وصايا شهداء كربلاء

«اللهم إني لا أعرف أهل بيت أبرّ و أزكى ولا أطهر من أهل بيتي ولا أصحاباً هم خير من أصحابي».
يمثّل أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) الذين سقطوا شهداء على أرض الطف يوم عاشوراء النموذج الأرقى والأعلى، والقمة في الوعي والالتزام بالتكليف الشرعي، فهم أهل البصيرة الثاقبة والمستنيرة بنور الهدي النبوي الرسالي، في مقابل تلك الأمّة التي تخاذلت عن نصرة الحق.‏

منـزلة أصحاب الحسين (عليه السلام)‏

ومن هنا نرى المقام العظيم الذي اختصتهم به روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) فبيّنت فضائلهم ومزاياهم ومقاماتهم،فقد ورد في سؤال أحدهم للإمام الصادق (عليه السلام) عن أصحاب الحسين (عليه السلام)، وإقدامهم على الموت، فقال (عليه السلام): «إنّهم كشف لهم الغطاء حتى رأوا منازلهم في الجنة، فكان الرجل منهم يقدم على الموت»، ومنها أنّ الإمام الحسين(عليه السلام) حينما جاءه خبر شهادة مسلم بن عقيل وقف فيهم خطيباً وهو يأذن لهم بالانصراف، ويرخّص لهم في الرجوع، ويضع عنهم التكليف في نصرته فقال (عليه السلام): «هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جنّة فإنّ القوم إنما يريدونني، ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم وأنتم في حلٍ وسعة…» وبعد أن أجابوه بالرفض والاستمرار معه في مسيرته فإنّ الروايات تقول هنا بأن الإمام (عليه السلام) دعا لهم وقال لهم: «ارفعوا رؤوسكم وانظروا، فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنة وهو يقول لهم هذا منزلك يا فلان، فكان الرجل منهم يستقلّ الرماح والسيوف بصدره ووجه ليصل إلى منـزله من الجنة»*.‏
فكشف الحُجب لهؤلاء الأصحاب يمكن اعتباره أهم ما نالوه من مقام عظيم إلى جانب الكثير من الفضائل التي لا تُعدّ ولا تُحصى.‏

خلاصة وصاياهم شهادتهم في سبيل الله:‏

في ضمن الآثار الموجودة بين أيدينا والتي وصلتنا عن واقعة كربلاء وأحداثها لم يصل إلينا شيء من هذا القبيل، وغاية الأمر أنّ شهداء كربلاء وبحسب حدود ما نعرفه ونعلمه أنّ وصاياهم اقتصرت على أقوالهم وكلماتهم التي رويت عنهم يوم العاشر من المحرّم وما قبله. بل حتى أنه يمكن لنا تصوير المشهد المؤثّر والرائع لوصايا هؤلاء الشهداء من خلال تضحياتهم على أرض كربلاء.‏

خصوصيات الوصايا‏
أولاً: معرفتهم لإمامهم وطاعته والولاء له:‏

وقد تجسّد ذلك من خلال التمسّك بالمسير معه إلى كربلاء على الرغم من معرفتهم بالمصير الذي ينتظرهم وهو الشهادة في سبيل الله، فكانت كلماتهم الأخيرة قبل الشهادة خير تعبيرٍ عن ذلك كله. وفي نفس الوقت، نرى أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) في خطبته الأولى أمام القوم يوم عاشوراء، ركّز على هذا الجانب بالتحديد، نظراً لأبعاده العقائدية في مواجهة القوم فقال عليه السلام «أيها الناس، انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها… ألست ابن بنت نبيّكم وابن وصيه… أولم يبلغكم قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟!.».‏
إذاً، معرفة الإمام (عليه السلام) والطاعة له كانت الأساس في انقسام الناس إلى معسكرين.‏

ثانياً: الإيثار، التضحية، وبذل المهج والأرواح والدماء من أجل الإمام الحسين (عليه السلام):‏

فمن الملاحظ أن الكلمات الأخيرة التي تداولها الشهداء من أصحاب الحسين (عليه السلام) في لحظاتهم الأخيرة، ترتكز على الموقف الحاسم من ذلك الصراع، الذي عبّروا فيه عن استعدادهم التام والصادق للاستشهاد وعدم التراجع عن هذا الموقف مهما كان الثمن، فبعد خطبة الإمام الحسين (عليه السلام) والتي رخّص لهم فيها الرحيل وعدم القتال، عبّر هؤلاء عن وفائهم واستعدادهم لمفاداته بأعزّ النفوس والأرواح، حيث قام إليه الجميع ومنهم زهير بن القين فقال: «والله، لوددت أني قُتلت، ثم نشرت، ثم قتلت، حتى أُقتل هكذا ألف مرة، وأنّ الله عزّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك ونفوس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك». وتكلّم جماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً، فقالوا: «والله، لا نفارقك، ولكن أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا، فإذا نحن قُتلنا، كنّا وفّينا وقضينا ما علينا».

ثالثاً: الثبات على المبدأ، والاستقامة ضمن نهج أبي عبد الله(عليه السلام):‏

ولعلَّ ذلك من أقدس واجبات الأمة وفروضها الحتميّة لتعزيز قيمها، وتحقيق أهدافها وأمانيها، والثبات في الموقف كان من السمات البارزة لأصحاب الحسين (عليه السلام) في مواجهة الأعداء، وفي خطاباتهم وكلماتهم يوم الشهادة بحيث أنّ البشرية لم تعرف في تاريخها المديد، أعظم وأفضل من هذه المواقف التي ميّزت أصحاب الحسين (عليه السلام). ومن هذه المواقف نستحضر كلام مسلم بن عوسجة مع الإمام (عليه السلام): «أنحن نخلّي عنك!! ولمّا نعذر إلى الله في أداء حقك، أما والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي، ما ثبت قائمه في يدي، ولا أفارقك ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به، لقذفتهم بالحجارة، ثم لم أفارقك حتى أموت معك» أما سعيد بن عبد الله الحنفي فقد قال للإمام الحسين (عليه السلام) عندما أذن له بالانصراف: “لا والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيك. والله، لو أعلم أني أقتل، ثم أحيى، ثم أقتل، ثم أحرق، ثم أذرى، ثم يُفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك…».‏
إلى غير ذلك من الخصوصيات والمميزات التي لا تنتهي في كلمات أصحاب الحسين(ع).‏

شهداء المقاومة الإسلامية وشهداء كربلاء:‏

شهداء المقاومة الإسلامية هم النموذج الأرقى والأجمل بل التعبير الحي والصادق عن شهداء كربلاء، وأصحاب الحسين (عليه السلام)، فالخصوصيات والمميزات التي تحدثنا عنها في وصايا شهداء كربلاء كلها متجسّدة في وصايا شهداء المقاومة الإسلامية، لجهة ولائهم وحبّهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين(عليهم السلام)، وطاعتهم وانقيادهم لقائدهم وولي أمرهم ونائب الإمام المعصوم (عليه السلام) في هذا العصر، واستعدادهم للتضحية والشهادة وبذلهم للدماء.‏
وكما أن أصحاب الحسين (عليه السلام) قرنوا القول بالعمل فكانت العاقبة هي الشهادة في سبيل الله تعالى، كذلك شهداء المقاومة الإسلامية الذين كتبوا وصاياهم بحبر القلم وحوّلوها إلى تضحيات وبذلٍ للمهج والأرواح فكانت العاقبة عندهم أيضاً هي الشهادة، ورضوان من الله تعالى أكبر.
إن القاسم المشترك بين شهدائنا وشهداء كربلاء هو الارتواء من المنهل العذب الموقّد لكليهما ألا وهو الموقف الثابت والراسخ للإمام الحسين (عليه السلام)، والذي لا يزال الدستور الحيّ والمقدّس لكل الأباة والأحرار، والذي كتبه الحسين (عليه السلام) بدمائه الطاهرة الزكية والذي قال فيه: «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ، قد ركز بين اثنتين، بين السِلّة والذلّة، وهيهات منّا الذِلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون…».

الكاتب: الشيخ خليل رزق