وجود-الله-تعالى

وجود الله تعالى

المبحث الأول: خصائص مسألة وجود الله تعالى

1 ـ تناول القرآن الكريم موضوع التوحيد من جهة وحدانية الله وألوهيته وربوبيته وغيرها من مراتب التوحيد.

ولم يرد في القرآن دليل صريح على إثبات أصل وجود الله; لأنّ القرآن تعامل مع مسألة وجود الله كمسألة ثابتة ومفروغ عنها، وكأنّها مسألة بديهية لا يحتاج إثباتها إلى دليل أو برهان.

ولهذا قال تعالى : { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض}[ إبراهيم: 10 ]

تنبيه :

المشكلة الأساسية التي واجهتها البشرية ـ على مرّ العصور ـ لم تكن في مسألة “أصل وجود الله”، وإنّما كانت في مسألة “وحدانية الله وربوبيته”، ولهذا:

أصبح “توحيد وجود الله” الأصل الأوّل من أصول الدين.

ولم يصبح “إثبات وجود الله” الأصل الأوّل من أصول الدين.

أهم طرق إثبات وجود الله :

أوّلاً ـ طريق الفطرة، وسنبيّن تفاصيل هذا الطريق في المبحث القادم.

ثانياً ـ طريق الاستدلال، أي: طريق إقامة الأدلة والبراهين العقلية، من قبيل برهان الحدوث وبرهان الإمكان، وهي البراهين التي سنبيّنها بصورة مفصّلة في المباحث الآتية.

الصفحة 10

المبحث الثاني : اثبات وجود الله عن طريق الفطرة

الفطرة :

الفطرة منبع كامن في باطن الإنسان يجذبه نحو المبدأ الأعلى.

وهذا المنبع هو الذي يرشد الإنسان إلى حقائق كامنة في أعماق ذاته ويدفعه نحو البحث عمّا يروي تعطّشه الروحي في الصعيد الديني والمعنوي.

خصائص الأمور الفطرية :

1 ـ موجودة في أعماق ذات كلّ إنسان .

2 ـ تتحرّك بوحي داخلي، ولا تحتاج إلى تعليم وتعلّم.

3 ـ لا تخضع لتأثير العوامل الخارجية(1).

4 ـ تعتريها حالة الشدّة والضعف، ولكنّها ثابتة، ولا يمكن استئصالها أو القضاء عليها.

الفطرة والإيمان بوجود الله :

إنّ الايمان بوجود الله أمر فطري.

دليل ذلك :

وجود “الرغبة الدينيّة” بين أبناء البشر على مرّ العصور واختلاف الشعوب، وهدا ما يدفعنا إلى الإذعان بأنّ هذا الشعور أمر فطري .

ولو كان هذا الشعور:

1 ـ يتواجد عند بعض الناس دون غيرهم.

2 ـ يحتاج إلى تعليم وتعلّم .

____________

1- من قبيل العوامل الجغرافية والسياسية والاقتصادية وغيرها.

الصفحة 11

3 ـ يخضع للعوامل والظروف الخارجية.

4 ـ غير ثابت في الذات البشرية.

لوجب أن تكون هذه الرغبة الدينيّة فقط عند من تتوفّر عندهم هذه الشروط .

ولوجب أن توجد هذه الرغبة الدينيّة عند بعض الأشخاص أو بعض الطبقات الخاصة أو بعض الشعوب فقط دون غيرهم.

ولكن الواقع يكشف عكس هذا الأمر تماماً، ونحن نرى بأنّ الرغبة الدينيّة تستيقظ في باطن كلّ إنسان، ويشعر بها الإنسان تلقائياً سواء كان في برهة من حياته ولا سيما في حالة الشدّة والبلاء .

فيثبت أنّ “الرغبة الدينيّة” أمر فطري في الذات الإنسانيّة، وهي تمتلك كلّ خصائص الأمور الفطرية التي ذكرناها آنفاً .

تنبيهات :

1 ـ إنّ الأمور الفطرية ـ في خصوص معرفة الله ـ تنقسم إلى قسمين :

أوّلاً: المدركات الفطرية، من قبيل: معرفة الله الفطرية.

ولهذا تسمّى معرفة الله التي لا تحتاج إلى تعلّم بـ “معرفة الله الفطرية”.

ثانياً: الميول والرغبات الفطرية، من قبيل: عبادة الله الفطرية.

ولهذا يسمّى الشعور بوجود اللّه والرغبة في عبادته في كلّ إنسان بـ “عبادة الله الفطرية” أو “التديّن الفطري”(1).

2 ـ يتّجه الإنسان بفطرته نحو “عبادة الله” كما يتّجه بغريزته نحو حبّ الذات وحبّ الخير وحبّ الجاه وحبّ الاستطلاع.

3 ـ تعتبر الفطرة الدافع الابتدائي نحو الإيمان بوجود الله، ثمّ يتكامل هذا الإيمان بمساعدة العقل.

بعبارة أخرى :

إنّ “الفطرة” تقوم بعملية الاستعداد والتوجّه نحو الله تعالى.

____________

1- انظر: نظرة حول دروس في العقيدة الإسلامية، محمّد تقي مصباح اليزدي، إعداد: عبدالجواد الإبراهيمي: الدرس الخامس، ص 31.

الصفحة 12

أمّا الطريق إلى الله تعالى فهو “العقل”.

ودور “الأنبياء” هو التنبيه ومخاطبة العقل وإقناعه بالدليل والبرهان.

4 ـ إنّ التيارات المعاكسة والمخالفة للإيمان بوجود الله قد تؤدّي إلى تضعيف الاتّجاه الفطري للإنسان نحو الإيمان، ولكن هذه التيارات لا تستطيع أبداً أن تستأصل هذا الاتّجاه أو تقضى عليه بالمرّة.

5 ـ كانت أبرز وظائف الأنبياء تحذير الناس من عبادة الموجودات التي لا تستحق العبادة، من قبيل: الأصنام، الشمس، القمر و… كي لا يروي الناس تعطّشهم الفطري للعبادة بمصاديق كاذبة للآلهة.

الفطرة في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) :

1 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): “كلّ مولود يولد على الفطرة، يعني: المعرفة بأنّ الله عزّ وجلّ خالقه”(1).

2 ـ أقوال أهل البيت(عليهم السلام) حول قوله تعالى: { فطرة الله التي فطر الناس عليها } [ الروم: 30 ]:

قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): “هي الفطرة التي فطر الناس عليها، فطر الله الخلق على معرفته”(2).

وقال(عليه السلام) أيضاً: “فطرهم على معرفته أنّه ربّهم، ولولا ذلك لم يعلموا ـ إذا سُئلوا ـ من ربّهم؟ ولا من رازقهم؟”(3).

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “فطرهم على التوحيد”(4).

3 ـ سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: { وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى } [ الأعراف: 173 ].

فقال(عليه السلام): “ثبتت المعرفة في قلوبهم، ونسوا الموقف، وسيذكرونه يوماً ما، ولولا

____________

1- الكافي، الشيخ الكليني: ج2، كتاب الإيمان، باب فطرة الخلق، ح3،ص13.

2- المحاسن، أبو جعفر البرقي: ج1، باب جوامع من التوحيد، ح [824] 226، ص 375.

3- المصدر السابق: ح [825] 227، ص 375 ـ 376. وعنه البحار ك 3 / 279 ح 13.

4- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 53: باب فطرة الله، ح5،ص321.

الصفحة 13

ذلك لم يدر أحد مَن خالقه ولا مَن رازقه”(1).

____________

  • المحاسن، أبو جعفر البرقي: ج 1، باب جوامع من التوحيد، ح [826] 228، ص 376. وعنه بحار الأنوار: 3 / 280ح16.

الصفحة 14

المبحث الثالث: برهان النظم

معنى النظم :

“النظم” هو الائتلاف بين الأشياء لأداء مهمّة معيّنة.

ويقابل هذا المعنى “الفوضى”.

مثال ذلك :(1)

1 ـ الكلمات: التي تشاهدها على هذه الصفحة رُتّبت لتفهم منها مقاصد معيّنة، فلهذا يقال حول هذه الكلمات: إنّها “منظّمة”.

ولو كانت هذه الكلمات منثورة نثراً عشوائياً، لما حصل منها المقصود المطلوب، ولقيل عنها: إنّها “غير منظّمة”.

2 ـ مواد البناء : إذا رتّبها بانيها على هيئة دار للسكنى، فسيُقال عنها: إنّها “منظّمة”.

ولكن هذه المواد لو كُدّست دون ترتيب معيّن فإنّها ستفقد قابليتها للسكنى، وسيقال عنها في هذه الحالة: إنّها “غير منظّمة”.

3 ـ رتّب مخترع جهاز المذياع أدوات هذا الجهاز. لسحب ذبذبات الأصوات التي ترسلها محطّات الإذاعة، فيقال لهذه الأدوات: إنّها “منظّمة”.

ولكن هذه الأدوات لو جُمعت وجعلت في صندوق من غير تنسيق فإنّها ستفقد القدرة على سحب ما يذاع من المحطّات، فسيُقال عنها في هذه الحالة: بأنّها “غير منظّمة”.

____________

1- انظر: محاضرات في العقيدة الإسلامية، أحمد البهادلي: ص 239، 240 (بتصرّف).

الصفحة 15

تقرير برهان النظم :

عندما يتأمّل الإنسان في السماوات والأرض وما بينها…

فإنّه يرى بأنّها مخلوقة بأحسن نظم وأتقن تدبير..

فيحكم العقل بأنّه:

لابدّ لهذا النظم من منظّم حكيم.

ولابدّ لهذا التدبير من مدبّر عليم.

فيثبت بذلك وجود منظّم حكيم ومدبّر عليم لهذا العالم.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “العجب من مخلوق يزعم أنّ الله يخفى على عباده، وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله وتأليف يبطل حجّته”(1).

تنبيه :

غاية ما يثبته “برهان النظم” ضرورة وجود “منظّم” و “مدبّر” للعالم فقط، أعم من كونه هو الله تعالى أو غيره.

وتوجد في هذا الصعيد أدلة أخرى ـ سنبيّنها لاحقاً ـ تثبت وجود ووحدانية الله تعالى.

مناقشة رأي الماديين حول منشأ النظم(2)

ذهب بعض الماديين إلى أنّ العالم وُجد نتيجة سلسلة من العلل المتتالية.

ولكلّ شيء في هذا العالم علّة، ولهذه العلّة علّة إلى ما لا يتناهى من العلل.

وهذا في نفسه يوجد النظم بصورة لا إرادية، ويشكّل في هذا العالم سلسلة مترابطة ومنظّمة.

بعبارة أخرى :

إنّ الناظم في العالم عبارة عن العلل المكوّنة لهذا العالم.

____________

1- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج3، كتاب التوحيد، باب 5، خبر الإهليلجة، ص 152.

2- انظر: التوحيد، مرتضى مطهري: 64 ـ 87 .

الصفحة 16

وليس النظم شيئاً آخر وراء العلل الموجودة في العالم.

بل النظم عبارة عن الترابط الموجود فيما بين هذه العلل الحاكمة على هذا العالم.

يرد عليه :

1 ـ التسلسل ـ كما سنبيّن ـ باطل، وإذا كان لكلّ علّة في العالم علّة أخرى، فلابدّ أن يصل الأمر إلى علّة قائمة بذاتها تشكّل الانطلاقة لهذه السلسلة.

2 ـ “العلل” التي لا تمتلك “الشعور” و “الإدراك”، تعمل بصورة عشوائية وغير متّجهة نحو هدف معيّن.

ولهذا لابدّ من توجيه مركزي لهذه العلل، ولابدّ من وجود قوّة عُليا ذات شعور وإدراك تدبّر وتدير نظام الأسباب والمسبّبات، وتغرس في كلّ علّة ما يهديها إلى أهدافها المطلوبة.

مثال ذلك:

القوّة المحرّكة ليد الكاتب قادرة فقط على تحقّق الكتابة.

ولكن الكتابة لا تكون مفهومة وذا هدف إلاّ أن يكون الكاتب صاحب شعور وإدراك بحيث يتمكّن من إيصال مقصوده إلى المخاطب عن طريق اختيار أفضل الكلمات.

الصدفة وحدوث العالم :

معنى الصدفة :

الصدفة تعني تحقّق أحداث منظّمة في العالم من دون أن يكون وراءها تخطيط أو محاسبة أو تنظيم.

تنبيه :

ليس المقصود من “الصدفة” :

أن يوجد حدث بنفسه ومن دون علّة لوجوده.

أو تتحقّق ظاهرة بذاتها ومن دون سبب خارجي لها.

لأنّ هذا الأمر لم يقل به أحد، كما أنّه يتنافى مع “قانون العلّية”.

الصفحة 17

وإنّما المقصود من “الصدفة”:

أن يوجد حدث منظّم من دون أن يكون وراءه جهة ذات شعور وإدراك تدير وتنظّم شؤونه.

مناقشة رأي الماديين القائلين بالصدفة في نشوء العالم :

أنكر بعض الماديين وجود التخطيط والتنظيم في نشوء العالم من قبل جهة ذات شعور وإدراك تدير وتنظّم شؤون هذا العالم.

وقالوا بأنّ العالم لم يخلق على أساس من التنظيم المتقن والمسبق.

وإنّما خُلِق نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة والحركات المتتالية من دون أن يكون وراء هذه العلل أي تخطيط أو تنظيم.

يرد عليه :

1 ـ البحوث العلمية التي أجراها العلماء في مختلف مجالات العلوم أثبتت بأنّ الأشياء الموجودة في العالم خُلقت وفق نظام تهيمن عليه حسابات دقيقة مدهشة بحيث يكون من المستحيل للمادّة الصمّاء والعلل التي لا تمتلك الشعور والإدراك أن تكون سبباً لخلق هذا النظام.

2 ـ لا ينكر أحد وجود “الصدفة” في العالم; لأنّها موجودة بمفهوم نسبي لا مطلق، ولكن لا يخفى بأنّ “الصدفة” عمياء وغير مدركة وغير منظّمة ولا تخضع لأيّ حساب وقانون، ولهذا كلّما ازداد الشيء تعقيداً في نظامه ضعف احتمال الصدفة في حصول أثره.

مثال :

إذا مسك أحد الأطفال قلماً، وكتب حرفين على ورقة، فإنّنا يسعنا احتمال وقوع الصدفة في كتابة هذا الطفل لهذين الحرفين.

ولكن إذا كتب هذا الطفل رسالة ذات معاني رائعة وجميلة، فإنّنا نجزم بأنّ الأمر لم يحدث صدفة، بل يثبت عندنا بأنّ هذا الطفل عارف بالقراءة والكتابة.

3 ـ لو سلّمنا بأنّ “الصدفة” لعبت دوراً هامّاً في خلق هذا العالم، فإنّنا لا نسلّم بأنّ الصدفة قادرة على خلق شيء من لا شيء، بل غاية ما تقوم به الصدفة عبارة

الصفحة 18

عن إيجاد مخلوق جديد متكوّن من أشياء كانت موجودة قبله، ولهذا تعجز نظرية “الصدفة” عن بيان منشأ الذّرات الأوّلية المكوّنة للعالم.

4 ـ غاية ما تقوم به الصدفة عبارة عن “تأثير الأشياء بصورة لا شعورية على الأشياء الأخرى”، ولكنّنا عندما نتأمّل ونتدبّر في هذا العالم نرى وجود انسجام بين أحداثه وظواهره.

وهذا ما يثبت وجود مدبّر ومنظّم وراء مجموع العلل والمعاليل الموجودة في هذا العالم.

الصفحة 19

المبحث الرابع: برهان الحدوث

تمهيد :

معنى الحدوث :

عندما نقول : هذا الشيء “حادث”، معنى ذلك : أنّ هذا الشيء لم يكن ثمّ كان، أي : كان “معدوماً” ثمّ صار “موجوداً”(1).

معنى القديم (الأزلي) :

عندما نقول: هذا الشيء “قديم”، معنى ذلك: أنّ هذا الشيء موجود في الأزل، ولا بداية لوجوده، وهو “الموجود” الذي لم يسبقه “العدم”(2).

____________

1- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 42، ذيل ح 7، ص 296.

النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص16.

تلخيص المحصّل، نصيرالدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الأوّل، ص242.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الأوّل، الطريق الثاني، ص67.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الأوّل، المسألة الأولى، المسألة (38)، ص82 .

2- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 42، باب إثبات حدوث العالم، ذيل ح7، ص296.

النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص16.

الرسائل العشر، الشيخ الطوسي: مسائل كلامية، مسألة 1، ص93.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الأوّل، الفصل الأوّل، المسألة (38)، ص82 .

الصفحة 20

برهان الحدوث(1)

المقدمة الأولى: العالم(2) حادث.

المقدمة الثانية: كلّ حادث يحتاج إلى مُحدِث.

النتيجة: العالم يحتاج إلى مُحدِث.

بيان المقدّمة الأولى لبرهان الحدوث : العالم حادث

أدلة حدوث العالم (أي : حدوث الأجسام)

الدليل الأوّل :

كلّ جسم لا يخلو من الحوادث.

وكلّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.

فكلّ جسم حادث(3).

هذا الدليل مبني على إثبات ثلاث قضايا :

الأولى: وجود الحوادث.

الثانية: كلّ جسم لا يخلو من الحوادث.

الثالثة: كلّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.

____________

1- انظر: شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: باب ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد، ص43.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل، المطلب الأوّل، ص39 ـ 40.

قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص46.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الأوّل، الطريق الثاني، ص67.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الأوّل، ص 392.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الرابع، المبحث الثاني، ص158 .

2- “العالم” عبارة عما سوى الله تعالى.

انظر قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص39.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الثالثة، الركن الثاني، البحث الأوّل، ص59.

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الأوّل، ص133.

3- انظر: قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص39.

كشف الفوائد: العلاّمة الحلّي: الباب الأوّل، ص135.

الصفحة 21

القضية الأولى : إثبات وجود الحوادث(1)

الحوادث عبارة عن:

1 ـ الحركة.

2 ـ السكون.

3 ـ الاجتماع.

4 ـ الافتراق.

ووجود هذه الحالات في الأجسام أمر بديهي لا يحتاج إلى استدلال.

التعريف بالحوادث :(2)

1 ـ الحركة: هي كون الجسم في مكان بعد كونه في مكان آخر.

2 ـ السكون: هي كون الجسم في مكان بعد كونه في ذلك المكان.

3 ـ الاجتماع: هي كون الجسمين في مكانين بحيث لا يكون بينهما مسافة ولا بُعد.

4 ـ الافتراق: هي كون الجسمين في مكانين بحيث يكون بينهما مسافة وبُعد.

القضية الثانية : إثبات أنّ الأجسام لا تخلو من الحوادث

إنّ الأجسام لا تخلو من الحوادث، أي: لا تخلو من “الحركة” و “السكون” و “الاجتماع” و “الافتراق”.

توضيح ذلك:

لابدّ لكلّ “جسم” أن يكون في “مكان”.

ومن المستحيل أن يكون “الجسم” في لا “مكان”.

وكون “الجسم” في “مكان” معناه: أنّه لا يخلو من “السكون” و “الحركة”، أي:

____________

1- انظر: قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص39.

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الأوّل، ص135.

2- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 42، باب إثبات حدوث العالم، ذيل 7، ص296. قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص40.

الصفحة 22

1 ـ يستقر “الجسم” في “مكانه” فيكون في “سكون”.

2 ـ ينتقل “الجسم” إلى “مكان آخر”، فيكون في “حركة”.

وإذا كان مع “الجسم” “جسماً” آخر:

فلا تخلو علاقة هذا الجسم مع الجسم الآخر من “الاجتماع” و “الافتراق”، أي:

1 ـ لا يتوسّط بين “الجسمين” شيء آخر، فيكونان في “اجتماع”.

2 ـ يتوسّط بين “الجسمين” شيء آخر، فيكونان في “افتراق”.

فنستنتج: أنّ الأجسام لا تخلو من الحوادث(1).

القضية الثالثة : إثبات كلّ ما لا يخلو من “الحوادث” فهو “حادث”.

إنّ الأجسام تعتريها حالات خارجية، وهي:

1 ـ الحركة.

2 ـ السكون.

3 ـ الاجتماع.

4 ـ الافتراق.

وماهية جميع هذه الحالات هي “التغيير”(2) الدال على “الحدوث”، أي: الدال على الاتّصاف بـ “الوجود” المسبوق بـ “العدم”.

فيثبت أنّ الأجسام حادثة.

قال الشيخ الصدوق:

“ومن الدليل على أنّ الأجسام مُحدَثة:

أنّ الاجسام لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة، ومتحرّكة أو ساكنة.

والاجتماع والافتراق والحركة والسكون مُحدَثة.

____________

1- انظر: قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص40.

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الأوّل، ص 137.

2- يتمثّل هذا التغيير بتبدّل بعض الأجسام إلى البعض الآخر، وتطرّق الزيادة والنقصان إليها واحتياجها في وجودها إلى غيرها و…

الصفحة 23

فعلمنا أنّ الجسم محدَث; لحدوث ما لا ينفك منه”(1).

الدليل الثاني على حدوث الأجسام :(2)

لا يصح أن تكون الأجسام أزلية.

لأنّها لو كانت أزلية لكانت في الأزل إمّا “متحرّكة” أو “ساكنة” وكلاهما محال.

دليل استحالة كون الأجسام متحرّكة في الأزل :

“الأزلية” تستدعي المسبوقية بالغير(3).

و “الحركة” تستدعي المسبوقية بالغير(4).

فـ “الأزلية” و “الحركة” لا يجتمعان.

فيثبت أنّ الأجسام لا يصح أن تكون أزلية.

حدوث العالم في روايات أهل البيت(عليهم السلام)

1 ـ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): “الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو الملك الحقّ المبين…

كنت قبل كلّ شيء.

وكوّنت كلّ شيء.

وابتدعت كلّ شيء”(5).

2 ـ قال الإمام علي(عليه السلام):

“… لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة.

ولا من أوائل أبديّة.

بل خلق ما خلق فأقام حدّه.

وصوّر ما صوّر، فأحسن صورته”(6).

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: الباب 24: باب إثبات حدوث العالم، ذيل الحديث 7، ص293 .

2- انظر: قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص 43 ـ 44.

كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الأوّل، ص144.

3- لأنّ “الأزلي” عبارة عن الشيء الذي لا بداية له، فلا يكون قبله شيء.

4- لأنّ “الحركة” عبارة عن كون الجسم في مكان بعد كونه في مكان آخر.

5- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج57، باب 1: حدوث العالم، ح9،ص 36 ـ 37.

6- نهج البلاغة، الشريف الرضي: الخطبة 163، ص 307.

الصفحة 24

3 ـ قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): “كان الله ولا شيء غيره…”(1).

4 ـ قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام): “ياذا الذي كان قبل كلّ شيء، ثمّ خلق كلّ شيء، ثمّ يبقى ويفنى كلّ شيء..”(2).

5 ـ قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام):

“خلق [ الله تعالى ] الشيء لا من شيء كان قبله.

ولو خلق الشيء من شيء، إذن لم يكن له انقطاع أبداً، ولم يزل الله إذن ومعه شيء.

ولكن كان الله ولا شيء معه، فخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه…”(3).

6 ـ قال الإمام محمّد بن علي الباقر(عليه السلام):

“إنّ الله تبارك وتعالى لم يزل عالماً قديماً خلق الأشياء لا من شيء.

ومن زعم أنّ الله تعالى خلق الأشياء من شيء فقد كفر.

لأنّه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الأشياء قديماً معه في أزليّته وهويته كان ذلك الشيء أزلياً.

بل خلق الله تعالى الأشياء كلّها لا من شيء…”(4).

7 ـ قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

“الحمد لله الذي كان إذ لم يكن شيء غيره.

وكوّن الأشياء فكانت كما كوّنها…”(5).

8 ـ سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): ما الدليل على حدث الأجسام؟

فقال(عليه السلام): “إنّي ما وجدت شيئاً صغيراً ولا كبيراً إلاّ إذا ضمّ إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى.

____________

1- المصدر السابق: باب 11: باب صفات الذات وصفات الأفعال، ح12، ص 141.

2- المصدر السابق: باب 2: باب التوحيد ونفي التشبيه، ح11،ص48.

3- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 2: باب التوحيد ونفي التشبيه، ح20، ج66.

4- علل الشرائع، الشيخ الصدوق: ج2، باب 385، ح 81 ، ص607.

5- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 2: باب التوحيد ونفي التشبيه، ح 290، ص 73.

الصفحة 25

ولو كان قديماً ما زال ولا حال; لأنّ الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث…”(1).

9 ـ قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): “إنّه ليس شيء إلاّ يبيد أو يتغيّر أو يدخله الغِيَر والزوال، أو ينتقل من لون إلى لون، ومن هيئة إلى هيئة، ومن صفة إلى صفة، ومن زيادة إلى نقصان، ومن نقصان إلى زيادة إلاّ ربّ العالمين…”(2).

10 ـ قال الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام):

“… وهو الأوّل الذي لا شيء قبله.

والآخر الذي لا شيء بعده.

وهو القديم وما سواه مخلوق مُحدَث، تعالى عن صفات المخلوقين علوّاً كبيراً”(3).

النتيجة :

إنّ الله سبحانه وتعالى متفرّد بالأزلية، ولا حقّ لأحد أن يوصف شيئاً غير الله تعالى بالقدم والأزلية.

تنبيه :

1 ـ قولنا بحدوث العالم لا يعني وجود مدّة بين الله تعالى وأوّل المحدثات; لأنّ الأوقات محدثة، بل المقصود أنّه تعالى قبلها(4).

2 ـ وصفه تعالى بـ”كان” لا يعني تحديده تعالى في إطار الزمان، بل معنى ذلك كما قال الإمام علي(عليه السلام):

“إن قيل: “كان” فعلى تأويل أزلية الوجود.

وإن قيل: “لم يكن” فعلى تأويل نفي العدم”(5).

____________

1- المصدر السابق: باب 42: باب إثبات حدوث العالم، ح6،ص290.

2- المصدر السابق: باب 47، ح2، ص307.

3- المصدر السابق: باب 2: باب التوحيد ونفي التشبيه، ح 32، ص 74.

4- انظر: كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي: 1 / 46.

5- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 2، ح 27، ص 71.

الصفحة 26

بيان المقدّمة الثانية لبرهان الحدوث: كلّ حادث يحتاج إلى مُحدِث :

هذه المقدّمة بديهية، ولهذا فهي غنيّة عن الإثبات بالدليل والبرهان.

ويطلق على هذه المقدّمة بـ”قانون العلية”، وهو قانون عام شامل، ويعتبر الأساس لجميع المساعي العلمية والعادية للبشرية.

دور “قانون العلية” في إثبات الصانع لهذا العالم :

1 ـ قال الشيخ الصدوق: “[ لولا قبول قانون العلية لجاز ] وجود كتابة لا كاتب لها، ودار مبنية لا باني لها، وصورة محكمة لا مصوّر لها [ وهذا غير معقول، فيثبت وجود صانع لهذا العالم ]”(1).

2 ـ قال الشيخ الطوسي: “الذي يدل على أنّ لها [ أي: للأجسام ] مُحدِثاً هو ما يثبت في الشاهد من أنّ الكتابة لابدّ لها من كاتب، والبناء لابدّ له من بان، والنساجة لابدّ لها من ناسج، وغير ذلك من الصنائع”(2).

3 ـ قال سديد الدين الحمصي: “إذا ثبت حدوث الأجسام فلابدّ لها من مُحدِث لحاجة كلّ محدَث في الشاهد في حدوثه مع الجواز إلى مُحدِث منّا، كالصياغة مثلاً والكتابة، وقد ثبت حدوث الأجسام على هذا الوجه، فيجب أن يكون لها مُحدِث”(3).

تنبيه :

هذه الأقوال كلّها مقتبسة من حديث شريف للإمام علي(عليه السلام) قال فيه:

“فالويل لمن أنكر المقدِّر، وجحد المدِّبر!

زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع

ولا لاختلاف صورهم صانع

لم يلجؤوا إلى حجّة فيما ادّعوا

ولا تحقيق لما وَعَوا!

____________

1- المصدر السابق: باب 42: باب إثبات حدوث العالم، ذيل ح 6، ص 292.

2- الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الأوّل، الفصل الثاني، ص 49.

3- غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج 2، الفصل الثاني، ص 26.

الصفحة 27

وهل يكون بناء من غير بان…؟!”(1).

برهان الحدوث في أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) :

1 ـ قال الإمام علي(عليه السلام) “الحمد لله… الدالّ على قِدَمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده… مستشهدٌ بحدوث الأشياء على أزليّته”(2).

2 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): “الحمد لله الدال على وجوده بخلقه، وبمُحدَثِ خلقِه على أزليّته”(3).

3 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): “بصنع الله يستدل عليه… جعل الخلق دليلاً عليه…”(4).

4 ـ سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): ما الدليل على صانع العالم؟

قال(عليه السلام): وجود الأفاعيل التي دلّت على أنّ صانعها صنعها.

ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبني، علمت أنّ له بانياً وإن كنت لم تر الباني وتشاهده(5).

5 ـ سُئل الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام):… ما الدليل على حدوث العالم؟

قال(عليه السلام): أنت لم تكن، ثمّ كنت، وقد علمت أنّك لم تكوّن نفسك، ولا كوّنك من هو مثلك”(6).

تنبيه :

إثبات “وجود الله” عن طريق “وجود الحوادث” في برهان الحدوث، يعدّ دليلاً لأصحاب المستويات المتوسّطة في الوعي الديني، وإلاّ فإنّ دليل إثبات وجود الله تعالى عند أصحاب المستويات الرفيعة في الوعي الديني أسمى من هذا الاستدلال.

ولهذا ورد عن أهل البيت(عليهم السلام):

____________

1- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، كتاب التوحيد، ب 3، ح1، ص 26.

2- نهج البلاغة، الشريف الرضي: الخطبة 185، ص 360.

3- المصدر السابق: الخطبة 152، ص 278.

4- الإرشاد، الشيخ المفيد: ج1، باب الخبر عن أميرالمؤمنين، فصل في مختصر من كلامه(عليه السلام) في وجوب المعرفة بالله، ص 223 ـ 224.

5- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 36، ح 1، ص 239.

6- المصدر السابق: باب 42: باب إثبات حدوث العالم، ح 3، ص 286.

الصفحة 28

1 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): “يا من دلّ على ذاته بذاته”(1).

2 ـ قال الإمام الحسين(عليه السلام):

“كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟!

أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟!

متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك؟!

ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟!

عميت عين لا تراك عليها رقيباً!”(2).

____________

1- بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج 78، باب 82 ، ح 19، ص 339.

2- المصدر السابق: ج 64، باب 4، ذيل ح 7، ص 142.

الصفحة 29

المبحث الخامس: برهان الامكان

تمهيدات :

التمهيد الأوّل : بطلان الدور

معنى الدور:

“الدور” عبارة عن توقّف كلّ واحد من الشيئين على صاحبه(1).

بعبارة أخرى:

“الدور” هو أن يكون وجود أحد الأشياء متوقّفاً على وجود شيء ثان، وفي نفس الوقت يكون وجود هذا الشيء الثاني متوقّفاً على وجود الشيء الأوّل.

دليل بطلان الدور:

مقتضى كون وجود الشيء الأوّل متوقّفاً على وجود الشيء الثاني أن يكون الشيء الثاني متقدّماً على الشيء الأوّل.

ومقتضى كون وجود الشيء الثاني متوقّفاً على وجود الشيء الأوّل أن يكون الشيء الثاني متأخّراً عن الشيء الأوّل.

فينتج كون الشيء الواحد في حالة واحدة وبالنسبة إلى شيء واحد:

متقدّم وغير متقدّم، ومتأخّر وغير متأخّر.

وهذا جمع بين نقيضين، ولا شك في بطلانه(2).

____________

1- النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 20 ـ 21.

الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي، شرح مقداد السيوري: الفصل الأوّل، ص8 .

2- انظر: تلخيص المحصّل، نصيرالدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الأوّل، ص 245.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الرابع، ص 157.

الصفحة 30

النتيجة :

كلّ أمر قائم على “الدور” لا يتحقّق أبداً.

مثال ذلك:

إذا كان شخصان في مكان.

فقال أحدهم: لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الشخص الثاني.

وقال الثاني: لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الشخص الأوّل.

فإذا أراد كلّ واحد منهما أن يلتزم بقوله، فلن يتحقّق خروج أحدهما من ذلك المكان أبداً.

لأنّ خروج الشخص “الأوّل” متوقّف على خروج الشخص “الثاني”.

وخروج الشخص “الثاني” متوقّف على خروج الشخص “الأوّل”.

والشخص “الأوّل” لا يخرج حتّى يخرج الشخص “الثاني”.

والشخص “الثاني” لا يخرج حتّى يخرج الشخص “الأوّل”.

فلن يتحقّق الخروج أبداً.

لأنّه قائم على “الدور”.

التمهيد الثاني : بطلان التسلسل

معنى التسلسل :

لكلّ معلول علّة، ولهذه العلّة علّة أخرى، وهكذا يستمر الأمر إلى ما لا نهاية من العلل المفتقرة في وجودها إلى العلل الأخرى(1).

دليل بطلان التسلسل :

جميع “العلل” في التسلسل غير قائمة بذاتها، بل مفتقرة إلى غيرها.

فيُطرح ـ في هذا المقام ـ هذا السؤال:

____________

1- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 21.

الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي، شرح مقداد السيوري: الفصل الأوّل، ص 8 ـ 9.

الصفحة 31

ما هو السبب الذي أخرج هذا التسلسل من “العدم” إلى “الوجود”؟

وهذا السؤال هو الذي يفنّد التسلسل ويثبت بطلانه(1).

النتيجة :

يحكم العقل عند تسلسل العلل بلزوم انتهاء هذه العلل إلى علّة قائمة بذاتها وغير مفتقرة في وجودها إلى غيرها، لتكون هذه العلّة هي السبب لخروج هذا التسلسل من “العدم” إلى “الوجود”(2).

مثال ذلك:

لو فرضنا وجود مجموعة لا متناهية من الأشخاص في مكان فقال أحدهم: لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الثاني.

وقال الثاني: لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الثالث.

وقال الثالث: لا أخرج من هذا المكان حتّى يخرج الرابع.

وهكذا كلّ واحد من هؤلاء يعلّق خروجه على خروج الذي بعده.

فالنتيجة واضحة، وهي عدم تحقّق خروج أي واحد من هولاء من هذا المكان .

لأنّ خروج كلّ واحد من هؤلاء متوقّف على الآخر، وهذا التوقّف لا نهاية له.

ولهذا:

لا يوجد طريق لتحقّق “الخروج” إلاّ بوجود شخص في هذه المجموعة يخرج من ذلك المكان بذاته ومن دون تعليق خروجه على غيره، فبذلك يتحقّق خروج الباقين واحداً تلو الآخر.

التمهيد الثالث : تعريف الواجب والممكن والممتنع

لكلّ ما يتصوّره العقل “وجوداً” لا يخلو من إحدى الأوصاف التالية:(3)

1 ـ واجب الوجود.

2 ـ ممتنع الوجود.

3 ـ ممكن الوجود.

____________

1- المصدر السابق.

2- المصدر السابق.

3- انظر: الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي، شرح مقداد السيوري: الفصل الأوّل، ص 5 ـ 6.

الصفحة 32

تعريف هذه الأقسام :

“الوجوب” عبارة عن صفة للشيء الذي يحكم العقل بحتمية وجوده.

و “واجب الوجود” هو الشيء الذي يكون موجوداً بذاته، ولا يفتقر في وجوده إلى غيره، ولا يتوقّف وجوده على وجود موجود آخر(1).

ممتنع الوجود :

“الامتناع” عبارة عن صفة للشيء الذي يحكم العقل باستحالة وجوده الخارجي.

و”ممتنع الوجود” هو الذي يستدعي من صميم ذاته عدم وجوده، فلا يحتاج إلى علّة في اتّصافه بالعدم.

مثال ذلك:

وجود معلول بلا علّة، اجتماع النقيضين وارتفاعهما، شريك الباري.

ممكن الوجود :(2)

“الإمكان” عبارة عن صفة للشيء الذي يحكم العقل بجواز “وجوده” و “عدم وجوده” على السواء.

و”ممكن الوجود” هو الشيء الذي تكون نسبة كلّ من “الوجود” و “العدم” إليه

____________

1- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 21.

الرسائل العشر، الشيخ الطوسي: مسائل كلامية، مسألة 3، ص 93.

تنبيه: من أمثلة عدم توقّف الشيء على غيره:

إنّ الشيء “المضيء” يكتسب إضاءته من “النور”، ولكن “النور” لا يكتسب إضاءته من شيء آخر، وإنّما هو مضيء بذاته.

إنّ الطعام “الحلو” يكتسب حلاوته من “السكّر” ولكن “السكر” لا يكتسب حلاوته من شيء آخر، وإنّما هو حلو بذاته.

2- انظر: النكت الاعتقادية، الشيخ المفيد: الفصل الأوّل، ص 21.

تلخيص المحصّل، نصيرالدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الأوّل، ص 242.

الصفحة 33

متساوية، فهو قد يكون “موجوداً” وقد يكون “معدوماً”.

توضيح ذلك:

“واجب الوجود” هو الذي لا يحتاج إلى “علّة” في اتّصافه بـ”الوجود”، بل يتّصف بالوجود من صميم ذاته.

و”ممتنع الوجود” هو الذي لا يحتاج إلى “علّة” في اتّصافه بـ”العدم”، بل يتّصف بالعدم من صميم ذاته.

ولكن “ممكن الوجود” هو الذي يحتاج إلى “علّة” في اتّصافه بـ”الوجود” أو “العدم”; لأنّه في حالة التساوي بين “الوجود” و “العدم”، فيحتاج إلى علّة تخرجه من حالة التساوي، وتجرّه إمّا إلى جانب “الوجود” أو إلى جانب “العدم”.

برهان الإمكان(1)

المقدّمة الأولى :

الإذعان بأنّ هناك واقعية ووجوداً، وأنّ العالم ليس وهماً وخيالاً.

المقدّمة الثانية :

كلّ “موجود” لا يخلو ـ بلحاظ ذاته ـ من إحدى القسمين التاليين:

1 ـ واجب الوجود.

2 ـ ممكن الوجود.

المقدّمة الثالثة :

“ممكن الوجود” يستحيل أن يكون موجوداً بذاته، بل يحتاج في “وجوده” إلى غيره.

وهذا هو “قانون العلّية” الذي يحكم به العقل بالبداهة.

المقدّمة الرابعة :

موجِد العالم لا يخلو من وصفين:

____________

1- انظر: الإشارات والتنبيهات، ابن سينا: ج 3، ص 18 ـ 20.

الصفحة 34

1 ـ أن يكون “واجب الوجود”.

2 ـ أن يكون “ممكن الوجود”.

فإذا كان “واجب الوجود” ثبت المطلوب.

وإذا كان “ممكن الوجود”، فإنّه سيكون مفتقراً في وجوده إلى موجِد آخر.

وننقل الكلام إلى هذا الموجِد، فإنّه:

إذا كان “واجب الوجود” ثبت المطلوب.

وإذا كان “ممكن الوجود”، فإنّه سيكون أيضاً مفتقراً في وجوده إلى موجِد آخر. فإذا كان هذا الموجِد هو الموجِد الأوّل، لزم “الدور”، وهو باطل، كما بيّناه سابقاً.

وإذا استمر وجود الموجِدات إلى مالا نهاية له، لزم “التسلسل”، وهو باطل، كما بيّناه سابقاً.

فنضطر ـ في نهاية المطاف ـ إلى الإذعان بوجود “موجِد” يكون وجوده من ذاته، وغير مفتقر إلى غيره، أي: يكون وجوده “واجب الوجود” وهو المطلوب(1).

النتيجة :

إنّ العالم بحاجة إلى موجِد واجب الوجود، أي: موجد غير محتاج في وجوده إلى علّة أخرى، ولا يتوقّف وجوده على وجود غيره.

أهم خواص واجب الوجود :(2)

1 ـ قائم بذاته، ولا يتوقّف وجوده على وجود غيره; لأنّه لو كان كذلك لزال بزوال ذلك التوقّف، ولكان ممكن الوجود.

____________

1- انظر: تلخيص المحصّل، نصيرالدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الأوّل، ص 245.

قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الأوّل، ص 46.

كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد، العلاّمة الحلّي: الباب الأوّل، ص 148 ـ 149.

مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج الرابع، البحث الثاني، ص 158.

الباب الحادي عشر، للعلاّمة الحلّي، شرح مقداد السيوري: الفصل الأوّل، ص 7.

2- انظر: الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي، شرح مقداد السيوري: الفصل الأوّل، ص 6.

الصفحة 35

2 ـ بسيط; لأنّه لو كان مركّباً، لكان محتاجاً إلى أجزائه ـ والأجزاء بما هي أجزاء غير الكل ـ فيلزم أن يكون محتاجاً في وجوده إلى الغير، فيكون ممكن الوجود.

3 ـ ليس بجسم; لأنّ كلّ جسم مركّب من أجزاء، وواجب الوجود لا يصح أن يكون مركّباً، للسبب المذكور في الخاصيّة السابقة.

4 ـ ليس بعرض من قبيل الألوان والأشكال وأمثالها; لأنّ الأعراض تفتقر إلى الأجسام، والافتقار والاحتياج من صفات ممكن الوجود.

5 ـ لا يقبل التغيّر أبداً; لأنّ التغيّر يحصل بوقوع الزيادة أو النقصان في ذات الشيء أو صفاته، وكلّ ذلك يستلزم أن يكون المتغيّر مركباً، وواجب الوجود لا يكون مركبّاً، للسبب الذي مرّ ذكره في الخاصيّة الثانية.

6 ـ لا يقبل التعدّد أبداً; لأنّ التعدّد يستلزم أن يكون المعدود مركّباً، وواجب الوجود لا يكون مركباً، للسبب المذكور في الخاصيّة الثانية.

“واجب الوجود” لا يكون إلاّ واحداً :

لو افترضنا موجودين واجبي الوجود:

لكان كلّ واحد منهما:

مشاركاً للآخر في كونه واجباً.

ومبايناً عنه بما يميّزه عن الآخر.

و “ما به المشاركة” غير “ما به المباينة”.

فيلزم أن يكون كلّ واحد منهما مركّباً “مما به المشاركة” و “مما به المباينة”.

وكلّ مركّب ممكن الوجود.

لأنّ كلّ مركّب محتاج إلى جزئه.

وما يحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود.

فيكون واجب الوجود ممكن الوجود، وهذا خلاف ما ذكرناه في البداية.

فيثبت أنّ واجب الوجود لا يكون إلاّ واحداً.

الصفحة 36

برهان الإمكان في القرآن والسنّة :

1 ـ إنّ برهان الإمكان قائم على هذه الحقيقة بأنّ ما في الوجود ينقسم إلى قسمين:

أوّلاً: واجب الوجود، وهو الموجود الغني بذاته.

ثانياً: ممكن الوجود، وهو الموجود الفقير بذاته.

وقد أشار الباري عزّ وجلّ إلى غناه وإحتياج الإنسان إليه في القرآن الكريم بقوله تعالى: { يا أيّها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [ فاطر: 15]

{ والله الغني وأنتم الفقراء } [ محمّد: 38 ]

2 ـ يفيد برهان الإمكان بأنّ ممكن الوجود لا يتحقّق بلا علّة، ولا يكون هو العلّة لنفسه لبطلان الدور، وقد أشار الله عزّ وجلّ في القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى:

{ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } [ الطور: 35 ]

3 ـ أشار الإمام علي(عليه السلام) إلى حقيقة اتّصافه تعالى بصفة واجب الوجود: “كلّ شيء قائم به [ عزّ وجلّ ]”(1).

تنبيه :

إنّ القاعدة العقلية: “كلّ موجود يحتاج إلى علّة” غير منتقضة بقولنا: “الله موجود لا يحتاج إلى علّة”; لأنّ هذه القاعدة تشمل ما هو “ممكن الوجود” فقط.

والأصح أن نقول: “كلّ ممكن الوجود يحتاج إلى علّة”، والله تعالى واجب الوجود، فلا تشمله هذه القاعدة العقلية.

____________

1- نهج البلاغة، الشريف الرضي: خطبة 109: في بيان قدرة الله…، ص 204.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون