صفات-الله-تعالى

وحدانية اللّه تعالى(1)

معنى أحدية الله ووحدانيته أحدية الله ووحدانيته في القرآن والسنة أدلة أحدية الله ووحدانيته الثنوية التثليث الله تعالى واتّخاذ الولد عبادة الأصنام أقسام وحدانية الله.

المبحث الأوّل: معنى أحدية الله ووحدانيته

1 ـ أحدية الله :

المقصود من التوحيد الأحدي: نفي التركيب عنه تعالى.

والله تعالى أحد، أي: لا يتجزّأ ولا ينقسم في ذاته.

2 ـ وحدانية الله :

المقصود من التوحيد الواحدي: نفي الكثرة العددية(1).

والله تعالى واحد، أي: ليس له نظير ولا مثيل ولا شريك.

____________

1- قال الإمام علي(عليه السلام) في وصف الله تعالى: “واحد لا من عدد”.

التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 2، ح 26، ص 69.

الصفحة 142

المبحث الثاني: أحدية الله ووحدانيته في القرآن الكريم

أوّلاً : في القرآن الكريم

1 ـ { قل هو الله أحد } [ الإخلاص: 2 ]

{وإلهكم إله واحد لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم } [ البقرة: 163 ]

2 ـ { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنّما هو إله واحد } [ النحل: 51 ]

3- { لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة وما من إله إلاّ إله واحد } [ المائدة: 73 ]

4- { ما اتّخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كلّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض } [ المؤمنون: 91 ]

ثانياً : في الأحاديث الشريفة

قال الإمام علي(عليه السلام): “إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام:

فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجلّ، ووجهان يثبتان فيه.

فأمّا اللذان لا يجوزان عليه:

1 ـ فقول القائل: واحد، يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز.

لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنّه كفّر من قال: ثالث ثلاثة.

2- وقول القائل: هو واحد من الناس، يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز عليه; لأنّه تشبيه، وجلّ ربّنا عن ذلك وتعالى.

وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه:

1-  فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا. [ أي: توحيد الواحدية ]

الصفحة 143

2-  وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربّنا عزّ وجلّ. [ أي: توحيد الأحدية ]”(1).

سُئل الإمام الرضا(عليه السلام): الله واحد والإنسان واحد، فليس قد تشابهت الوحدانية؟ فقال(عليه السلام): “… إنّما التشبيه في المعاني، فأمّا في الأسماء فهي واحدة، وهي دلالة على المسمّى…

والإنسان نفسه ليس بواحد; لأنّ أعضاءه مختلفة، وألوانه مختلفة غير واحدة، وهو أجزاء مجزّأة…

فالإنسان واحد في الاسم، لا واحد في المعنى.

والله جلّ جلاله واحد لا واحد غيره…”(2).

____________

1- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 3، ح 3، ص 81 .

2- المصدر السابق: باب 2، ح 18، ص 61.

الصفحة 144

المبحث الثالث: أدلة أحدية الله ووحدانيته

دليل أحدية الله :

لو لم يكن الله أحدياً، فسيلزم ذلك كونه تعالى مركّباً من أجزاء، والمركب من أجزاء “محتاج” إلى أجزائه، و “الاحتياج” نقص، والله منزّه عن النقص، فيثبت كونه تعالى أحدياً وبسيطاً لا جزء له.

سئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): فكيف هو الله واحد؟

فقال(عليه السلام) واحد في ذاته، فلا واحد كواحد; لأنّ ما سواه من الواحد متجزّئ، وهو تبارك وتعالى واحد لا يتجزّئ، ولا يقع عليه العدّ”(1).

أدلة وحدانية الله تعالى :

الدليل الأوّل :

لو كان لله شريك في الوجود، لزم أن يكون كلّ واحد من الله وشريكه مركّباً من:

1 ـ ما به الاشتراك مع الآخر.

2 ـ ما به الامتياز عن الآخر.

و “المركب” في الواقع “محتاج” إلى أجزائه.

وبما أنّه تعالى منزّه عن الاحتياج، فلهذا يثبت أنّه تعالى منزّه عن وجود الشريك له(2).

____________

1- الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: ج 2، احتجاجات الإمام الصادق(عليه السلام)، رقم 223، ص 217.

2- انظر: قواعد العقائد، نصيرالدين الطوسي: الباب الثاني، وحدانية تعالى، ص 62 ـ 63.

المسلك في أصول الدين، المحقّق الحلّي: النظر الأوّل المطلب الثالث، ص 55.

قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الرابعة، الركن الثالث، البحث العاشر، ص 100.

كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة الثامنة، ص 405.

إرشاد الطالبين، مقداد السيوري: مباحث التوحيد، إثبات وحدة واجب الوجود، ص 249 ـ 250.

الصفحة 145

الدليل الثاني :

لو كان لله شريك في الوجود، وكان بين الله وشريكه ما به الاشتراك وما به الامتياز، فسيلزم أن يكون كلّ واحد من الله وشريكه “محدوداً” بحدود تميّزه عن الآخر.

والمحدود مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فيثبت أنّ “الحدّ” نقص.

وبما أنّه تعالى منزّه عن النقص، فيثبت أنّه تعالى منزّه عن وجود الشريك له(1).

الدليل الثالث :

لو كان في الوجود إلهان، لم يخلُ الأمر فيهما من أن يكون كلّ واحد منهما:

1 ـ قادراً على منع الآخر:

فيكون الآخر عاجزاً، وليس من صفات الله العجز.

فيثبت أنّ الله واحد، وهو المتّصف بالقدرة المطلقة.

2 ـ عاجزاً عن منع الآخر:

فيكون هذا الإله عاجزاً، وليس من صفات الله العجز.

فيثبت أنّ الله تعالى واحد، وهو المتصّف بالقدرة المطلقة(2).

____________

1- لهذا نجد الله تعالى يصف نفسه بالوحدانية ثمّ يتبعها بصفة القاهرية، لتكون صفة “القاهرية” دليلاً على صفته بـ “الوحدانية”.

قال تعالى: (الله الواحد القهار ) [يوسف: 39]

وقال تعالى: (وما من إله إلاّ الله الواحد القهار ) [ص: 65]

وقال تعالى: (سبحانه هو الله الواحد القهار ) [الزمر: 4]

2- انظر: التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 36، ذيل ح 5، ص 263.

الملخّص في أصول الدين، الشريف المرتضى: الجزء الثاني، فصل في الدلالة على أنّه تعالى واحد…، ص 269.

شرح جمل العلم والعمل، الشريف المرتضى: في أنّه تعالى واحد لا ثاني له، ص 79.

تقريب المعارف، أبو الصلاح الحلبي: مسائل التوحيد، مسألة في كونه تعالى واحداً، ص 88 ـ 89 . غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج 2، الفصل الخامس، في أنّه تعالى واحد لا ثاني له، ص 64 ـ 65. تلخيص المحصل، نصيرالدين الطوسي: الركن الثالث، القسم الثاني، مسألة: الإله واحد، ص 322، كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثاني، الصفات الثبوتية، الوحدانية، ص 194.

الصفحة 146

بعبارة أخرى:

لو كان في الوجود إلهان:

وأراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه في حالة واحدة.

فلا يخلو الأمر عندئذ من ثلاث نتائج:

1 ـ يقع مرادهما، فيلزم الاجتماع بين الضدّين، وهو باطل.

2 ـ لا يقع مرادهما، فيلزم كونهما عاجزين، والعجز يتنافى مع الألوهية.

3 ـ يقع مراد أحدهما، فيلزم عجز من لم يقع مراده، فتنتفي ألوهيته(1).

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) في مقام الردّ على مقولة أحد الزنادقة: “لا يخلو قولك: إنّهما اثنان من:

أن يكونا قديمين قويين.

أو يكونا ضعيفين.

أو يكون أحدهما قويّاً والآخر ضعيفاً.

فإن كانا قويين فلمَ لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه ويتفرّد بالتدبير؟!

وإن زعمت أنّ أحدهما قوي والآخر ضعيف ثبت أنّه واحد كما نقول للعجز الظاهر في الثاني(2).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً:

“لو كان إلهين كما زعمتم، لكانا يخلقان:

فيخلق هذا ولا يخلق هذا.

ويريد هذا ولا يريد هذا.

ولطلب كلّ واحد منهما الغلبة.

وإذا أراد أحدهما خلق الإنسان، وأراد الآخر خلق بهيمة.

____________

1- انظر: التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي: ج 7، تفسير آية 22 من سورة الأنبياء، ص 239.

المنقذ من التقليد، سديد الدين الحمصي: ج 1، القول في أنّه تعالى واحد لا ثاني له، ص 135. مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي، المنهج الخامس، البحث الثالث عشر، ص 220.

2- الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب التوحيد، باب حدوث العالم وإثبات المُحدِث، ح5، ص80 ـ 81 .

الصفحة 147

فيكون إنساناً وبهيمة في حالة واحدة، وهذا غير موجود.

فلمّا بطل هذا، ثبت التدبير والصنع لواحد.

ودلّ أيضاً التدبير وثباته وقوام بعضه ببعض على أنّ الصانع واحد جلّ جلاله”(1).

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام):

“… ثمّ يلزمك إن ادّعيت اثنين [ فلابدّ من ] فرجة بينهما حتّى يكونا اثنين، فصارت الفرجة ثالثاً بينهما قديماً معهما فيلزمك ثلاثة.

فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين حتّى تكون بينهم فُرجة فيكونوا خمسة، ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة”(2).

سُئل الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): ما الدليل على أنّ الله واحد؟ فقال(عليه السلام): “اتّصال التدبير(3) وتمام الصنع(4) كما قال عزّ وجلّ: { لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا } [ الأنبياء: 22 ]”(5).

وقال الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً:

“فلمّا رأينا الخلق منتظماً، والفلك جارياً، والتدبير واحداً، والليل والنهار والشمس والقمر دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على أنّ المدّبر واحد”(6).

الدليل الرابع :

جاء في وصية الإمام علي(عليه السلام) لولده الإمام الحسن(عليه السلام):

“… واعلم يا بني! أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار مُلكه

____________

1- بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي: ج 3، كتاب التوحيد، باب 6، ح 6، ص 219 ـ 220.

2- الكافي، الشيخ الكليني: ج1، كتاب التوحيد، باب حدوث العالم وإثبات المحدث، ح 5، ص 81 .

3- اتّصال التدبير: استمراره على التوالي وعدم انقطاعه; لأنّ انقطاعه يؤدّي إلى الفساد.

4- تمام الصنع: إتقانه وكماله.

5- التوحيد، الشيخ الصدوق: باب 36، ح 2، ص 244.

6- الكافي، الشيخ الكليني: ج 1، كتاب التوحيد، باب حدوث العالم واثبات المحدث، ح 5، ص 81 .

الصفحة 148

وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته”(1).

النتيجة :

لا يصح نسبة الشريك إلى الله; لأنّ هذه النسبة دليل الحاجة والعجز والافتقار، والله منزّه عن جميع هذه النواقص.

____________

1- نهج البلاغة، الشريف الرضي: قسم الرسائل، رسالة 31، ص 542.

الصفحة 149

المبحث الرابع: الثنوية

 ادّعاء الثنوية :

يوجد في الكون خير وشر، وهما ضدّان.

والفاعل الواحد لا يترك أثرين ضدّين، بل لكلّ فاعل أثره الخاص المنسجم سنخياً معه.

فنستنتج وجود مؤثّرين في الكون، هما النور والظلمة.

والنور يفعل الخير بطبعه، والظلمة تفعل الشرّ بطبعها(1).

والنور إله الخير، وهو يُدعى “يزدان”.

والظلمة إله الشرّ، وهي تُدعى “أهريمن”.

وهما في صراع دائم حتّى يغلب النور الظلمة.

أدلة بطلان ادّعاء الثنوية :

1- لو كان التضاد بين الخير والشر سبباً في ادّعاء وجود إلهين في الكون، فيلزم ادّعاء أكثر من إلهين; لأنّ الأضداد لا تنحصر في ضدّين، بل هي أضداد كثيرة.

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مناظرته مع الثنوية:

“أفلستم قد وجدتم سواداً وبياضاً وحمرة وصفرة وخضرة وزرقة، وكلّ واحدة ضدّ لسائرها لاستحالة اجتماع اثنين منها في محل واحد، كما كان الحرّ والبرد ضدّين لاستحالة اجتماعهما في محل واحد؟

____________

1- انظر: المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، الردّ على الفرق المخالفة في التوحيد، ص 140.

الصفحة 150

قالوا: نعم.

قال(صلى الله عليه وآله) : فهلاّ أثبتم بعدد كلّ لون صانعاً قديماً، ليكون فاعل كلّ ضدّ من هذه الألوان غير فاعل الضدّ الآخر؟ فسكتوا”(1).

2 ـ يترك كلّ من النور والظلمة أثره على الآخر، ويوجب فيه التغيير.

و “التغيير” من علامات “المحدثات”.

و “الإله” يلزم أن يكون منزّهاً من “الحدوث”.

فنستنتج استحالة ألوهية النور والظلمة.

3 ـ ما هو خير لإنسان قد يكون شراً لإنسان آخر.

وما هو شرّ لإنسان قد يكون خيراً لإنسان آخر.

فلو كان خالق “الخير” غير خالق “الشر”.

فمَن سيكون خالق هذا الشيء الذي يكون في حالة واحدة خيراً وشراً لجهات متعدّدة؟!(2)

النتيجة :

وجود الخير والشر في الكون ينبىء عن وجود الحكمة في خلقهما فحسب، ولابد للإنسان من البحث لمعرفة هذه الحكمة بمقدار وسعه في العلم والمعرفة.

والجهل بهذه الحكمة لا يعني القول بوجود الحاجة إلى أكثر من إله لتفسير الظواهر الكونية المتضادّة، وإسناد كلّ واحدة منها إلى إله.

____________

1- الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: ج 1، فصل في أنّ الجدال على قسمين، في ذكر طرف مما جاء عن النبي(صلى الله عليه وآله) من الجدال والمحاجة…، رقم 20، ص 38.

2- انظر: الملخّص في أصول الدين، الشريف المرتضى: الجزء الثاني، فصل في الكلام على الثنوية، ص 287 .

الاقتصاد، الشيخ الطوسي: القسم الأوّل، الفصل الخامس، ص 79.

المنقذ من التقليد، سديدالدين الحمصي: ج 1، الرد على الفرق المخالفة في التوحيد، ص 140.

مناهج اليقين، العلاّمة: المنهج الخامس، البحث الثالث عشر، ص 211.

المصدر: التوحيد عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام) لمؤلّفه علاء الحسون