وحدانية-الله

وحدانية الله

إنَّ الدعوة الى توحيد الله وعبادته تعالى كانت من أولويات مهام وهموم الأنبياء والرسل الكرام (ع) على مرِّ التاريخ.

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾0(1)

وتبرز اهمية ذلك في أن التوحيد يُلغي كل ما سوى الله؛ من محاور الزيف والضلال والإنحراف؛ بالإعراض صفحاً عن مناهجهم وسبل غيهم، ويدعو الى الحق والحقيقة والفضل والفضيلة؛ عملاً بالمنهج القويم وسيراً على الصراط المستقيم.

من هنا كان لزاما علينا أن نتعرف على مسائل التوحيد بشكل أوسع، ومن بينها الأدلة القائمة على وحدانية الله تعالى، ولوحدانية الله أدلّة شتـى نقتصر على ذكر واحدٍ منها:

انَّ الإنسجام الكامل بين اجزاء الكون والاتِّساق الدقيق بين مفرداته واشكاله، يؤكد وجود خالق واحدٍ قد قام بإيجادها وتنظيمها وترتيبها، وكأنها سلسلة مترابطة واحدة. ﴿لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.(2)

وإلا لاختل ّ  نظمها، وارتبك ترتيبها، واضطرب إنسجامها.

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا الله’ لَفَسَدَتَا﴾. (3)

واذا تأملت في الذرّة الصغيرة، وفي هندسة تكوينها من نواة مركزية ومدارات تحيطها، لوجدتها تطابق المجموعة الشمسية في مركزية الشمس لمجموعة كواكب تدور حولها في مدارات محددة، وضمن نظام كونيٍّ دقيق، وعلى هذا الغِرار تجد المجرّات والنظام الكونيِّ العام، ولأذعنت بأنَّ يداً واحدة قد صممتها وهندستـْها ودبَّرتْ أَمرها، أشبه ما يكون بالكتب والمقالات المتعددة، المشتركة بوحدة الذوق الفنّي والأدبي  الإنشائي، الكاشف عن وحدة كاتبها، وأما لو إختلفت وتهافتت تلك المقالات والكتب في سبكها وتعبيرها ولمساتها الفنيّة والأدبية، فإِنَّها ستكشف بلا شك عن تعدد مؤلفيها واختلاف كُتِّابها. وهكذا الحال بالنسبة لوحدة الكون وانسجامه واتحاده ووئامه، دالَّة على وحدة خالقه ومدبّر شؤونه.

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.(4)

قال الامام علي (ع):

( وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال وأرسلها على غير قرار وأقامها بغير قوائم ورفعها بغير دعائم وحصّنها من الأود والإعوجاج ومنعها من التهافت والإنفراج أرسى  أوتادها وضرب أنسدادها واستفاض عيونها وخدّ أوديتها فلم يهن ما بناه ولا ضعف ما قوّاه…)(5).

أنواع التوحيد:

وقد دوَّن علماءُ الكلام والفلاسفة اربعة انواع من التوحيد إليك إجمالها:

1- التوحيد في الذات: ويعني أنَّ الله تبارك وتعالى غير مُركَّب في ذاته من أجزاء، لأنَّ المُركَّب محتاج إلى أجزاء.

كما وإنَّ التوحيد في الذات يعني؛ أنْ ليس لله مثيل في ذاته وصفاته فهو واحد أحدٌ، فردٌ صمدٌ، لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكُنْ لهُ كفواً أحد. وقد أثبتنا أن ليس من وراء عالم الكون إله إلا الله،  فهو الغنيُّ الواجب وكل ما عداه مفتقر إليه تعالى.

2- التوحيد في الصفات: ويعني أن ذاته تعالى’ عينُ صفاته، وصفاته عين ذاته، فلا تعدديّة ولا اختلاف بين الذات والصفات، لأنَّ وجوده تعالى’ واحدٌ لاغير. إلا أنَّ عقلنا قد استنتج من هذا الوجود الواحد صفاتٍ متعددة، وهي صفات الجمال والكمال، كصفة العلم والقدرة والحياة والإرادة… الناشئة من وجود الله الغني المتعال، وعليه فإِنَّ التعدديّة تعدديّة ذهنية استنتاجية، لا واقعيّة خارجيّة، لأنَّ الواقع الخارجي لذات وصفات الحقِّ تعالى واحد لا أثنينيّة ولا تعدديّة فيه.

وإلى هذا المعنى يرمي أمير المؤمنين (ع) من قو.له: (وكمال توحيده نفي الصفات عنه…) (6).

3-  توحيد الله في العبادة: ويعني انحصار العبادة في الله، ولا يشاركه فيها أحدٌ سواه، فلا نعبدُ إلا إيّاه مخلصين له الدين ولوكره المشركون.

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (7).

ونعني نخصُّكَ يا ربنا بالعبادة لأن العابد يريد الإِفصاح بعبادته عن ولائه وتسليمه الكامل لمعبوده وهو الله ، ولا يستحقُّ ذلك الولاء والتسليم إلاّ خالقُ العبد ومدبِّرُ أمره ومالكُ رقبته، وليس هو إلاّ الله تبارك اسمه وجلَّت عظمته.

4- التوحيد في الأفعال: ويعني أنَّ الله تعالى في أفعاله غنيٌّ عن غيره، وأنَّ كل فعل من أفعال الكون بجميع ما فيه عائدة إليه، إذ إنَّ الوجود والحول والقوّة منه تعالى، فإنّا لله وإنّا اليه راجعون.

الثالوث المسيحي:

لقد اختلف الأساقفة المسيحيّون في النبي عيسى (ع) اختلافاً شديداً فمنهم مَنْ قال: إنَّهُ هو الله هبط من السماء فأحيا مَنْ أحيا وأمات مَنْ أمات ثم صعد إلى السماء. ومنهم مَنْ قال إنَّهُ إِبن الله، ومنهم قال إنّه احد الاقانيم الثلاثة؛ (الاب, والابن, وروح القدس).

ومالت مجموعة اخرى وهم قِلَّةٌ قليلة إلى انَّهُ عبدالله ورسوله. وذهبت فرق أخرى إلى أقوال أخرى، ولم تجتمع على رأيٍّ واحد. مما اضطرَّ الإمبراطور قسطنطين إلى جمعهم لحسم الخلاف بينهم، فمال إلى رأي جماعة منهم تمثل أكثريَّتهم وطرد البقيّة الباقية، ومن جملتهم الموحدين، وشرَّد المعارضين. هذا ما نقله [8] السيد قطب في معرض تفسيره للآية الكريمة:

﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.(9)

ومن الغريب أَنَّ هؤلاء يدّعون توحيد الله، و رغم ذلك ينتحلون فكرة التثليث ويَدْعون إليها!.

انطلاقا من مغالطاتٍ ولعبٍ بالألفاظ، حيث انبرى بعضهم لتقريب فكرة التثليث بالقول؛ انَّ شخصاً واحداً لو وقف أمام مرايا متعددة، فانَّهُ سيكون واحداً ومتعدداً، لانعكاس صورته في تلك المرايا، وبذلك فقد تحقق التعدد والوحدة في آن واحد. ومادام من الممكن أَنْ يكون الواحدُ متعدداً، امكن أيضاً للإله الواحد أنْ يكون ثلاثة. وغاب عن هؤلاء انَّ التعدد إنّما هو في الصور المنعكسَة، وامّا الوحدة فتتمثل بوجود الشخص الواقعي لا في صوره المنعكسة في المرايا.

والأغرب مما تقدم أنَّهم يعتبرون فكرة التثليث من الامور التعبديَّة التي يحظر على الغير البحث عنها والنقاش فيها، شأنها شأن الأحكام الشرعيّة من فروع الدين التي تؤخذ أخذ المسلمات، مع انَّها مِن اصول الدين التي يجب التحقيق فيها والإيمان بها عن بينة ووضوح.

وقد يتذرَّع البعض بظاهر الآية الكريمة:

﴿إنَّما الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.(10)

ليستدلّ بعبارة (وروح منه) على انَّ المسيح جزءٌ من ذات الحقِّ تعالى. وهو أمر عجيب اذ لو صحَّ ذلك لصحَّ أيضا ادّعاء أن ما في السموات وما في الأرض جزء من ذات الله تعالى استناداً الى قوله تعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾(11).

وقد يُقال: بأنَّ مريم (ع) قد حملت بعيسى (ع) ولم يمسسها بشرٌ، فهو ابن الله. إلاّ انّه قولٌ مردود، لأن مَثَلَ عيسى عند الله كمثل آدم خلقه بلا أب، بل إنّ آدم أولى بنسبة البِنُوة إلى الله، لانَّهُ خُلِق بلا أب ولا ام، وعلى الرغم من ذلك لم يَدَّعِ ذلك أحدٌ.

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾[12].

وعلى الرغم من زُهد النبي عيسى (ع) وإعلان عبوديته للهِ، ربـُّه فقد غالى بعض النصارى وغالوا في تبعيَّتهم له (ع)!.

وقد استعرض القرآن ذلك في بعض آياته:

﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (13) .

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إنَّما الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إنَّما الله إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِالله وَكِيلاً﴾(14).

﴿وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(15).

شُبهاتٌ وحلولٌ

1-  ما هي جدوى البحث عن اصول الدين ولماذا لانكرِّس أوقاتنا وجهودنا في ميادين العلم وحقول المعرفة التجريبيّة لنقطف ثمارها بدلاً من تضييع الوقت والغوص في بحوث لا تسمن ولا تغني من جوع؟

الجواب: نعم إنَّ على الإنسان أن يستثمر جهوده ويكرِّس أوقاته في ميادين وحقول المعرفة التجريبيّة كي يذلل سلطان الطبيعة لإرادته ويملؤها بالخير والعطاء. الا أنَّهُ مطالَب في ذات الوقت بالبحث في اصول الدين لحلِّ مجاهيلها وألغازها، حتى يخرج من حالة الإبهام والغموض التي تكتنفه أزاء مبدأ الكون، وخالقه والمصير الذي ينتظره، وما ينبغي فعله أو تركه حيال ما توصل إِليه من نتائج وقناعات، بل ان البحث عن اصول الدين أهم بكثير من تلك المباحث، إذ أنَّها تجرّ الى مكسب عظيم أو خسارة لا تُعَوََّض في الدنيا والآخرة، لأنَّها تحدد له السبيلَ الصحيح والطريقَ الواضح عن بيِّنةٍ ووضوح.

﴿صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً﴾(16).

لكي لا يكون كريشة في مهب الريح، أو كراكب عمشاء في ليلة ظلماء.

كما انَّ ما اخبرنا عنه الأنبياء من نعيم أو عذاب الآخرة يستحقُّ مِنّا اهتماما بالغاً وهِمَّةً عالية، حتى ولو كان احتمال إخبارهم بالنظرة الاولى ضعيفا، لأن المحتمل وهو الربح أو الخسارة الاخرويين قويٌ، ولا يعلم مقداره ولا قدره إلا الله والراسخون في العلم.

2ـ كيف نؤمن برب لم تدركه إحدى حواسِّنا الخمس؟

الجواب: إنّ أدنى مراجعة لحصيلة العلوم التجريبيّة تدلّنا بوضوح على امكان الإيمان باشياء رغم عدم خضوعها لإحدى حواسِّنا الخمس كالأشعَّة تحت الحمراء وفوق البنفسجية والجاذبيّة الأرضية وآلاف أخرى من الحقائق العلمية، التي أكَّدَ العلم على وجودها بدليلٍ قاطع لا يقبل الشك والترديد، انطلاقا من عملية استدلاليّة واستنتاجيّة عقليّة، لا حسيّة مباشِرة.

فإنَّ سقوط جسم من مكان مرتفع باتجاه الأرض يدلّنا على وجود جاذبية في الأرض قد جذبته إليها، فنحن وإنْ لم ندرك الجاذبيّة الارضيّة بصورة حسيّة مباشرة إلا انَّ عقلنا دلـَّنا عليها من خلال اتجاه الاجسام صوبها.

وبهذا الإسلوب أيضا يمكن ادراك احاسيس ومشاعر الآخرين عبر الآثار التي تبدو عليهم، فندرك مثلا خجل الإنسان من خلال احمرار وجهه، فهي عملية استنتاجية لم ندرك فيها شعور الخجل عند الغير مباشرة وإنَّما ادركناه عن طريق اثره الدال عليه، كما واننا لم ندرك الجاذبيّة الارضية بحواسنا مباشرة وإنَّما ادركناها بصورة غير مباشرة من خلال مشاهدة حركة الاجسام باتجاه الارض.

وعلى غرار ذلك يصح الإيمان بربٍّ لم تدركه احدى حواسنا الخمس انطلاقا من آثار صنعه وبديع خلقه، الدال عليه دلالة الأثر على مؤثره.

3-  ما هو الرد على دعوى ( برتراند رُسل) أن الدين قد نشأ من جهل الانسان وخوفه من مجاهل الظواهر الطبيعية؟ وعلى دعوى الماركسيين من أنَّ الدين صبغة الظالمين, ابتدعوها لتبرير ظلمهم وتمرير جرائمهم.

الجواب: إنَّ ما ادعاه ( رُسُل) لا يشكِّل ظاهرة عامة لجميع الأديان، بل إنَّهُ يُعبِّر عن حالات التخلّف التي كانت تعاني منها بعض المجتمعات البدائية, حيث كانت تلوذ بإلهٍ يحميها من شرور البراكين أو الزلازل أو الفيضانات….. بعد جهلها بأسبابها وخوفها منها. فلا يمثّل ما رصده ( رُسل) من تأريخ الأديان حالة مطردة وشاملة لكل المجتمعات المتديِّنة خصوصاً في عالمنا المعاصر الحافل بالتقدم العلمي والتكنلوجي، حيث نجد المتدينـّين من العلماء أكثر تحمساً وولاءً لدينهم من غيرهم، وقد صرَّح القران الكريم بذلك:

﴿إنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء’﴾(17).

﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾(18).

﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾(19).

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ الله الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾(20) .

ومن ناحية أخرى فإِنَّ إيمان الانسان بشيء بدافع من الجهل والخوف لا يعني بحال عدم وجود ذلك الشيء، إذْ مِنْ الممكن وجوده وتحققه في الواقع ولكن الغير جاهل به وغير عالم بتحققه.

وقد يُقال: انَّ الأغلب الساحق من الناس يلجا الى الدين بدافع من الطمع بالجنّة والخوف من النار، وهو ما يؤكد دعوى ( رُسل) في نظريته.

والردُّ على ذلك:

1- أنَّ دافع الطمع بالجنّة والخوف من النار لا يثبت دعوى ( رُسل) في تزييفه للظاهرة الدينيّة ولا يمنحه مبرراً لرفضها، كما حلا له ذلك، إِذْ انَّ خوف الإنسان من النار وطمعه بالجنّة إنَّما تحقق بعد مرحلة اثباته لوجود الله ووعده ووعيده، وهو نظير مَنْ يذهب إلى طبيبٍ ليعالج نفسه خوفاً من المرض أو الموت وطمعاً في الشفاء والعافية، بعد علمه بمرضه وبقدرة الطبيب على علاجه.

2- وأما ما قاله الماركسيّون من أن الدين افيون الشعوب وصنيع الظالمين ابتدعوه لتبرير ظلمهم وتجاوزهم ونهبهم للحقوق والحرّيات بادعائهم ان الله سلَّطهم على الناس، فما على الناس إلا السمع والطاعة، وهذا الأدعاءُ باطل لارصيد له من الواقع لانه يمثل حالات استثنائية ونادرة الصِقت بالدين وهو منها براءُ، لأن روح الدين ومنابعه الأصيلة استهدفت تنغيص ملاّذ الظالمين وفجورهم، وبُنِيت على التصدّي لهم وسحب البساط من تحتهم، فقد نهى الدين عن الخمر والميسر والزِنا وأكل المال بالباطل وجميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونهى عن الظلم والجور واعانة الظالمين. فكيف يروق للظالمين ابتداع دين أصيل يكون فيه حتفهم أو تنغيص ملاذهم أو الحدِّ من غلواء فسقهم.

﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾(21).

﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾(22).

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾(22).

وقال الامام الحسين (ع) وهو يوصي ابنه الإمام زين العابدين(ع) :

( يابُني: إيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله) (24)

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- النحل: 36.

2- يس: 40.

3- الأنبياء: 22.

4- البقرة: 164.

5- نهج البلاغة الخطب 186/20.

6- نهج البلاغة / الخطبة الأولى.

7- الفاتحة: 4.

8- في ظلال القرآن ج 5 / 436 سيد قطب.

9- مريم: 37.

10- النساء: 171.

11- الجاثية: 13.

12- مريم: 30 – 31.

13- آل عمران: 59.

14- النساء: 171.

15- المائدة: 116 – 117.

16- البقرة: 138.

17- فاطر: 28.

18- آل عمران: 7.

19- المجادلة: 11.

20- الانفال: 22.

21- الانعام: 21.

22- هود: 113.

23- الفرقان: 27.

24- ميزان الحكمة/ الحديث 3891.