۱_۱۴_NOO_1

وفود الفقهاء على الإمام الجواد(ع)

بعد وفاة الإمام الرضا ( عليه السلام ) وفدت إلى المدينة المنورة جمهرة من كبار العلماء والفقهاء ، وقد انتدبوا من قِبل الأوساط الشيعية في بغداد وغيرها من الأمصار ، وذلك للتعرُّف على معرفة الإمام الجواد بعد وفاة أبيه الإمام الرضا ( عليهما السلام ) ، فكان عددهم فيما يقول المؤرخون ثمانين رجلاً .

ولما انتهوا إلى يثرب قصدوا دار الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، فَفُرِشَ لهم بساط أحمر .

وخرج إليهم عبد الله ابن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) فجلس في صدر المجلس مُضفِياً على نفسه المرجعيَّة للأمَّة وأنه الإمام بعد أخيه الإمام الرضا ( عليه السلام ) .

فقام رجل ونادى بين العلماء : هذا ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فمن أراد السؤال فَلْيَسأل .

فقام إليه أحد العلماء فسأله : ما تقول في رجل قال لامرأته : أنت طالق عدد نجوم السماء ؟

فأجابه عبد الله بجواب يخالف فقه أهل البيت ( عليهم السلام ) قائلاً : طُلِّقَتْ ثلاثاً دون الجوزاء .

وذُهل العلماء والفقهاء من هذا الجواب الذي شذَّ عما قرره الأئمة الطاهرون ( عليهم السلام ) من أن الطلاق يقع واحداً ، كما أنهم لم يعلموا لِمَ استثنَى عبد الله الجوزاء عن بقية الكواكب .

ثم انبرى إليه أحد الفقهاء فقال له : ما تقول في رجل أتى بهيمة ؟

فأجابه على خلاف ما شرع الله قائلاً : تقطع يده ، ويجلد مائة جلدة .

وَبُهِتَ الحاضرون من هذه الفتاوى التي خالفت أحكام الله ، وحارُوا في أمرهم ، وبينما هم في حيرة وذهول إذ فُتِح باب من صدر المجلس ، وخرج شاب ، ثمَّ أطل عليهم الإمام الجواد ( عليه السلام ) وهو بهيبته التي تعنو لها الجباه ، فقام الفقهاء والعلماء إجلالاً وإكباراً له .

وانبرى شخص فَعرَّفَهُم بأنه الإمام بعد أبيه الرضا ( عليهما السلام ) ، والحُجَّة الكبرى على المسلمين .

ثم قام إليه صاحب السؤال الأول فقال له : ما تقول فيمن قال لامرأته : أنت طالق عدد نجوم السماء ؟

فأجابه الإمام ( عليه السلام ) : ( يا هذا اقرأ كتاب الله تبارك وتعالى : ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمسَاكٌ بِمَعرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) البقرة : ۲۲۹ ، وهي في الثالثة ) .

وبُهِرَ الحاضرون من مواهب الإمام ( عليه السلام ) ، وقد أيقنوا أنَّهم وصلوا إلى الغاية التي ينشدونها .

ورفع السائل إلى الإمام ( عليه السلام ) فُتْيَا عَمِّهِ في المسألة ، فالتفت ( عليه السلام ) إليه قائلاً : ( يا عَم ، اتَّقِ الله ولا تُفتِ ، وفي الأمة من هو أعلم منك ) .

فأطرق عبد الله برأسه إلى الأرض ولم يدرِ ماذا يقول ، وقام إلى الإمام صاحب المسألة الثانية فقال له : ما تقول فيمن أتى بهيمة ؟

فقال ( عليه السلام ) : ( يُعزَّرُ ، وتُحمَى ظهر البهيمة ، وتُخرج من البلد لئلاً يبقى على الرجل عَارُهَا ) .

وعرض السائل على الإمام ( عليه السلام ) فتوى عَمِّه ، فأنكر عليه أَشَدَّ الإنكار ، وقال له متأثراً : ( لا إله إلا الله ، يا عبد الله ، إنه لعظيم عند الله أن تقف غداً بين يدي الله فيقول لك : لِمَ أفتَيتَ عبادي بما لا تعلم ، وفي الأمة من هو أعلم منك ) ؟

وأخذ عبد الله يلتمس له المعاذير قائلاً : رأيت أخي الرضا ( عليه السلام ) ، وقد أجاب في هذه المسألة بهذا الجواب .

فأنكر عليه الإمام ( عليه السلام ) وصاح به قائلاً : ( إنَّما سُئل الرضا ( عليه السلام ) عَن نَبَّاش ، نَبَشَ قبر امرأة ففجر بها وأخذ ثيابها ، فَأمر ( عليه السلام ) بقطع يده للسرقة ، وجَلدِه للزنا ، ونَفْيِهِ لِلمُثلةِ بالميت ) .

وسأله العلماء والفقهاء عن مسائل كثيرة في مختلف أبواب الفقه ، وقد بلغت فيما يقول المؤرخون ثلاثين ألف مسألة ، وصرح بعضهم أنه ( عليه السلام ) سئل في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة فأجاب ( عليه السلام ) عنها .

ونحن لا نتصوَّر إمكان ذلك في مجلس واحد لعدم سعة الوقت ، والصحيح أنَّه ( عليه السلام ) سُئل عن ثلاثين ألف مسألة في أيامٍ متفرقة وَأزمِنة متعدِّدَة .

وعلى أي حال فقد أيقن العلماء بإمامته ورجعوا إلى أمصارهم وهم يذيعون إمامة الجواد وينقلون إلى المسلمين سعة علومه ومعارفه وانّه المعجزة الكبرى للإسلام حيث انّه بهذا السنّ، وقد بلغ من العلوم والمعارف ما لا يحدّ ولا يوصف.

ومن الجدير بالذكر أنَّ بعض الشيعة كانوا قد سألوا الإمام الرضا ( عليه السلام ) عن مسائل فأجابهم عنها ، فذهبوا إلى الإمام الجواد بعد وفاة أبيه ( عليهما السلام ) فسألوه عنها ليمتحنوه في ذلك ، فأجابهم عنها حسب جواب أبيه ( عليه السلام ) .

وقد روى أبو خراش النهدي قال : كنت حضرت مجلس الرضا فأتاه رجل فقال له : جُعلتُ فداك ، أمُّ ولد لي وهي صدوق ، أرضعت جارية لي بلبن ابني ، أَيُحرَم عليَّ نكاحها ؟

فقال الرضا ( عليه السلام ) : ( لا رِضاع بعد فِطَام ) .

ثم سأله عن الصلاة في الحرمين فقال ( عليه السلام ) : ( إن شئتَ قَصَّرتَ ، وإن شئتَ أَتمَمتَ ) .

قال أبو خراش : فحججتُ بعد ذلك ، فدخلت على أبي جعفر ( عليه السلام ) فسألته عن المسائل ، فأجابني بعين ما أجاب به أبوه ( عليهما السلام ) .

وعلى أي حال فقد رجعت الشيعة إليه وقالت بإمامته ( عليه السلام ) ، ولم يَشُذُّ أحد منهم ويقول بإمامة غيره ( عليه السلام ) .