وقفات بين يدي الإمام الحسن العسكري(ع)

ان من اكبر المهام التي نهض بها إمامنا العسكري عليه السلام هي ترسيخ الغيبة باعتباره والد الإمام الثاني عشر عليه السلام واستطاع ان ينهض بهذه القضية بجدارة ودقة وفي نفس الوقت كان يتخذ تدابير الحذر والسرية للحفاظ على ولده الحجة عليه السلام من السلطة التي تترقبه وتلاحقه .

من تلك الطرق انه قد اتخذ العسكري عليه السلام اسلوبا يشبه اسلوب ولده المهدي عليه السلام في الاحتجاب عن الناس ومن ثم ايكال امر تبليغ الشريعة والاحكام عبر التواقيع الصادرة الى الوكلاء من خاصة اصحابه من اجل تهيئة الذهنية العامة لكي تستسيغ هذا الاسلوب .

قال المسعودي في ( اثبات الوصية ) :

« روي ان ابا الحسن صاحب العسكر عليه السلام احتجب عن كثير من الشيعة الا عن عدد يسير من خواصه ، فلما افضي الامر الي ابي محمد عليه السلام كان يكلم شيعته الخواص وغيرهم من وراء الستر الا في الاوقات التي يركب فيها الي دار السلطان ، وان ذلك انما كان منه ومن ابيه قبله مقدمة لغيبة صاحب الزمان عليه السلام لتالف الشيعة ذلك ، ولاتنكر الغيبة ، وتجري العادة بالاحتجاب والاستتار » .

وكان اسلوب الوكلاء ـ معمولا به حتى قبل الامامين العسكريين عليهما السلام عند باقي المعصومين ( ع ) من اجل ارتباط البلاد البعيدة المتواجده فيها القواعد الموالية بالأئمة عليهم السلام ولكنه على يد العسكريين ( ع ) صار طريقة تمارس حتى القواعد القريبة.

من بين الوكلاء الذين اعتمدهم الامام العسكري عليه السلام : ابراهيم بن عبدة النيسابوري ، واحمد بن اسحاق الاشعري ، وايوب بن نوح بن دراج ، وجعفر بن سهيل الصيقل ، وحفص بن عمرو العمري ، وابو عمرو عثمان بن سعيد العمري ، وعلي بن جعفر الهماني ، والقاسم بن العلاء الهمداني ، ومحمد بن احمد بن جعفر القمي ، وابوجعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري ، ومحمد بن صالح بن محمد الهمداني وغيرهم.

واستخدم العسكريان عليهما السلام اسلوب المكاتبات والتواقيع فكان الوكلاء والموالين يكتبون الى الامام عليه السلام بعض المسائل في امور دينهم ودنياهم ، والامامين عليهما السلام يجيبا عليها عن طريق التواقيع.

حتى اتخذت المكاتبات والتواقيع حيّزاً واسعاً في تراث الامامين العسكريين و اصبحت موضوعا للتاليف من قبل بعض العلماء المعاصرين للعسكريين عليهم السلام ، ومنهم :

عبد الله بن جعفر الحميري صنف (مسائل الرجال ومكاتباتهم ابا الحسن الثالث عليه السلام) و (مسائل لابي محمد الحسن عليه السلام علي يد محمد بن عثمان العمري) و (مسائل ابي محمد وتوقيعاته) .

وعلي بن جعفر الهماني البرمكي ، وله (مسائل لابي الحسن عليه السلام) .

ومحمد بن الحسن الصفار وله (مسائل كتب بها الي ابي محمد الحسن العسكري عليه السلام) .

محمد بن الريان بن الصلت الاشعري ، وله (مسائل لابي محمد الحسن العسكري عليه السلام) .

ومحمد بن سليمان ابن الحسن الزراري ، وله (مسائل وجوابات لابي محمد الحسن العسكري عليه السلام) .

ومحمد بن علي بن عيسي القمي ، وله (مسائل لابي محمد العسكري عليه السلام) … وغيرهم.

والشيء الرئيسي هنا انه كان على العسكري دور مهم جدا وهو الموازنة بين امرين متقابلين ان لم يكونا متناقضين !! :

الأول :

إثبات وجود الإمام المهدي عليه السلام و ولادته والإشهاد عليها واثبات النص انه القائم الموعود ( ع ) .

الثاني :

أخفاء ولادته والتكتم على شخصه حذرا من الاعداء هموما ومن السلطة خصوصا التي بذلت مختلف وسائلها في سبيل القبض عليه.

ومن هنا وبتوفيق من الله تعالى استطاع العسكري عليه السلام الموازنة بين الامرين فقد جهد خلال السنوات الخمس التي قضاها مع ابنه المهدي عليه السلام في اجل إخفاء ولادته واسمه ومكانه وسائر اموره عن اسماع السلطة بل الأعم الأغلب من الناس .

فمن اساليب الكتمان انه عليه السلام لم يعق عن ابنه عليه السلام في داره ، بل اوصي احد اصحابه لاداء هذ المهمة ، فقد روي انه امر ابا عمرو عثمان بن سعيد ان يعق عنه بكذا وكذا شاة كما روي انه عليه السلام وجه الي ابراهيم بن ادريس بكبشين ، وكتب اليه « عق هذين الكبشين عن مولاك ، وكل هناك الله ، واطعم اخوانك » .

وفي كتاب له بخطه بعثه الي احمد بن اسحاق بن سعد الاشعري ، جاء فيه : « ولد لنا مولود ، فليكن عندك مستورا ، وعن جميع الناس مكتوما ، فانا لم نظهر عليه الا الاقرب لقرابته والولي لولايته…. » .

وجاء في حديث اخر : « يا احمد بن اسحاق ، لولا كرامتك علي الله عزوجل وعلي حججه ، ما عرضت عليك ابني هذا انه سمي رسول الله صلى الله عليه و اله وكنيه الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ».

الي ان قال : « يا احمد بن اسحاق هذا امر من امرالله ، وسر من سرالله ، وغيب من غيب الله ، فخذ ما اتيتك واكتمه ، وكن من الشاكرين تكن معنا في عليين » .

ونضيف الى ذلك هو انه يمكن القول انه قد ساعد كثيرا علي أخفاء الولادة المباركة انشغال الدولة آنذاك بحوادث كبري على رأسها ثورة صاحب الزنج وحركات يعقوب بن الليث الصفار وبعض الخوارج واضطرابات أخرى كلها ساهمت على ارتباك الدولة وانشغالها.

الکاتب: أبو فاطمة العذاري