Untitled-1

نهضة عاشوراء ورسالة الإمام الحسين(ع)

تعتبر القضية الحسينية محطة انطلاقٍ وعروجٍ ينبغي للمسلمين التمحور حولها ليستضيئوا بقبسٍ من معطياتها الكثيرة، مع ملاحظة هامة هنا -قد لا تخفى على الكثيرين- وهي أن غير المسلمين قد استفادوا بقدرٍ من إشعاعات النهضة الحسينية المباركة؛ فهذا غاندي – مثلاً – في كلمته الشهيرة يقول: “تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر”.

وقد ذُكر في هذا المجال كلمة صرح بها أحد كبار القساوسة، يقول فيها: (لو كان لنا نحن المسيحيين الإمام الحسين؛ لاستطعنا أن ننصِّر العالم كله تحت رايته). وهذا التعبير إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى فاعلية قضية الإمام الحسين عليه السلام والشعائر الحسينية في النفوس، وتأثيرها على الأرواح والقلوب، وقدرتها على استعطاف الناس واستهواء الجماهير.

فالقس عندما قال كلمته هذه لم يكن مسلماً حتى يحسب كلامه غلواً في أمر الإمام الحسين(ع)، كما لم يكن جاهلاً حتى نقول بأنه كلام إنسان جاهل.. هذا القس صرَّح برأيه هذا؛ لأنه يعلم أي سحرٍ ستحدثه في النفوس، قضية كقضية الإمام الحسين(ع) الشهيد المظلوم؛ ولأنه تلمس تعاطف المسيحيين مع ما يزعمونه من صلبٍ للمسيح عيسى بن مريم(ع) (وما قتلوه وما صلبوه) (النساء: ۱۵۷).

ويرى المرجع الديني الراحل الامام السيد محمد الشيرازي “قدس سره” أنه فيما يرتبط بشهر محرم الحرام، وخاصة يوم عاشوراء الدامي، وكذلك أيام الأربعين، هناك موضوعان في غاية الأهمية، يجب أخذهما بنظر الاعتبار، وهما:

۱- وجوب تطبيق كل الأحكام الشرعية وجميع القوانين الإسلامية الثابتة عن طريق القرآن والسنة المطهرة.

۲- وجوب هداية الناس جميعاً، وخاصة غير المسلمين، إلى الإسلام. وعلى المسلمين عامة، والخطباء والمبلغين وأصحاب القلم والمنبر خاصة، التحدث بهما والكتابة عنهما، حتى ينتشر ذلك في المجتمع الإسلامي، ويتعرف عليه جميع المسلمين.

فرسالة عاشوراء: (إحياء الإسلام، وإرجاع القرآن إلى الحياة. وهذا هو ما كان يستهدفه الإمام الحسين عليه السلام من نهضته وشهادته؛ وذلك لأن الإسلام الذي أنزله الله تعالى في كتابه، ونطق به قرآنه، وبلّغ له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وضحّى من أجله أهل البيت عليهم السلام، وخاصة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء يوم عاشوراء، هو الدين الكامل، والقانون الشامل، الذي باستطاعته وفي كل عصر وزمان أن يسعد الإنسان، والمجتمع البشري، ويضمن له التقدم والرقي، والتطلع والازدهار).

فـ(مثلما ثار الإمام الحسين عليه السلام في طريق تطبيق الإسلام والعمل بقوانين القرآن، يتوجب علينا كذلك أن تكون خطانا إثر خطاه عليه السلام، وأن نسعى لتطبيق أحكام الإسلام في بلدان العالم الإسلامي)

ويعتقد الإمام الشرازي “قدس سره” ضرورة الإهتمام بمسائل قد تُركت، وهي ثابتة عندنا، ووصلت إلينا عن طريق: القرآن الكريم، وسنة الرسول الأعظم(ص)، وسيرة أهل بيته الطيبين الطاهرين(ع)، ومنها:

أولاً:

آية الحرية الإسلامية وهي قوله تعالى: (ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (الأعراف:۱۵۷).

باعتبار أن (الإسلام أعطى كامل الحرية للإنسان، وذلك في غير ما فرضه الله تعالى على الإنسان لحفظ إنسانيته، وتعالي روحه، ورغد عيشه، وسعادة حياته، من فعل الواجبات وترك المحرمات، وما أقلهما بالنسبة إلى الحريات الإسلامية، فإنه فيما عدا ذلك جعل الله الإنسان حراً في أن يفعل ما يشاء).

فالإسلام قد كفل للإنسان الحرية في العقيدة والفكر، كما ترك له الحرية في اختيار طريقة الكسب التي يراها، ولم يمنعه من حيازة المباحات التي يشاء، ولم يحظر عليه التنقل في أرض الله الواسعة، كما حثه وشجعه على الزراعة والصناعة، ووفر له كذلك الجو المناسب لتوجيه النقد بالنسبة للحاكم وحاشيته. وكما أتاح الإسلام الحرية للأفراد، فقد أتاحها للتجمعات والأحزاب على حدٍ سواء.

(وبكلمة واحدة: إن الإسلام يضمن لكل الناس حرياتهم المشروعة الأعم من الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها)

ثانياً:

آية الأخوة الإسلامية والإيمانية: وهي قوله تعالى: (إنما المؤمنون أخوة) (الحجرات:۱۰) هذه الآية التي يحفظها المسلمون جميعاً، ولكنها من الآيات -الكثيرة- المهجورة التي أعرضوا عنها؛ فالرباط الذي يجمعنا كمسلمين ينبغي أن يكون رباط الدين والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله…إلخ.

الإسلام أراد لنا أن نكون كأفراد أسرة واحدة، (وقد آخى رسول الله(ص) عملياً -بعد أن جاء القرآن بآية الأخوة- بين المسلمين أكثر من مرة؛ ليطبق أمر الله، ويعلم المسلمين على التآخي بينهم).

(فعلى الجميع السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية، وإذا تحققت الأخوة الإسلامية بين كل فصائل المجتمع الإسلامي، فإنه يمكن حينها لكل فرد، في أي بلد كان من البلاد الإسلامية، أن يحصل على جميع المزايا الإسلامية والحريات الفردية والاجتماعية التي أقرّها الدين الإسلامي).

ثالثاً:

آية الأمة الواحدة: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (المؤمنون:۵۲).

(وهذه الآية الكريمة تعني أن المسلمين لهم مشتركات كثيرة، من أهمها: توحيدهم للخالق تبارك وتعالى، وقبولهم نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واعتقادهم بالإسلام والقرآن، والقيامة والمعاد. وهذه المشتركات هي التي تؤكد على أن يكون المسلمون بكل طوائفهم أمة واحدة ذات بلد واحد، وحكومة واحدة).

والمقصود من الأمة الواحدة (ليس مجرد الاسم والشعار، بل هو التطبيق العملي المتحقق خارجاً برفع الحدود والحواجز الجغرافية بين البلاد الإسلامية، وتأسيس الدولة الإسلامية الموحدة والعظيمة).

من الموضوعات المهمة التي ركّز عليها الإمام الشيرازي هي قضية إحياء الشعائر الحسينية، فالإمام الراحل يدعو للاهتمام بكل ما يرتبط بالإمام الحسين(ع)، وبالشعائر الحسينية، فهو يركز على ضرورة ارتداء ملابس الحداد، وتغطية الجدران، والشوارع، والبيوت، والمساجد، والحسينيات، وغيرها، بالسواد، ورفع الأعلام السود عليها، علامةً للحزن والحداد على سيد الشهداء(ع). كما يركز سماحته على إقامة المجالس، ومختلف مواكب العزاء، مما قد تعارف عليه الناس من الشعائر الحسينية، بل وأكثر من ذلك.

ويؤكد الإمام الشيرازي -قدس سره- على أهمية التجمعات الحسينية؛ إذ يعدّها (تجمع وتنظيم أساسي لا يمكن التغافل عنه وعلينا أن نعيره أكبر اهتمامنا… فمجالسنا الحسينية التي يقيمها أبناء الشعب في أيام عاشوراء وأربعين الإمام الحسين(ع) ووفاة النبي(ص) والصديقة الطاهرة(ع) ومجالس الوفيات للأئمة عليهم السلام والمجالس الأسبوعية والشهرية التي تقام في المساجد والمدارس والبيوت، هذه المجالس يجب أن تكون ضمن تنظيم حسيني في كل مدينة وفي كل قرية، وتكون هناك قيادات منتخبة، وتنسيق بين المجالس في اختيار الخطباء، وتنظيم المواكب العزائية، واختيار الشعارات الإسلامية التي تنمي في نفسية الشعب روح الحركة والاندفاع).

وباعتبار أن يوم عاشوراء، من الأيام التي غيرت مجرى التاريخ؛ لما جرت فيه من مصائب على أهل بيت رسول الله (ص) ؛ فقد اهتم أئمة أهل البيت(ع) به اهتماماً كبيراً، وحثوا شيعتهم ومحبيهم على إحيائه. وقد نقل لنا التاريخ الكثير من الوقائع والأحداث التي تحكي شيئاً من هذا الإهتمام من قبل المعصومين(ع)؛

فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع) أنه قال لفضل بن يسار: (تجلسون وتتحدثون؟ فقال: نعم، فقال: إن تلك المجالس أحبها الله، فرحم الله من أحيا أمرنا؛ فإن من جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب). ويأمرنا الإمام الصادق(ع) بقوله: (احيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا).

الكاتب: جميل عودة