وقفة مع الخصائص الحسينية

يهلّ علينا هذه الأيّام شهر محرم الحرام، وتتجدّد فيه أحزان آل محمّد (سلام الله عليهم) وشيعتهم، حيث إنّ فيه يوم عاشوراء؛ وهو يوم الحسين الذي أقرح جفون أهل البيت (سلام الله عليهم) وأسبل دموعهم، وللحسين (سلام الله عليه) حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً، يقول الشاعر:

مـا انتظار الدمع أن ألا يستهلا ***أو مـا تـنظر عـاشوراء هلّا

هـلَّ عـاشورٌ فـقم جـدّد به***مـأتم الحزن ودع شُرباً وأكلا

ونحن الشيعة بطبيعة طينتنا التي خلقت من فاضل طينتهم (عليهم السلام)، نستشعر الحزن والأسى في هذه الأيّام، بغضّ النظر عن الثواب والأجر الذي يترتّب على هذا الحزن، لكن هناك ميزة وخصوصية قد تفرّد بها الحسين (سلام الله عليه)، حيث إنّ جميع أهل البيت سفن النجاة لكن سفينته (سلام الله عليه) أوسع وأسرع.

يذكر الشيخ جعفر التستري (رحمه الله) خصائص وميزات للإمام الحسين (سلام الله عليه) لا يمكن لمنصف أن ينكرها عقلاً ولاً وجداناً، حيث يقول في كتابه (الخصائص الحسينية) في حديث طويل اختصرناه:

۱- قوله (ع): «أنا قتيل العبرة ما ذكرت عند مؤمن إلا بكى واغتم لمصابي» فوجدت ذلك في نفسي عند ذكر اسمه، فاستدللت به على وجود شيء من الإيمان لو ذرة على الأقل تنجي من الخلود في النار.

۲- أنّي وجدت إنّه إذا دخل شهر المحرم عرضت لي الكربة والحزن والتأثّر، فاستدللت بذلك على أثر من ولاية الأئمة (ع) فإنّهم قالوا: «شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بنور ولايتنا يصيبهم ما أصابنا…» فبعروض الانكسار للقلب عند هلال المحرم يستدلّ على ثبوت العلاقة بهم (ع)، وبتفاوت التأثّر تتفاوت درجات الإيمان.

۳- رأيت أنّ أكثر أعمالي يصحّ سلب أساميها عنها، لعدم الشروط والإقبال، ولكن لاحظت أنّه لا يصح أن يسلب عن بكائي وإبكائي اسم البكاء والإبكاء على صاحب الدمعة الساكبة، ولا أقل من التباكي، وقد ورد أن «من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنة».

۴- أنّي وجدت في وسائله (ع) ما يبعث على تكميل الإيمان وتقويته واستقراره مثل: «إن من زاره كان كمن زار الله تعالى في عرشه»، كناية عن نهاية القرب إليه تبارك وتعالى.

۵- إنّ الوسائل الحسينية هي أعمال صالحة تكتب للمكلّفين، وليست من أعمالهم حتى يتطرّق إليها الحبط؛ إذ قد ورد انه يكتب لزائره حجّة من حجج النبي (ص) وهي ليست من أعمال الشخص نفسه.

۶- قد يترتّب على الدمعة ثواب لا حدّ له، فإنّ ما لا حدّ له لا ينفد ولو اُخذ منه ما اُخذ.

۷- من الخصائص العجيبة لهذه الوسائل الحسينية:

أ- إنّ الشرط لقبول الصلاة التي هي شرط قبول الأعمال: الإقبال، وينوب مناب الإقبال: النوافل الرواتب، فهي تؤثّر في قبول الصلاة الواجبة، فإذا كانت مؤثرة في قبول الفرائض، فهذه الوسائل التي وردت في فضلها أضعاف الرواتب، تؤثّر في القبول بطريق أولى.

ب- إنّ القبول والحبط إنّما يقعان في الأعمال والعبادات التي تقع من الشخص باختيار منه وتكلّف، وفي الوسائل الحسينية فإنّ الآثار تترتّب وإن لم يصدر العمل باختيار وقصد.

ج- للوسائل الحسينية تأثيرات قوية، فإذا منعت صفاتي وأعمالي عن تأثيرها التام، فأقنع بتأثير جزئي منها.

د- يمكن أن تجتمع كثير من الوسائل الحسينية في آن واحد، حتى ما مضى وقته ولم يأت وقته، وما يمكن الإتيان وما لا يمكن، فيمكن للشخص في آن واحد تحصيل جميع الوسائل من أدناها: الذي هو التباكي عليه، وأعلاها: الذي هو الشهادة بين يديه، وبحصولها يحصل على جميع العبادات في آن واحد. وذلك إنّه لو انعقد مجلس مثلاً لذكر مصائب الحسين (ع) وتذكّر ما صُنع به، وحصل فيه إبكاء وبكاء وتباك وحزن وهمّ ورقّة وتوجّه القلب إليه، مسلّماً ومصلّياً عليه مع إشعار القلب بجلالته والمعرفة بحقّه، وتصوير حالاته والاستعبار والجزع عليه وتمنّي نصرته والشهادة بين يديه، فقد فاز بثواب كلّ الوسائل إليه، وعبد الله بجميع العبادات حتى الشهادة بين يديه.

ومن خصائص مجلس الإمام الحسين (ع) أنّه:

۱- مصلّى لله تعالى، أي: إنّ محلّ صلواته تعالى على أهل المجلس.

۲- مشهد للملائكة المقرّبين.

۳- محلّ نيل الدعاء من النبي (ص) والوصي والزهراء والمجتبى (ع).

۴- منظر الحسين المظلوم (ع).

۵- محلّ خطابه لأهل المجلس ومكالمته معهم.

۶- محبوب للصادق (ع)؛ بل لجميع أولياء الله تعالى من الأوّلين والآخرين.

۷- أنّه عرفة، والمشعر الحرام، والحطيم، ومطاف لبيت الله تعالى.

۸- أنّه قبّة الحسين (ع).

۹- أنّه مخمد للنيران المشتعلة.

۱۰- أنّه منبع لماء في الجنان وهو ماء الحَيَوان.

۱۱- أنّه يصير تلو مجالس أوّلها قبل الخلق وآخرها المحشر.

إذا تصوّرت ما قلته، فكيف تتصوّر أنّك تخرج خالياً آيساً من هذه المشاهد المشرَّفة المباركة مع هذه الحالات والعبادات واجتماع الصفات؟! فلو منعت الموانع من التأثيرات، فقليل من أدنى أثر تأثيرات واحدة منها ممّا يستحيل عدمه:

قليل منك يكفيني ولكن***قليلك لا يقال له قليل

الكاتب: عباس الجعفري