امام-علی

أول الكلام – حبيب الله ورسوله

قلائل أولئك الذين مرُّوا في تاريخ البشريَّة وتمكَّنوا من أن يعبروا الأجيال والأُمَم والحضارات والثقافات والديانات، فكانوا أكبر من الأمم والحضارات ومن تاريخها، ومن هؤلاء الإمام علي بن أبي طالب (ع).‏

فعظمة هذا الإنسان كانت حاضرةً في نفس كلِّ من قرأ سيرته ومسيرته وكلماته، في حياته منذ بداية الإسلام وحتّى استشهاده، سواء من اتَّفق معه في الدِّين والاعتقاد أو من خالفه أو اختلف معه.‏

ولم يقف كون عليٍّ (ع) على ملة الإسلام، بل إماماً في هذه الملّة، عائقاً أمام الاعتراف بعظمة هذا الإنسان.‏

وأمَّا من لم يعرف علياً (ع) فلا يسعه إلا أن يقرأ ما كُتِبَ عنه (ع) مع ملاحظة مَنْ كَتَب عنه (ع) ليعترف بعظمة هذا الإنسان.‏

فأين سرّ عظمة هذا الإنسان؟‏

تتعدّد الإجابات، فبعضهم يرى في إنسانيّته السبب والمعبر الذي دخل من خلاله قلوب الناس كلّ الناس، وبعضهم يرى ذلك في صدقه مع ذاته ومع الآخرين، وبعضهم يرى ذلك في مدّة خلافته وسلطانه والطريقة التي مارس فيها السلطة والحكم، وبعضهم يرى ذلك في كلماته التي تحمل أعمق المعاني وأعظم الأفكار التي ترتبط بجوهر الإنسانيّة.‏

إنّ هذا كلّه صحيح، وذلك لأنّ باب النفوذ إلى عقول الناس وامتلاك قلوبها لا يسلك طريقاً واحداً، بل له طرق متعدّدة، ولذا كان رأي صاحب كلِّ رأي في عليٍّ (ع) نابعاً ممَّا يراه هو من عظمةٍ في عليٍّ (ع). وعليٌّ (ع) قد جمع العظمة في هذه الأمور كافّة.‏

ولكنّ هذه الأجوبة تقصر عن أن تقدّم الإجابة الشافية، ولذا كان لا بدّ لمن يبحث عن حقيقة عظمة هذا الإنسان أن ينطلق من الدّين الذي آمن به عليٌّ (ع).‏

إنّ ذلك يكمن في آيةٍ من كتاب الله عزّ وجل وهي قوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: ۳۱).‏

عظمة عليٍّ (ع) في أنّه حبيب الله؛ ولأنّه حبيب الله كان حبيباً لرسول الله (ص)، ولم يكن ذلك إلا لأنّه كان تابعاً لرسول الله (ص).‏

إذاً، عظمة عليٍّ (ع) في الاتِّباع.‏

فالاتِّباع جعل علياً (ع) فاتح خيبر، فوصفه رسول الله (ص) بأنّه رجل يحب اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه.‏

والاتِّباع جعل علياً (ع) هازم الأحزاب وموهن كيدها في معركة الأحزاب.‏

والاتِّباع هو الذي جعل علياً (ع) يلجأ إلى الصمت بعد وفاة رسول الله (ص)؛ لأنّه كان مأموراً بذلك.‏

وهذا الاتِّباع هو الذي افتخر به علي (ع)، فقال: «ولقد كنت أتَّبعه اتِّباع الفصيل أثر أمه يرفع لي في كلِّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به» (۱).‏

وفي عظمة عليٍّ (ع) وفي اتِّباعه لرسول الله (ص) درسٌ لكلِّ إنسانٍ أن لا يعلو ولا يترفّع، بل يرى في اتِّباعه العلو والرفعة.‏

وفي اتِّباع علي (ع) بيانٌ مختصرٌ وواضحٌ لكلِّ إنسانٍ بأنَّ وصوله إلى صفة حبيب الله ورسوله أمرٌ ممكنٌ شرطَ الاتِّباع.‏

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.‏

الهوامش:‏

(۱) نهج البلاغة، الشريف الرضي، ج ۲، الخطبة ۱۹۲، ص ۱۵۷٫‏

الکاتب: السيد علي عباس الموسوي