هل بدأ الجَدْ؟

يبدأ الجد حين ينتهي الهزل، هكذا كان يقول شارلي شابلن، الذي كان يعلن انه لا يحب الجد، لكنه، مثل الدم، يجري في عروقه، فلا يمكن للحياة ان تمضي في طريق الهزل واللعب والمقالب الى ما لا نهاية، ولا يمكن لها ان تكون جادة، متجهمة، مُستنفرة على الدوام.
وقد انشغلنا، واستغرقنا، بالهزل زمنا طويلا، واطول مما هومُحتمل، وشاهدنا فنونا من الهزل والمضاحك والتسليات السياسية فيما بعض الهزل كان كوارث على رؤوسنا مصحوبة بالعويل والخراب والدماء، وبالمقابل ظهر لهذا الهزل ابطال ومخرجون وجمهور، وتجار خردة، وقد حذر على الوردي من اغواءات الجمهور حين يستسلم الى ثقافة مهزوزة.
ولإسباب معروفة، فان لاعبين كثيرين في ساحة السياسية عملوا، ويعملون، على إطالة شوط الهزل، ويأملون ان لا يخرج العراق الى فضاء الجد والبناء والسلام، قبل ان يكف المسرح عن ان يروّج للاباطيل والمساخر، ويعلن بدء الجد، ومن زاوية يبدو اننا انتجنا سياسيين للهزل اكثر مما انتجناه من سياسيين للجد، وهذا يفسر لماذا اطلقت مبادرات التسوية السياسية او التهدئة، كانت اقرب للهزل منها الى الجد.. لنتذكر “ميثاق الشرف” مثلا.
عمليا، ومن الناحية المنطقية، ينبغي ان تتوقف، الان، سيناريوهات الهزل السياسي والمسرحيات وتمارين التسقيط ولي الايدي ولغة استعراض القوة ذات الصلة بالحملة الانتخابية، فقد أغلقت الصناديق بعد ان امتلأت بالاصوات، وصار ثمة مرجع، هو النتائج، معترف به، ليقرر مصائر السياسة والسياسيين، ويُفترض (اقول يُفترض) ان يتعامل المتنافسون مع تلك النتائج باعتبارها حكما، او تمثيلا لأرادة الناخبين، او تجربة تخضع للمعاينة والتقييم والاصلاح والاعتراض، وكل ما عدا ذلك يدخل في عداد العناد السياسي.
وبما ان الديمقراطية ليست انتخابات فقط لكن الانتخابات نفسها تكشف، من جانب آخر، عن جملة التشوهات بين من يعتبرها خيارا لبناء دولة العدالة والخبز والحريات والمساواة ومن يتعامل معها كجسر الى السلطة والامتيازات.
بين من يكرر لوازم التنافس الانتخابي وتوظيفات الصراع الفئوي والشخصي واوهام الاقصاء والتهميش وكسر العظم، وبين من يرتقي بالمسؤولية الى فروض الديمقراطية.
بين من يخشى الخروج من الهزل.. ومَن يتطلع الى مرحلة الجَدْ.
“من يجلس فوق مقعدين يسقط بينهما”.
حكمة ايرانية

الكاتب:عبد المنعم الاعسم