ولادة-نبي-الإسلام

ولادة نبي الإسلام

حالة الجزيرة في الجاهلية

كانت البلاد مظلمة، ترتطم في أوحال الجهل، وكانت الشمس تشرق على بشر نضبت في نفوسها معاني الخير والصلاح، فكانت لا تعرف إلا الشر والفحشاء، وتعيث في الأرض ظلماً وعدواناً.

يكذبون في الكلام، ويشعلون نار الفتن، ويخلفون الوعد.

تسود بينهم الفوضى والهمجية، فلا نظام ولا دستور ولا قانون.

يريق بعضهم دماء بعض بدون أي مبرر.

يأكلون أموالهم بينهم بالباطل، يسرقون وينهبون ويسلبون.

تسود بينهم الطبقات المنحرفة، وتبعد الهوة بينها.

يهتكون الأعراض، ولا يحترمون النواميس.

يئدون البنات وهن أحياء، ويقولن: (نعم الصهر القبر).

يشربون الخمر، ويلعبون القمار، ويأكلون لحم الخنزير لا يحترمون الآباء والأمهات ويقطعون الأرحام، يؤمنون بالخرافات، فقسم منهم يعبدون الأصنام، وقسم منهم يعبدون النار، وقسم منــهم يعبدون الملائكة وقسم منهم يعبدون المسيح عليه السلام، وقسم منهم يعبدون النور والظلمة..

أما الحروب، فقد كانت قائمة بينهم على ساق، فالقبائل والدول تحارب بعضهم البعض على طول الدهر.

قد أُصيبوا بأبشع أنواع الفقر والجهل والمرض والتشتت: فالنعرات الإقليمية، والعرقية، والتفرقات اللونية والقبلية، كانت تسعرهم بنارها، قد فشت فيهم الرذيلة بجميع أًصنافها.

ولادة نبي الإسلام

وفجأة أشرقت الدنيا بنور (محمد) نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد منّ الله على البشر بأن شرّف الأرض بمقدم هذا المولود السعيد في أطهر بقاع الأرض (مكة المكرمة) حيث صارت بعد ذلك قبلة المسلمين:

في أبرك يوم وأسعده، يوم الجمعة سابع عشر (ربيع الأول) بعد الفجر.

قبل ثلاث وخمسين سنة من الهجرة، في عام الفيل في زمن الملك العادل (كسرى): (انوشروان).

من أب كريم شريف (عبد الله) بن (عبد المطلب) (بن هاشم).

وأم طاهرة تقية (آمنة) بنت (وهب).

ظهور الأحداث الكونية عند ميلاد الرسول (ص)

وفي يوم ولادته، ظهرت أحداث عجيبة في الكون دلّت على عظمة المولود.. فقد خمدت نيران (فارس) وغاضت بحيرة (ساوة) وسقطت (شرفات) من قصر ملك الفرس، ونكّست (الأصنام):

كما زهر من جبينه المبارك نور أضاءت له بيوتات مكة.

وتنبأ الناس بأنه سيكون لهذا الوليد مستقبل عظيم باهر.

وجاءوا بالمولود إلى جده (عبد المطلب) شيخ مكة، وزعيم القرشيين، فبارك الوليد، وسرّ به سروراً عظيماً، حيث كان قد أُخبر من قبل ـ بواسطة البشائر السماوية والكهّان ـ : بأن حفيده هذا سيكون نبياً رسولاً.

وسرّت (قريش) وهم قبيلة النبي، بهذا المولود الجديد، وبالأخص بيت هاشم.. حتى أن عم النبي (أبا لهب) أعتق جارية له، حيث أتت إليه ببشارة ولادة (محمد) (صلى الله عليه وآله وسلم).

مرضعة الرسول (ص)

كانت عادة الأشراف من العرب: أن ترسل بأولادها إلى البادية للارتضاع، حتى يشب الولد وفيه طهارة الجو الطلق، وفصاحة اللغة البدوية، التي لم تشبها رطانة الحضر المختلط من صنوف مختلفة، وشجاعة القبائل التي لا تعرف جبناً بواسطة قيود المدينة، وصفاء النفس التي تشمل انطلاق الصحراء.

وهكذا ارتأى جد الرسول (عبد المطلب).

وجرياً وراء هذه العادة، كانت نساء القبائل تأتي في كل سنة إلى (مكة المكرمة) لتأخذ أبناء الأشراف وذوي المناصب والجاه.

فأمر (عبد المطلب) أن يؤتى بالمرضعات، ليختار منهن واحدة، لحفيده الميمون.

فأتت النساء، تسعى إلى (عبد المطلب) لتنال هذا الشرف الذي فيه مفخرة إرضاع هاشمي لـ(محمد) والنيل من رفد زعيم مكة.

ولم يقبل (الوليد) ثدي أية امرأة منهنّ، فكن يرجعن بالخيبة.

وكأن (الله) سبحانه لم يشأ إلا أن ترضع النبي امرأة طاهرة نقية.

حتى انتهى الدور، إلى امرأة شريفة عفيفة تسمى (حليمة السعدية)، فلما مثلت بين يدي (عبد المطلب) سألها عن اسمها، ولما أُخبر باسمها، تفأل وقال: (حلم وسعد)!!.

فأعطوها النبي (محمد) وإذا به يلقم ثديها ويقبل على المص ببهجة وحبور. فرح الجميع من ذلك، وأخذوا يباركون الجد والمرضعة، وهناك عادت إلى قومها (حليمة) بخير الدنيا، وسعادة الآخرة، تحمل الوليد المبارك، وشاءت الأقدار أن تدرّ على قبيلة (حليمة) الخير والبركة، بيمن هذا المولود الرضيع.

فكانت السماء تهطل عليهم بركة وسعة وفضلاً.

والوليد الرضيع، ينمو نمواً مدهشاً، على غير عادة أمثاله، ويوماً بعد يوم، تظهر في سماته آثار العز والجلال، مما تُنبئ بمستقبل نير، فكانت القبيلة تتعجب من هذا الرضيع!

وأخذ الطفل يشب، وينمو، ويقوى، ويكبر، وفي صباح كل يوم تقع عينا (حليمة) وعيون (القبيلة) على وجه وضاء مشرق.

واتفق ـ أيام كان (محمد) في البادية: أن جاء رجل إلى مكة، وقال لـ(عبد المطلب): إن (حليمة) امرأة عربية، وقد فقدت ابنها، واسمه (محمد).

فغضب عبد المطلب لهذا الخبر المؤلم، وحزن.

وأرسل في طلبه، فوجدوه، في واد، تحت شجرة أُم غيلان.. فسرّ بذلك سروراً بالغاً.