وحشية الثقافة الإنتهازية.. نظرة تحليلية في إنتهاك الجسد

مدخل عقلي في قضية الحسن والقبح:

لن أوغل في مناقشة قضايا الحسن والقبح من الجانب العقائدي والتشريعي على الرغم من انهما شكلا قاعدة في الكثير من المباحث في هذين الاتجاهين من البحث العلمي بما يذكره الامامية من أنهما (الحسن والقبح) عقليين، وبما ذكره الاشاعره من كونهما تشريعيان.

وسأكتفي هنا بان هذه القضية طرحت في معظم البحوث والاراء الفكرية والفلسفية التي تبنتها الحضارات الانسانية منذ النشوء الاول. ولما كان الجميع حاول تفسيرهما من موقفه، فان التحليل الذي الزم الجميع بشكل أو بآخر هو أن العقل هو الذي يحدد مفهومي الحسن والقبحلارتباط القضية بالنظر والاحساس والفكر.

ولما كنت أنطلق في بحوثي من أن الوجود وما يتعلق به يمثل حالة نسبية، فمفهوم الحسن والقبح يقع أيضا في دائرة النسبي في هذا المجال. فما يكون حسناً عند شعب أو جماعة بشرية ما، قد نراه قبيحاً في غيرها، وهنا يجب ان نلاحظ أن ثمة معايير عامة في في تحديد وتبيان الحسن والقبح تنطبق على الجميع، وثمة معايير خاصة تنطلق من الرؤية البيئية لكل حال وزمان ومكان.

وقد لاحظنا أن في الديانات الوثنية والطوطمية (1) ثمة تركيز على الجسد في التعبير عن القوة والجمال والتكامل مع الوجود، مما اوجد الكثير من الافكار التي تحولت بمرور الزمن إلى مفهوم عبادة الجسد كما تصوره لنا الحضارات القديمة التي قامت في أواسط وجنوب شرق آسيا وخاصة الحضارات الهندية التي سبقت الهندوسية (2) والبراهماتية (3) والبوذية (4) أو عاصرتها، حيث يصير الجسد والاعضاء التناسلية الذكرية والانثوية محلا للعبادة والتقديس لدى طوائف من هذه الديانات أو غيرها.

في هذه المباحث سنتطرق لتأثير الجسد في الحياة الفكرية والادبية وإستغلاله في الجانب الاعلامي على حساب حقوق الرجل والمرأة على السواء، وخاصة حين يتم التركيز على جسد الانثى لاستغلال الموقف النفسي والشهوي في التسويق التجاري.

خصوصية الجسد وحرمته:

بالعودة الى مفهومي الحسن والقبح في الموقف الفلسفي والنفسي والاجتماعي، فإن الاعتراف بجمالية الشكل أو بحسنه لا يجب ان يكون مبرراً لاستغلال مفهوم الجمال فيه، فثمة فارق كبير بين التعبير عن جمال الطبيعة والإنسان في الفنون والآداب والطروحات الفكرية والفلسفية، وبين إستغلال جسد المرأة أو الرجل جماليا للتجارة الاعلانية.

جمال الجسد حق طبيعي للانسان بالتوارث الطبيعي له، كما إنه حق يمكن أن يصبح حقاً مكتسباً من خلال الجمال الصناعي (العمليات التجميلية)، غير انه يبقى حقاً خاصاً بالانسان نفسه من جانب، وبالموقف الاجتماعي من جانب آخر بإعتبار أن الكيان الانساني إنما يمثل جزءأ طبيعياً من كيان المجتمع، فمن حق المجتمع أن يقبل أو يرفض هذه التجارة بغض النظر عن الجوانب القانونية والتشريعية سواء في في التشريعات الإلهية أو الوضعية على أن يكون هذا القبول أو الرفض خاضعاً للمعايير الفكرية والتشريعية والعقلية في آن.

فمن أين تأتي هذه الخصوصية في الحفاظ على الجسد؟ هل تأتي من التشريعات الإلهية أو القانونية أو الأعراف الاجتماعية؟ أو أنها مجرد موقف إنساني يرى أن خصوصية الجسد تصنع حوله إطاراً عاماً يحول بين ان يصبح مباحاً للاخرين؟ وهل حرية الجسد خاصة أم عامة؟ وإلى أي حد يمكن أن تصبح هذه الحرية معقولة ممكنة في جانب أو معوقة في جانب آخر؟

هذه التساؤلات تشكل جانباً من المنظور التشريعي والقانوني في فهم معنى الحرية والحق وفي تعيين الحدود لكل منهما، ومن المهم أن نلاحظ أن الحريات بكل أنواعها تخضع لقانون النسبية، فلايمكن إطلاق الحريات بشكل نهائي دون وضع ضوابط تحددها، كما لايمكن حصرها ومنعها أو تقييدها إلا بضوابط ومعايير دقيقة تتبع الروية العقلية والعرف الاجتماعي وقبلها الموقف التشريعي.

ولما قلنا بنسبية الاشياء، فالحدود والمعايير نسبية ولا يمكن تعميمها أو فرضها لتكون سياسة عامة أو قانوناً يمنع الناس من الإعتراض أو إبداء موقف. لكننا يجب أن لا نغفل علاقة الحق بالجانب الاخلاقي في المجتمع من ناحيتي البناء والتطور والحفاظ على الجنس البشري.

فكما أن البعض يتصور انه يملك الحق في عرض جسده كإعلان تجاري أو كسلعة في سوق الاجساد، فمن حق الطرف الاخر أن يعبر عن موقفه الرافض لهذا المنهج من الفكر التجاري في محاولة تسويق الجسد بحجة الجمال. بإعتبار ان الجمال وحدة لا يمثل الحق كله.

لا شك أن خصوصية الجسد لا تكمن في مفهومي الحسن والقبح لانهما عقليان، ولكن أيضاً تكمن في الجانب الاخلاقي الإعتباري في المجتمع، فالتشريعات القانونية في كل الحضارات الانسانية إهتمت بالجانب الاخلاقي في البناء التشريعي للقوانين، كما إهتمت بهذا الجانب الأخلاقي في التطبيق، أي أننا نرى أن الجانب الاخلاقي يبقى سائداً حتى حين يتم تنفيذ حكم بالاعدام مثلاً فيجب الأخذ بنظر الاعتبار الجوانب الاخلاقية والإعتبارية في الحفاظ على حقوق هذا الانسان في كل الاحوال.

وقد اتفق فقهاء التشريع على أن منشأ حرمة الجسد يعود بالاصل الى المُنشيء نفسه، وعلى إختلاف الحضارات الإنسانية في تفسير المنشيء، فان الجميع يتفقون على أن ثمة إرتباط بين الوجود ومنشيء هذا الوجود حتى وإن كان هذا الارتباط لا يتعلق بالشكل التكويني لكل منهما، ولكن كون أن المنشيء أوجد هذا الوجود فثمة علاقة هنا يمكن أن تظهر بشكل يعبر عن ما هية هذا الوجود، وهو انه موجود بسبب الموجد في قانون العلية أي ارتباط العلة بالمعلول.

هل الجسد إعلان تجاري؟

في معظم دول العالم تجد الاعلانات التجارية تحمل صوراً أو أفلاماً لأجساد عارية أو شبه عارية لنساء ورجال في وضعيات مثيرة، سواء كانت هذه الاعلانات تسوق علكة أو مواد غذائية أو مواد منزلية أو سيارات أو منازل أو أدوات وغيرها، وطبعاً عملية تسويق الملابس تحتل الصدارة في عرض الاجساد، بغض النظر عن نوع الملابس داخلية أو خارجية للرجال أو للنساء.

وحين يدور الحديث حول هل ثمة أهمية لتسويق العلكة بعرض فتاة ترتدي ملابس سباحة أو عرض مواد منزلية تسوقها فتاة شبه عارية أو وضع فتيات عاريات على سيارة فارهة لتسويقها، فان الحجة في تبرير هذا النوع من الاسفاف التجاري تكون في جمالية الجسد ولفت الانظار الى تلك السلعة بعرضها مرافقة بجسد عار او شبه عار. ولكن هل فعلاً لا يمكن عرض أي سلعة بدون أن يظهر الى جانبها جسد عار؟ ولو كان هذا هو المنهج الوحيد في علم التسويق فإن علم التسويق نفسه يصبح غير عقلاني ولا قيمة له.

خلال السنوات 2007-2012 التقيت بمجموعات نسائية بريطانية وأمريكية مناهضة لسياسة إستغلال الجسد، في جلسات حوارية بعد نشر بحوثي حول حقوق المراة والطفل وحق الحياة، وقد ذكرت الباحثة الامريكية (لورين الكساندر): ” أن الشركات التجارية تحقق ارباحاً بمليارات (بلايين) الدولارات على حساب ظهور النساء وأن شركات الاعلانات تضع في حسابتها فكرة عرض الجسد مع السلعة التجارية  للمزيد من المكاسب خاصة السلع التي تتعلق بالشباب”.

من جانب آخر تطرقت الدكتورة (كيلبورن) إلى : ” أن الشركات المختصة بتجارة الجنس تستغل الفتيات الصغيرات في العمر لاغراض تجارة الجنس وعندما يكبرن ويصبحن غير مرغوبات في هذا المجال يتم اهمالهن او التخلص منهن بطرق عنيفة “.

ولما كان عملنا يتعلق بالحقوق فقد تم توجيه دعوات إلى المشرعين القانونيين في بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الاوربي لاجل وضع تشريعات قانونية تحمي المرأة من تجار الجنس ومن تجارة شركات الإعلانات التي تستغل الجسد لاغراض ربحية وتهمل حقوق المراة وكيانها الإنساني وحقها في الحياة الشريفة والامنة.

قد يعتبر البعض تجارة الجسد قضية شخصية تتعلق بالفرد نفسه (ذكر أو أنثى) وهذا ما تحاول بعض التشريعات القانونية في أوربا وبريطانيا خاصة تسويقه من أجل الاستمرار في تشكيل غطاء قانوني لتجارة الجسد في بريطانيا التي تشكل 2%-5% من الإقتصاد المحلي وفقا لاحصائيات (2001-2005)، وهي تشكل بضعة بليونات من الباونات (الجنيهات الاسترلينية) سنويا،ً في حين أن هذه التجارة في الولايات المتحدة تشكل راس مال بين (350 – 500) بليون دولا سنوياً وفق احصائيات 2007.

من الملاحظ عمليا أن هذه التجارة تنشط في ظل الانهيار الاقتصادي وتتزايد في حالات الإنحطاط الاجتماعي والاخلاقي بما يدفع نحو تنامي هذا النوع من التجارة في ظل قوانين وأعراف إجتماعية رخوة وهشة تسمح بذلك خاصة في أوربا، حيث يتم إستغلال مفهوم حقوق الانسان وحق الحياة والحق في التصرف بشكل سلبي لا يتفق مع أي طرح أخلاقي وإنساني في بيئة إستهلاكية براغماتية تجاوزت كل ما هو عقلي وروحي وإنساني.

الحروب وتجارة الجسد بإسم الدين:

قد يبدو لنا تاريخياً أن تجارة الجسد قديمة ولا يمكن إيقافها أو رصدها لارتباطها بالمصالح الشخصية، والإشكاليات النفعية، وتدني أو إنهيار مستوى الوعي الفردي والجمعي، غير ان ذلك لا يعني أبداً أن نقبل بها أو نتعاطف معها بأي شكل أو حال.

لا شك أنه تم أستعمال تجارة الجسد في الشؤون الحربية والعسكرية وفي التجارب المخابراتية على مسار حركة التاريخ وفي كل الحروب منذ العصور الأولى، حيث يتم إستغلال هذا الجانب للايقاع باشخاص معينن لاجل الحصول على معلومات سرية أو مخابراتي يتم إستعمالها كجزء من الإستراتيجيات العسكرية على مر التاريخ، ففي التاريخ الحديث وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية تظهر العديد من الطروحات الاستخباراتية لاستعمال تجارة الجسد خاصة في مجال الجاسوسية ونقل المعلومات، وفي كشف الاسرار المخابراتية والدولية. وقد ظهرت أسماء عديدة من الجواسيس من الذكور والاناث بشكل خاص عرفن في هذا المجال مما تزخر به المؤلفات التاريخية الحديثة.

وفي التاريخ المعاصر لعبت إسرائيل دوراً كبيراً في إستعمال هذه الاساليب المنحطة إنسانيا للحصول على معلومات وأسرار خلال حروبها مع العرب منذ تكوينها 1948م. حتى أن وزيرة الخارجية الاسرائيلية (تسيبي ليفني) إعترفت انها مارست الجنس مع قادة فلسطينيين ( صائب عريقات وياسر عبد ربه) بعد أن استفت الحاخام الاكبر في إسرائيل  فافتى لها بذلك على شرط ان يخدم ذلك إسرائيل كما إدعت في حوار لها مع البي بي سي البريطانية.

وفي الوقت الحالي ومنذ أن ظهر ما يعرف تجاوزاً بالربيع العربي أمطرنا فقهاء الشيطان بعشرات الفتاوى اللاأخلاقية والتي تبيح القتل والاغتصاب للرجال والنساء والاطفال، وتشرع الزنا بفتاوى عاهرة باسم ما يزعمونه (جهاد النكاح) فتم إستباحة الجسد والمتاجرة فيه باسم الدين، حتى أن عباءة الشريعة تهرأت وتمزقت بهذه الفتواى وتلبست بدم حرام لم ينزل الله به سلطاناً.

ومن هنا قامت الجماعات الارهابية بممارسة كل الموبقات باسم الدين بل وصل الامر ببعضهم بحض بناته وأخواته للذهاب لجهاد النكاح المزعوم تجاوزاً على الشريعة، مما جعل الصورة الاسلامية قاتمة مليئة بالعهر والفساد والدماء وكأن الاسلام جاء ليستبيح الانسان لا ليرفع من شأنه.

إن هذا الاستغلال القبيح للجسد لا يمكن أن يتصف باي جانب أخلاقي أو إنساني عوضاً عن الجانب التشريعي والقانوني، فبينما حفظت الشرائع السماوية والانسانية قيمة الانسان ككيان وكوجود، وحاولت الارتقاء به من ضحالة التفكير وإنحطاط الرؤية الى السمو والتعالي، جائت الردة التكفيرية لتصنع عصراً من الجاهلية الثانية تفوق في همجيته على الجاهلية الاولى التي اتصفت ببعض الجوانب الاخلاقية والانسانية والتي كانت في الأعم الاغلب نتاج لبناء عرف إجتماعي خاص.

لا شك أن أي محاولة لاستغلال الجسد باسم التشريع أو القانون هي محاولة فاشلة لا يمكن تبريرها أو تشكيل قناعات إنسانية وعقلية حولها، فلايجوز ان يصبح جمال الجسد أو جمال جانب منه عنصراً من عناصر التغليب الشهوي او التجاري أو التسويقي باي شكل من الاشكال.

أن خصوصية الجسد والحفاظ على كيانه ووحدته هو بالاساس تعبير عن خصوصية العناصر التكوينية للحياة، بإعتبار العلاقة التكوينية والوجودية بين الحياة والجسد.

فالشريعة الاسلامية التي اقرت بوجود نظام العبودية وملك اليمين شرعت في الجانب الاخر أحكاما خاصة لايقاف العبودية والتخلص منها تدريجياً بسبب تغلغلها في البناء الاجتماعي منذ العصر الجاهلي الاول، فحرية الانسان وحقه في الحياة مقدم على أي حق آخر ما لم يكن هذا الحق بالحياة يتضارب تشريعياً مع حق آخر مثله، ومن هنا فقط يستحق القاتل جزاء القتل بالمثل حين يكون القتل عن سبق إصرار وترصد وليس خطأ، وهذا يستدعي معرفة عميقة بالأحكام التشريعية والقانونية على السواء(5) حيث يبقى للانسان الحق الاكبر في الحياة وهذا الحق يشمل الجانبين الطبيعي التكويني، والمعنوي الفكري.

……………………………..

1- الطوطمية: ديانة وضعية مركبة من اشكال ورموز وطقوس تربط الانسان بالطوطم والذي قد يكون حيواناً او نباتاً أو ظاهرة طبيعية (البرق) أو الجسد أو جزء منه. وهي ديانة وثنية قديمة نشأت في أفريقيا وآسيا ولا تزال حاليا بعض القبائل الافريقية تمارسها. سواء في أفريقيا أو البحر الكاريبي.

2- الهندوسية: مجموعة من التعاليم والتقاليد يعود اصلها الى القرن الخامس عشر قبل الميلاد ولا يمكن نسبتها الى شخصية محددة ولكنها تعاليم لعدد من الشخصيات التي ارتكزت في عبادتها على ديانة الفيدا القديمة في وسط آسيا، وهندو بالاصل كلما فارسية استخدمها الفرس للاشارة الى الاقوام التي تعيش فيما وراء نهر السند. ويقول الهنود انها تعني نظاماً إجتماعياً لتحديد العلاقات بين الناس، والاصول القديمة لها كانت شفاهية ولم تدون الا بعد قرون عدة على ظهورها.

3- البراهماتية: أحد اشكال الهندوسية وتختص بالطبقة الدينية والرهبان الذين يمارسون التعبد وإرشاد الناس الى الحقيقة. وقد يجمع المؤرخون بينها وبين الهندوسية ويعتبرونها واحدة في الشكل والتكوين.

4- البوذية: نسبة الى غاوتاما بوذا أو بودا، وهو ايضا يعرف باسمه القديم (سد هارتا) 560-480 ق.م، وبوذا لقب بمعنى المستنير او المتيقظ، والبوذية هي التعاليم التي تركها بوذا لتلامذته وتشتمل على مسائل اخلاقية وتربوية وهي بالاصل تعاليم شفاهية لم تدون ألا بعد وفاة بوذا بفترة طويلة ولهذا يظهر في تراثها الكثير من التناقضات بسبب التناقل الشفاهي ثم التدوين المتأخر.

5- أنظر قضايا حق الحياة وحق المرأة وحق الجنين في كتاب حقيقة الجنين للمؤلف.

الكاتب: الدكتور وليد سعيد البياتي