النبي وأهل بيته » السیرة والتاریخ » النبي الأعظم »

يدعو(ص) من له مظلمة أن يقتص منه

لما كان النبي(ص) في مرض موته، طلب من بلال أن ينادي له الناس، (فاجتمع الناس فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) متعصبا بعمامته ، متوكئا على قوسه حتى صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : معاشر أصحابي ، أي نبي كنت لكم ! ألم أجاهد بين أظهركم ، ألم تكسر رباعيتي ، ألم يعفر جبيني ، ألم تسل الدماء على حر وجهي(1) حتى لثقت (2) لحيتي ، ألم أكابد الشدة والجهد مع جهال قومي ، ألم أربط حجر  لمجاعة على بطني ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، لقد كنت لله صابرا ، وعن منكر بلاء الله ناهيا ، فجزاك الله عنا أفضل الجزاء .

قال : وأنتم فجزاكم الله .

ثم قال : إن ربي عز وجل حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم ، فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة إلا قام فليقتص منه ، فالقصاص في دار الدنيا أحب إلي من القصاص في دار الآخرة على رؤوس الملائكة والأنبياء .

فقام إليه رجل من أقصى القوم يقال له سوادة بن قيس ، فقال له : فداك أبي وأمي يا رسول الله ، إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق (3) ، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني ، فلا أدري عمدا أو خطأ . فقال معاذ الله أن أكون تعمدت .

ثم قال : يا بلال ، قم إلى منزل فاطمة فأتني بالقضيب الممشوق . فخرج بلال وهو ينادي في سكك المدينة : معاشر الناس ، من ذا الذي يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة ؟ فهذا محمد ( صلى الله عليه وآله ) يعطي القصاص من نفسه قبل يوم القيامة !

وطرق بلال الباب على فاطمة ( عليها السلام ) وهو يقول : يا فاطمة ، قومي فوالدك يريد القضيب الممشوق . فأقبلت فاطمة ( عليها السلام ) وهي تقول : يا بلال ، وما يصنع والدي بالقضيب ، وليس هذا يوم القضيب ؟ فقال بلال : يا فاطمة ، أما علمت أن والدك قد صعد المنبر وهو يودع أهل الدين والدنيا ! فصاحت فاطمة ( عليها السلام ) وهي تقول : وا غماه لغمك يا أبتاه ، من للفقراء والمساكين وابن السبيل يا حبيب الله وحبيب القلوب ؟

ثم ناولت بلالا القضيب ، فخرج حتى ناوله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أين الشيخ ؟ فقال الشيخ : ها أنا ذا يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ؟ فقال : تعال فاقتص مني حتى ترضى . فقال الشيخ : فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله ، فكشف ( صلى الله عليه وآله ) عن بطنه ، فقال الشيخ : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ؟ فأذن له ، فقال : أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار يوم النار . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا سوادة بن قيس ، أتعفو أم تقتص ؟ فقال : بل أعفو يا رسول الله . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمد .

ثم قام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فدخل بيت أم سلمة وهو يقول : رب سلم أمة محمد من النار ، ويسر عليهم الحساب)(4) .

ـــــــــــــ

1ـ الحر من الوجه: ما بدا من الوجنة .

2ـ أي اخضلت .

3ـ الممشوق من القضبان : الطويل الدقيق .

4ـ أمالي الصدوق: 733 .