته، فإنه يريد من أفراد أسرته أن يطيعوه، وان يكونوا في سيرتهم كما يرغب ويراه صالحًا. ولكن كيف يحقق الأب هذا الأمر في أسرته؟ إما أن يختار منهج الفرض باعتباره في موقع القوة فيفرض طاعته والالتزام بمنهجه، أو أن يتخذ منهج الجذب والإقناع ويكون قادرًا على تحفيزهم وحثهم على ما يريد، وهكذا الحال في كل مجال من مجالات القيادة. وباستقراء تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله يتضح جليًا أنه اختار النهج الآخر، وهو نهج الجذب والإقناع، نهج اللطف واللين، وذلك بتوجيه من الله تعالى، لكي يعطي الدرس لكل قائد وخاصة من يكون في موقع قيادة الأمة، وموقع الحكم والسلطة، عليه ألا يعتمد على القدرة والقوة في ممارسة سلطته، بمقدار ما يعتمد على الجذب والترغيب. كان رسول الله صلى الله عليه وآله يواجه أعداءً خارج دائرة الإسلام كاليهود والمشركين، وهناك أعداء داخل دائرة الإسلام وهم المنافقون الذين تحدث عنهم القرآن الكريم في كثير من آياته، وفيه سورة كاملة باسمهم وهي سورة (المنافقون). المنافقون أناس يعيشون مع المسلمين ظاهرهم الانتماء إلى الدين الإسلامي، والولاء لرسول الله ، ولكن باطنهم المعادة للإسلام وللنبي صلى الله عليه وآله، وما كانوا قلة، كان منهم من هو سطحي في نفاقه وهم من أهل البادية، ومنهم من تمرن وتمرس على النفاق وهم من سكان المدينة. لقد أذِن الله تعالى لنبيه أن يتعامل مع المنافقين تعاملًا قاسيًا حتى يردعهم ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ ولأن الأمر في الآية ليس إلزاميًا فقد اختار صلى الله عليه وآله أن يتعامل معهم باللين لا بالخشونة والقسوة بالرغم من كثير مما كان يعاني منهم، فلم يرو لنا التاريخ حادثة واحدة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قتل أحدهم، أو سجنه، أو عذبه، أو طرده، بل كان لهم مجال المشاركة في صلاة الجماعة مع المسلمين، وفي الحروب والغزوات، ويأخذون نصيبهم من غنائم الحرب، ولكن لماذا؟ أولًا: لأن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يدرك أن منهج الجذب واللين والعطف هو المنهج الصحيح، وهو المنهج الرباني الرحيم. ثانيًا: من أجل الحفاظ على وحدة المجتمع والأمة، فحينما يستخدم القمع والقوة ضد أحد في المجتمع فان ذلك يوسع الشق بين الناس، وهناك من سيتعاطف مع هذا المقموع سواء كان على حق أو على باطل. ثالثًا: لحفظ سمعة الإسلام وذلك يتبين من قول رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض الصحابة حينما أشاروا عليه بقتل أحد المنافقين قال صلى الله عليه وآله: «دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه».

الكاتب: الشيخ حسن الصفار